الفهرس

المؤلفات

  الإدارة

الصفحة الرئيسية

 

تحمل مسؤولية الإدارة

(مسألة): مما يلزم على من أراد تبنّي الإدارة، أن يتحمل المسؤولية، فإن تحمّل المسؤولية نظرياً وتحمّلها عمليّاً من أهم ما يجب على الإنسان إذا أراد أن يكون مديراً.

ومن أسباب تخلف العالم الإسلامي خاصةً، والعالم الثالث بصورة عامة أن أفرادهما لا يتحمّلون المسؤولية على الأغلب، ومن المعلوم أن المجتمع إذا تقدم كان معناه أن أفراده متقدمون، وإذا تخلف كان معناه أن أفراده متخلفون، فإن الشخص إذا لاحظ غالبية المسلمين يرى أن كل واحد منهم لا يفكر إلا بنفسه، ولا يهمه أمر المجتمع بخلاف ما قال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): (من أصبح ولا يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم) [1] أي ليس بمسلم كامل الإسلام، مثل (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) [2] الآية، أي المؤمنون كاملو الإيمان، وذلك بخلاف الكثرة الغالبة من العالم الغربي، حيث إن الأشخاص يتحملون المسؤوليات بعد تبنّيها، ولذا كثرت فيهم الشركات والمؤسسات بمختلف ألوانها، من: الثقافية، والإعلامية، والسياسية، والمالية، والاقتصادية، والتربوية، والخدميّة، وغيرها، وهذا وإن كان وليد الديمقراطية (الاستشارية) حيث إن أجواء الحرية تفسح المجال للكفاءات في الظهور وللمنافسات في التحقق، حيث يريد كل شخص أن يتقدم ولا يتقدم عليه الآخرون، وبذلك تظهر له الحاجة إلى التعاون والتشارك والتشاور مع الآخرين، بخلاف العالم الإسلامي، حيث الدكتاتورية والاستبداد في كثير من أفراده من القمة إلى القاعدة، وهما مبعث كل فتنة وشر وتخلف وتنازع، إلا أن المهم هو تربية الإنسان نفسه، ببناء المشاركة وتحمل المسؤوليات، فإذا كثر في المجتمع مثل هؤلاء الأفراد فلا بد وأن يجرف السيل الاستبداد، والقضية كما يقول العلماء: دورية، لكن ذلك دور معنى لا دوراً مضمراً أو مصرّحاً على الاصطلاح.

وعلى أي حال فتبنّي المسؤولية معناه أن الإنسان يوجد في نفسه هذه الحالة حتى تتلون نفسه بهذه الملكة، إذ المسؤولية شيء صعب ولذا فمن يطلب الراحة أو يريد الأنانية يفر منها ويقدم الأعذار والتبريرات لعدم تحملها، إما أعذاراً دينية بزعم أن الدين ينافي ذلك، أو أعذاراً اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو ما إلى ذلك، إن تحمل جانب من جوانب المسؤولية في المجتمع فيه التعرّض للتّهم، والصعوبات، والسهر، وتبنّي حل المشاكل، وجمع الكلمة ليل نهار حتى يصل الإنسان إلى أفضل الطرق للسير بنفسه، وبمن تحمّله، أو ما تحمّله إلى الأمام، وفهم أنه لا بد من عثرات وهفوات في أثناء الطريق إلى الهدف، بل والسقوط أحياناً والناس غالباً يريدون الحياة على وتيرة ثابتة مأمونة، ويفضّلون الهدوء والراحة والعافية بمعناها المهلهل، وهؤلاء يبتلون بالمشاكل أكثر فأكثر، ولذا نرى العالم الثالث غارق في الأوحال في كل أبعاده، ومن كل الجوانب، وفي المثل: (أم الجبان لا تفرح ولا تحزن).

مثلاً: تحمّل المسؤولية في إدارة مدرسة أهلية، بحاجة إلى طرق الأبواب للحصول على المال، وذلك كثيراً ما يقابل بالصدود والإهانة، ولكن ينجح الطارق أخيراً، فاللازم أن يتبنى ذلك من يريد تقديم الحياة إلى الأمام، وفي الأمثال: (من لجّ ولج، ومن جدّ وجد، ومن أكثر طرق الباب يوشك أن يسمع الجواب).

ثم يبتلى فاتح المدرسة باستقبال المعلمين ـ على عنجهية بعضهم ومشاكلهم ـ ثم مشكلة البناء إيجاراً أو شراءً وجيرانها، ثم مشكلة الطلاب وآبائهم الذين يطلبون نجاح أبنائهم ولا يرون أن بعضهم كسالى وهم سبب رسوب أنفسهم لا الإدارة، ولذا فمثل هؤلاء الآباء يخلقون المشكلات للمدير والإدارة و (صاحب الحاجة أعمى لا يرى إلا قضاها).

ثم بعد ذلك يبتلى من يريد فتح المدرسة بمشاكل روتين الدولة ـ في العالم الثالث حيث الموانع وما أشبه ـ إلى غير ذلك، وهل الإنسان مستعد لكل ذلك حتى يفتح مدرسة أهلية، ومن المعلوم أن نجاة المسلمين عن الجهل، والتخلف الفكري الذي هو من أسس التخلف الذي أصاب العالم الإسلامي بصورة عامة تأتي بقدرة مثل هذه المدارس على التثقيف، وهكذا الكلام في إطار إنشاء مؤسسة اقتصادية، أو جريدة، أو مجلة، أو نصب إذاعة ـ إن لم يكن مستحيلاً في العالم الثالث ـ أو فتح مستشفى أو دار ولادة، أو نصب مطبعة، أو تنظيم منظمة، أو إدارة شركة مساهمة، أو فتح دار نشر إلى غيرها وغيرها.

وأهم من كل ذلك تربية من يديرون، فإن المدير يكون رمزاً، وتربية الرمز من أهم الأمور، كما أن تكوين القادة كذلك، وقد قال الشاعر في تأبين أحد زعماء الأحزاب الذي تمكن من تكوين قادة خلفوه في الإدارة في قصيدة من جملتها:

هيهات أن يرقــى إليـــك ثناء***وثمـــار غرسك هذه الزعماء

ثم إن الإدارة وسط بين اللامبالاة والفردية من ناحية، وبين الاستبداد والدكتاتورية من ناحية ثانية، إذ كثيراً ما يقوم جماعة بفتح مؤسسة، أو إنشاء منشأة ويكون أحدهم أكثر ذكاءً، أو أحسن مقدرة، أو الصق بالمجتمع من الآخرين، فيستبدّ بالأمر، ويبعد الآخرين عمليّاً ويجعلهم ثانويين، وإنما يجعل من نفسه كل شيء، وذلك بمختلف الأعذار والتبريرات، وفي الحقيقة هذا مثال فردي وهو بهذه الصورة وغالباً يسبب ذلك تأخر المشروع وينتهي باضمحلاله قريباً أو بعيداً، لأن رأي الفرد مهما كان أقل قيمة من رأي الجماعة، وقد قال علي (عليه الصلاة السلام): (من استبدّ برأيه هلك) ومن جملة الاستبداد والفردية في الجماعات المؤسسة، ما نشاهده في غالبية الأحزاب في الشرق سواء كانت إسلامية أو غير إسلامية، من كونهم ينظّمون هرماً يكون القائد قائداً طول الحياة، ومن في الدرجة الثانية والثالثة وهكذا: يبقون وسط الهرم وفي قاعدته بدون انتخابات في الحزب، وإنما استبداد ودكتاتورية، وهل من المعقول أن يكون فرد عادي ـ غير النبي والإمام (عليهم الصلاة والسلام) ـ هو أصلح أبداً ولا يأتي فرد آخر أكفأ منه وأقدر؟ وسرّ نجاح الأحزاب الغربية هو جريان الانتخابات فيها، مع قطع النظر عن انتخابات الدولة، فإن هناك قسمين من الانتخاب، انتخاب دولة لتعيين الرئيس فمن أشبه، والانتخابات الجارية في الحزب لتعيين الرئيس والمدير وأمين السر إلى غير ذلك، وفي انتخابات الحزب يتقدم المتأخر ويتأخر المتقدم حسب الأصوات وذلك يوجب:

أولا: جذب الأفراد من خارج الحزب إلى التنظيم باستمرار.

وثانيا: العمل من قبل أفراد الحزب ليل نهار، لأن يحرز المقاعد الأمامية، ثم الحزب الذي يكون دكتاتوريّاً في داخله هل يمكن أن يكون استشارياً إذا وصل إلى الحكم؟ ولهذا كثيراً ما شاهدنا أن بعض الأحزاب وصلت إلى الحكم، لكنها أصبحت دكتاتورية أسوأ من الدكتاتوريات السابقة التي أطاحو بها حتى يطبقوا الديمقراطية على اصطلاحهم.

ويجب على المدير أن يستعد لتحمل المسؤولية، وأن يكون له الولاء للعمل، فإن غير ذي الولاء، لا يمكن أن يأتي بكامل الإنتاج، وأن يكون له الابتكار، إذ ليست الإدارة جموداً وجفافاً وعملاً آلياً، بل بحاجة إلى خلاّقيَّة ذهنيةٍ تولّد الابتكار في الوقت المناسب، إلى غير ذلك.

وهذه الصفات - باستثناء الطاقة الجسمية ـ تعتمد على الأمور الثلاثة المتقدمة، من النفس الخصبة ذات البعد الإداري إلى العلم، والفن، ومن الواضح أن كلاً من هذه الثلاثة، قابلة للتغيير ليتضاعف الإنتاج، كالأرض الخصبة تُسمّد، والعلم يتطور، والفن يتقدم، ولذا فعلى المدير أن يكون دائم التطلع والملاحظة، كما في الحديث: (من تساوى يوماه فهو مغبون، ومن كان آخر أمسه خيراً من يومه فهو ملعون،، ومن لم يكن في زيادة فهو في نقصان، ومن كان في نقصية، فالموت خير له من الحياة) [3].

[1] الكافي: ج2، ص163، ح1.

[2] سورة الأنفال: الآية 2.

[3] وسائل الشيعة: ج11، ص376، ح5.