الفهرس

المؤلفات

  الإدارة

الصفحة الرئيسية

 

القدرة الإدارية

مسألة: القدرة من أسس الإدارة الصحيحة، فاللازم أن يهتم المدير أو الجهة التي تدير المؤسسة لامتحان قدرة الموظفين، حتى يظهر أنه هل يمكن تسليم المنصب إليهم لكي يقودوا المؤسسة بسلام أم لا، إذ غير القدير مهما كان مخلصاً لا يتمكن من ذلك، ومن الواضح أن القدرة ليست متغيرا وحيدا يؤثر في كل مجالات الأداء، وإنما هي عامل مركب من متغيرات عديدة يتفاوت أثرها على الأداء بتفاوت طبيعة هذا الأداء ومتطلبات القدرات اللازمة له، ومن هنا كان اللازم التعرف على أنواع القدرات ومجالاتها وعلاقتها بالأداء ومتطلباته، ولما كانت الخبرات والممارسة وعوامل البيئة لها دور هام في تشكيل القدرات الفطرية وفي تنميتها، كان اللازم استعراض العوامل التي تتحكم في تنمية قدرات الأفراد أي تعلمهم، والتي تتحكم أيضاً في علاقة الخبرات المتعلمة والممارسة والأداء، ولذا نجعل الأمر في فصلين، الفصل الأول: أنواع القدرات ومكوناتها، والفصل الثاني: عملية التعلم وأثرها على تنمية القدرات والممارسة، كما أنه يجب أن يكون المدير على علم تام بالبيئة التي نشأت فيها القدرة، لأن البيئة ثالث الأثافي في هذا المجال، أما أنواع القدرات فيمكن تقسيمها إلى نوعين رئيسيين: قدرات عقلية، وقدرات غير عقلية، وهل القدرات العقلية منبعثة عن شيء واحد؟ كما كان يعتقد بعض الفلاسفة والحكماء، حتى قال الحاج السبزواري (النفس في وحدتها كل القوى)، أم أنها قدرات متعددة جامعها القدرة العقلية، كما أن الذوق مثلاً أذواق متعددة مفروشة على سطح اللسان، حيث إن تذوق الحلو أو الحامض أو ما أشبه ليس بمكان واحد، وإنما كل مكان له تذوق خاص وإن زعم الإنسان غير المطلع على الواقع أن اللسان هو بجملته يتذوق الأطعمة بجملتها، وهناك رأيان في القدرات العقلية، أنها هل هي قدرة واحدة ذات متعلقات، أم قدرات متعددة؟ وعلى أي حال فبعضهم قسّم القدرات العقلية إلى أصولها الأولية، وهي:

أولاً: عامل الفهم اللغوي، وهو يمثل القدرة على فهم الكلمات، والمعنى الذي تحتويه.

وثانياً: عامل الطلاقة اللغوية، وهو يمثل القدرة على تكوين الكلمات.

وثالثاً: عامل القدرة الحسابية، وهو يمثل السرعة في إجراء العمليات الحسابية على اختلاف أنواعها، مثل الجمع والطرح والضرب والقسمة.

ورابعاً: عامل القدرة المكانية، وهو يمثل القدرة على تصور الأشكال الهندسية في أوضاع مكانية مختلفة.

وخامساً: عامل السرعة الإدراكية، وهو يمثل السرعة في إدراك التعرف على التفصيلات الدقيقة للأشياء، وأوجه الشبه والاختلاف بينها.

وسادساً: عامل التذكر، وهو يمثل القدرة على حفظ الكلمات والأرقام والحروف والرموز أو أي أشياء أخرى.

وسابعاً: عامل التفكير الاستنباطي، وهو يعتمد على ثلاثة أمور:

الأول: يمثل القدرة على اكتشاف واستخراج القاعدة العامة من حالات جزئية.

والثاني: القدرة على اكتشاف الأمور الجزئية من القاعدة العامة، مثل اكتشاف الحساب الموكول إليه من الجبر والمقابلة أو نحو ذلك.

والثالث: القدرة على اكتشاف حالات جزئية من حالات جزئية أخرى، مثل اكتشاف حالات إنسان يسكن مدينة كذا من المعرفة بأن أفرداً آخرين كانوا بهذه الصفة، حيث سكنوا في تلك المدينة وهذا إن كان بالملاك صح، وإلاّ لم يصح وفي صورة الملاك ينتقل الذهن من الجزئي إلى الكلي، ومن الكلي إلى الجزئي الذي هو محل البحث مثلاً، قال سبحانه: (... فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ...) [1] فإن الذهن ينتقل من هذا، إلى أن مطلق إيذائهما محرّم، ومن هذا الكلي ينتقل الذهن إلى أن النظر إليهما بغضب محرّم أيضاً لانطباق كلي الإيذاء المستنبط على هذا الجزئي.

وثامناً: العامل الاجتماعي، وهو القدرة على فهم متطلبات المجتمع من الآداب والسنن والتقاليد، فإن بعض الناس يسرعون في إدراك تطبيق الجزئي الذي هو محل الحاجة على كلي ما يتطلبه المجتمع، وبعض الناس ليس لهم هذه السرعة، هذا بالنسبة إلى القدرات العقلية.

أما القدرات غير العقلية، فقد صنفها بعضهم إلى مجوعتين، المجموعة الأولى: قدرات الحواس، والمجموعة الثانية: قدرات حركية، فقدرات الحواس هي عبارة عن قدرة البصر والسمع والشم واللمس والذوق.

أما قدرة الإبصار، فقد دلّت نتائج الأبحاث التي أجريت على حاسة البصر، إن أهم القدرات التي تندرج تحت هذه الحاسة، هي:

أولاً: حدة الإبصار، وهي تمثل القدرة على التمييز المكاني للعناصر الدقيقة، التي تقع في المجال البصري.

وثانياً: تمييز المسافات، وهي تمثل القدرة على إدراك العلاقات المكانية، من حيث البعد النسبي للأشياء.

وثالثاً: تمييز الألوان، وهي تمثل القدرة على تمييز الألوان، والدرجات المختلفة لها.

ورابعاً: التنسيق الأبصاري، وهي تمثل التنسيق بين العينين في حركتهما، لتتبع الجسم المرئي يتحرك إلى أعلى أو إلى أسفل أو إلى اليمين أو إلى اليسار أو مورباً أو رحوياً، أو ما أشبه ذلك.

أما قدرة السمع، فإن نتائج الأبحاث التي أجريت على حاسة السمع دلت على أن القدرات السمعية، هي قدرات تتعلق بحدة السمع والتمييز بين مثيرات صوتية مختلفة.

ثم تأتي نوبة قدرة التذوّق، وهي القدرة:

أولا: على أصل تفهم الطعم.

وثانياً: على التمييز، ثم يأتي دور تحليل العقل بأن هذا حسن أو سيء، مثلاً من يتذوّق سائلاً يحس أولاً أنه حامض أم لا، ثم يميّز بين أنه خل أم ماء حصرم، وإذا كان خلاً يميّز أنه خل عنب أم خل تمر، وبعده يأتي دور أنه حسن أم فاسد ويميز أنه حسن من النوع العالي أم لا، وليس المراد الترتيب في التمييز، بل جمع أقسام التمييز في لحظة واحدة.

وبعد قدرة الذوّق تأتي قدرة الشم، وتأتي قدرات التذوّق في قدرات الشم أيضاً، فإن معرفة صحة أو فساد المشموم تتوقف على هذه الحاسة، ولها حد خلية في وقاية الإنسان من الأخطار، فإن من لا قوة في شمه إذا كان في مكان منتن لا يتجنب الموضع لفرض أنه لا يدرك الوساخة بشمه فيبتلي بالمرض، وكذلك حال تجنب الإنسان مواضع الخطر، فإن قسماً من الحيوانات المفترسة لها رائحة خاصة، إذا استشمها الإنسان تجنب موضع ذلك الخطر الذي يتواجد ذلك الحيوان فيه، وإن لم يستشم وقع في المحذور، وهكذا بالنسبة إلى روائح القنابل الكيماوية وما أشبه، فليست قدرة الشم في نفسها قدرة يستهان بها، وإن كانت بالنسبة إلى قدرة التذوّق والبصر والسمع واللمس أقل في الفائدة.

والخامس: وهو الأخير، قدرة اللمس، حيث أنها تعرف الحرارة والبرودة والنعومة والخشونة والرطوبة واليبوسة وما أشبه ذلك، كما أنها هي التي تهيّج في الإنسان نوازع الجنس، مما ذكر تفصيله الفلاسفة والحكماء والمتكلمين وعلماء الحديث في كتبهم مفصلاً.

وحيث قد عرفت الموجز من قدرات الحواس، نأتي إلى القسم الثاني، وهي قدرة الحركة، وهي عبارة عن الاستجابات الحركية التي يقوم بها الفرد بناءاً على إدراكه لمثيرات معينة، سواء من داخل الفكر أو من خارج الفكر (وهي الحواس) وأن الإنسان قد يتحرك بسبب ما يشاهد، أو يسمع أو يتذوق أو يشم أو يلمس، كما أنه قد يتحرك بسبب تفكير يسبب له الحركة، وإن لم تكن الحواس قد أدركت شيئاً، حتى تكون الحركة رد فعل لذلك الإدراك الحسي، وهنا نعرض جملة من القدرات الحركية بناءاً على نتائج البحوث التي أجريت عليها حديثا:

الأول: السرعة، فإن السرعة أحد الخصائص المهمة للقدرات الحركية، وهي تتكون من عدد من العوامل، وأهم هذه العوامل وأكثرها عمومية، القدرة على الاستجابة السريعة لأخذ المؤثرات، ويكون من هذا الكلي حركة الجسم ككل، أو سرعة حركة الساعد أو الأصابع، والمهارة اليدوية التي تدخل فيها عناصر السرعة والدقة معاً، وكذلك سرعة حركة الوجه والرجل وما أشبه ذلك.

والثاني: التنسيق، فإنه يظهر قدرات التنسيق الحركي في الحالات التي يكون مطلوباً من الفرد القيام بعمليتين أو أكثر في توازن وتوافق لأداء مهمة معينة، وأحد العوامل المهمة المكوّنة لقدرات التنسيق ويمثل في القدرة على القيام بسلسلة من الحركات الدقيقة والسريعة الموجهة توجيها محكماً، والتي تتضمن التنسيق بين حركة العين وحركة اليد أو ما أشبه ذلك، ويمثل عامل التحكم الدقيق عنصراً آخر من عناصر قدرات التنسيق، وهو يتضمن القدرة على القيام بالتكيف الدقيق لحركة العضلات، وعنصر ثالث من قدرات التنسيق يتمثل في التنسيق بين حركة مجموعات عضلية مختلفة، مثل حركة الأيدي أو حركة الأرجل أو إحدى اليدين وإحدى الرجلين، أو اليدين مع الرجلين إلى غير ذلك.

والثالث: اللياقة أو الكفاءة الجسمانية، فإن البحوث التي أجريت على قدرات الكفاءة الجسمانية تتضمن العوامل التالية:

أ ـ القوة، وهي القدرة على بذل جهد جسماني مكثف.

ب ـ والمرونة، وهي القدرة على تغيير موضع الجسم أو تحريكه في اتجاه معين.

ج ـ والتوازن، وهي القدرة على حفظ توازن الجسم في وضع ثابت، أو في حالة الحركة.

د ـ والتنسيق، وهي القدرة على التنسيق في حركة الجسم ككل.

هـ ـ والتحمل، وهي القدرة على الاستمرار في بذل الجهد.

وبعد القدرات المذكورة يأتي دور التعليم والبيئة والممارسة، وحيث قد سبق الالماع إليها في تربية الموظف لم يكن داعٍ إلى تكرارها، والمدير اللائق هو الذي يضع كلما ذكرناه من القدرات وغيرها في الموظف الذي يريد استخدامه موضع الامتحان، فإن فاز بنجاح، استخدمه وإلاّ تجاوزه إلى غيره، وقد ذكر علماء الإدارة تفصيلاً حول كيفية الامتحان نعرض عنها خوف الإطالة.

[1] سورة الاسراء: الآية 23.