الفهرس

المؤلفات

  الإدارة

الصفحة الرئيسية

 

المواصفات العامة للإدارة

(مسألة): الإدارة يجب أن تكون مرنه، فإن الإنسان لم يخلق من الحجر والشجر، حتى يتمكن الشخص من المعاشرة معه بالعنف والشدة، بل إنّ الإنسان خلق من عصب، ولحم، ودم، وعقل، وعواطف، ومثل ذلك فالمدير يحتاج إلى المرونة الكاملة، حتى يتمكن من الإدارة الصحيحة، فإن الإنسان يتمكن أن يأخذ منشاره ويدخل البستان ويقطع ما شاء من الزوائد من الأغصان أو الأشجار ونحوها، كما أنه يتمكن أن يأخذ فأسه ويدخل في بناء ويحطم ما يشاء، لكن هل يتمكن الإنسان أن يفعل مثل ذلك تجاه إنسان مثله، هذا ما لا يمكن إطلاقاً، ولذا فالواجب على الإدارة أن تكون مرنة والمدير الناجح، هو المدير الذي يكون مرناً، وعليه فاللازم على المدير الناجح، أن يلاحظ هذه البنود الآتية:

الأول: التعاون، فإن التعاون بين المدير ومرؤوسيه كالتعاون بين المدير وعامليه، وبين العمال وبعضهم من أي قسم من أقسام الإدارة كانوا، بسبّب القوة والتقدم، مأخوذاً من مبدأ (الاتحاد قوة) وهذا المبدأ يؤكد الحاجة إلى العمل الجماعي وأهميّة الاتصال في الأصول. قال سبحانه: (وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوانِ) [1].

الثاني: المساواة، فإن اللازم على المدير، أن يجعل المساواة الكاملة نصب عينيه، بالنسبة إلى العمال المتساوين، لا أن يرجح بعضهم على بعض، في أية من الامتيازات، فإن الترجيح يوجب التفكك وابتعاد القلوب، مما يسبب ضعف الإنتاج، فاللازم على المدير الناجح، الحصول على ولاء مرؤوسيه من هذه الناحية، حتى يتفانوا في العمل وذلك ببذله مزيدا من العطف والعدل والإحسان، عند التعامل معهم، وليس معنى المساواة جعل غير المتساويين متساويين، بل معناه جعل المتساويين في الأداء متساويين في الحقوق، وإلا فجعل غير المتساويين متساويين في الحقوق ظلم وإجحاف بحق المتفوق.

الثالث: استقرار العمالة، بمعنى أن لا يكون المدير يخرج هذا تارة ويدخل ذاك أخرى حتى يسقط الاستقرار، فإن غير المستقر من العمال، لا يخدم العمل بمثل المستقر، من غير فرق بين أن يكون ذلك في المعمل، أو المصنع، أو المدرسة، أو الوزارة، أو غيرها، فإن عدم الاستقرار، راجع إلى سوء الإدارة وضيق الأُفق في المدير.

الرابع: المبادرات، بأن يفسح المدير أمام المرؤوسين المجال، ليتمكنوا من تطبيق أفكارهم، ومبادئهم وابتكاراتهم، فإن كثيرا من المرؤوسين عندهم ابتكارات ونفسيات صالحة للارتفاع، فإذا رأوا أمامهم المجال مفتوحا، تمكنوا من التقدم والتفوق، بعكس ما إذا لم يفسح المدير المجال أمامهم، حيث إنهم يبقون في درجة متأخرة، وتضمحلّ كفاءاتهم، وابتكاراتهم،بالإضافة إلى أن صاحب النفسية الرفيعة والابتكار، إذا لم يجد المجال أمامه مفتوحاً لم يهتم بالعمل، ولعل من أسرار جمود كثير من الأحزاب الإسلامية وغير الإسلامية في العالم الثالث بصورة عامة، عدم رعاية هذا المبدأ، حيث إن الأفراد المنظمين يشعرون بالغبن بالتشكيل الهرمي، الذي يجعل من الرئيس رئيساً دائماً، ومن الطبقة المتوسطة، طبقة متوسطة دائماً، ومن القاعدة قاعدة دائماً، فالأفراد يزهدون في العمل، لأنهم لا يرون أمامهم المجال مفتوحاً وكثير منهم يرى نفسه أفضل من الوسط أو أفضل من القمة، بينما عليه هو أن يطيع، أما غير المنظّمين من الأفراد الخارجيين، فإنهم لا يلتحقون بالتنظيم، لأنهم يزهدون في هذا التشكيل الذي يرونه جامداً، ويقتل إبداعات وابتكارات أفراده، فيبقى الحزب جامداً من الداخل والخارج، والحزب الذي يكون جامداً، داخلاً وخارجاً، لا يرتقي إلى المستويات المتوخاة، بينما نرى العكس من ذلك في أحزاب ما يسمى بالعالم الحر، حيث إن الفرد يترقّى حسب كفاءاته، وإن التحق بالحزب متأخّراً، فكل مُنْظَمّ يجد المجال أمامه مفتوحاً للترقي، فيعمل غاية ما في وسعه ويخدم الحزب والمجتمع وتظهر كفاءاته، وكأنه مطارد في العمل، كما أن الأفراد غير المنظمين يرون المجال أمامهم مفتوحاً إذا انضموا إلى الحزب، فينضمون بهدف الترقي والتقدم.

الخامس: تقسيم العمل، بأن يكون المدير، قادراً على جعل الإنسان المناسب في المكان المناسب، وهذا هو المعبر عنه بالتخصيص أو التخصص، من غير فرق بين أن تكون الإدارة خاصة أو عامة، فنية أو خدمية [2]، أو في القطاع الحكومي. واللازم على المدير، أن يجعل كل فرد في المكان المناسب له، فالفرد غير المناسب إن كان أرفع انهدمت كفاءاته، واندثرت، وذلك خسارة في الإدارة وفي الحياة بصورة عامة، وإن كان أخفض، لم يتمكن من العمل حسب مقامه، لأنه ليس كفؤاً له، وبذلك يضيع العمل، فعدم التقسيم يؤدي إلى ضياع العمل، أو ضياع الفرد، وبالنتيجة كلاهما ضياع الفرد والعمل معاً.

السادس: السلطة والمسؤولية، فعلى المدير أن يعرف، أن السلطة بقدر المسؤولية، والمسؤولية بقدر السلطة، وهذا ما يعبر عنه بالحق والواجب، فإن السلطة والمسؤولية، مرتبطتان ارتباطاً عضوياً، والمسؤولية تتبع السلطة وتتدفق منها، كما أن السلطة مزيج من السلطة الرسمية المستمدة من مركز المدير، والسلطة الشخصية التي تتكون من الذكاء، والخبرة، والقيمة الخلقية، والخدمات السابقة، والتجارب، وما أشبه ذلك، فالمسلط غير المسؤول، كما أن المسؤول غير المسلط، لا يتمكن أن يسير بالإدارة إلى شاطئ السلام.

السابع: مراعاة النظام، ومعنى ذلك احترام الاتفاقات والنظم والأوامر، وعدم الإخلال بشيء من القواعد الموضوعة للإدارة، وهذا المبدأ يستلزم وجود رؤساء قديرين في كل المستويات الإدارية، فإنه إذا اختل النظام، إنهدم كل شيء، وعادت الإدارة من السيئ إلى الأسوأ، إلى حد الاضمحلال، وفي كلام علي (عليه الصلاة والسلام): (نظم أمركم) [3] كما في الآية الكريمة: (... من كل شيء موزون) [4].

ومن الواضح أن الوزن، يلازم النظام في الأمور المعنوية، كما أن في الأمور المادية، الوزن يلازم التقدير الصحيح.

الثامن: الترتيب، وهذا تابع تلقائياً للنظام، والترتيب ينقسم، إلى الترتيب المادي، والترتيب الاجتماعي، بمعنى أن يكون هناك مكان معين لكل شيء ولكل شخص، ويكون كل شيء وكل شخص في مكانه الخاص به، فإن البعثرة في الأفراد، كالبعثرة في الأشياء، توجب تحطم الإدارة، قريباً كان أو بعيداً.

التاسع: تدرّج السلطة، بأن تكون سلسلة الرؤساء من أعلى الرتب إلى أدناها، تسلسلاً صحيحاً، لا أن الرؤساء جاءوا إلى السلطة، بسبب المحسوبية أو المنسوبية، كما نرى ذلك بالنسبة إلى الحكومات الثورية، التي لا يلاحظ فيها، إلاّ معايير الثورة، وبذلك تتحطم الإدارة تحطماً فظيعاً، ولذا نرى أن الثورات تبدأ بترحيب عظيم من المجتمع، ثم لا تزال في الضعف إلى حد الاضمحلال والسقوط، فترى أن الثوري يأتي إلى الإدارة بمن هو صديقه، أو رفيقه في السلاح، أو قريبه، أو خليله في التنظيم، أو ما أشبه ذلك، ومن الواضح أن مثل ذلك لا يتمكن من الإدارة، فتتحطم الإدارة، وبذلك يرتفع ضجيج الناس ويعملون لإسقاط الثوار.

العاشر: وحدة التوجيه، بأن تكون كل مجموعة من الأنشطة التي لها نفس الهدف، لها خطة واحدة ورئيس واحد، وهذا المبدأ يتعلق بالمنشأة، سواء كانت منشأة خدميّة، أو معنوية، أو حكومية، أو غيرها، وليس الأمر مرتبطاً بالعاملين.

الحادي عشر: وحدة السلطة الآمرة، وهذا الأمر مرتبط بالعاملين، وهو غير العاشر، ومعنى هذا أنه، يجب أن يستلم الموظف الأوامر من رئيس أو مشرف واحد فقط، فإن تعدد الآمرين والمشرفين، يوجب تبعثر الجهود وتحيّر العاملين، مثلاً المدرسة يجب أن يكون نظامها حسب سلطة واحدة، لا أن جماعة في مقام السلطة، يقررون كتاباً لهذا الصف، وجماعة أخرى يقررون كتاباً آخر، هذا بالنسبة إلى وحدة التوجيه، أما بالنسبة إلى وحدة السلطة الآمرة، فهو عبارة عن مدير عام واحد، يوزع المعلمين على الصفوف ويراقب تعليمهم، ولا يراد بذلك في كلا الأمرين الوحدة الحقيقية، بل الأعم من الوحدة الاعتبارية أيضاً، كأن يكون هناك أفراد متعددون في مقام السلطة والتوجيه والأمر، لكنهم يوجهون ويأمرون بأكثرية الآراء.

الثاني عشر: خضوع المصلحة الشخصية للمصلحة العامة، فإن كان هناك مديرين، سواء كانوا رؤساء الحكومات، أو في المعامل، أو في المدارس، أو في القطاع الخاص، يقدمون المصلحة الشخصية على المصلحة العامة، وهذا يؤدي إلى تبعثر في الجهود وعدم وصول إلى النتائج، فإذا تعارضت المصلحة الشخصية، مع المصلحة العامة، يجب تقديم المصلحة العامة على المصلحة الشخصية، أو إمكان الملائمة بينهما، بحيث لا يضر بالمصلحة العامة.

الثالث عشر: ملاحظة المركزية أو اللامركزية في السلطة، فإن هناك قد تكون المركزية، كما في الحكومات الوحدوية، وقد تكون اللامركزية، كما في (فيدرالية) الحكومات المحلية مع الحكومات اللامركزية، ولكل منهما موضع لا يرتبط بالآخر، ومن ملاحظة الحكومات الوحدوية والحكومات (الفدرالية) تظهر هذه الحقيقة.

الرابع عشر: مكافأة الأفراد وتعويضهم، لا مادياً فحسب، بل معنوياً أيضاً، ويجب أن تكون المكافأة للعاملين وطرق دفع أجورهم وإرضاء نفسياتهم، عادلة وقادرة على تحقيق أقصى رضى ممكن لكل فرد من أفراد العاملين، وصاحب العمل والمدير يكون هو المسؤول الأول عن مثل ذلك.

الخامس عشر: على المدير، أن يكون قادراً على التخفيف من ثقل الروتين واليأس، الذي يكون كابوساً على قلوب العاملين، فإن الإنسان خلق متطوراً وتقدمياً، فإذا لم يلاحظ فيه هذه الناحية يكون قطعة من الجمود، وهل الجامد يتمكن من المساهمة في تقدم الحياة إلى الأمام، وذلك يسبّب فشل الإدارة وضعف الإنتاج، وكثيراً ما ينتهي الأمر بالإدارة إلى السقوط، ثم أن من الواضح أن ما ذكرناه في هذه المسألة، ليس جميع مبادئ الإدارة الناجحة، وإنما ذكرنا شطراً من تلك المبادئ، وعلى من يريد الاستقصاء، فعليه بالملاحظة ومراجعة المفصلات.

[1] سورة المائدة: الآية 2.

[2]  هذا خلاف قاعدة النسبة الأدبية، لكن مثل ذلك متعارف في الأدب الخاص.

[3] نهج البلاغة: ج3، ص76، من وصيته (ع) للحسن والحسين (ع).

[4] سورة الحجر: الآية 19.