الفهرس

المؤلفات

  الإدارة

الصفحة الرئيسية

 

الحرية الاقتصادية وحرية إقامة المشاريع

(مسألة): الحرية التي منحها الله سبحانه وتعالى للإنسان، وقررها الإسلام، في غير المحرمات تقتضي وجود كل الأشكال المتقدمة للمؤسسات والمنشآت، في الحياة العملية للمجتمعات، وقيامها بالأوجه المختلفة من النشاط، هذا إضافةً إلى حاجة الإنسان إلى كل تلك الأشكال، مما يمكن المساهمة فيها في المنشآت، بمختلف أبعاد الحياة، ودراسة الوحدات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها تدل على أن شكلاً معيناً قد يسود ميداناً معيناً من الميادين، بينما لا يصلح في ميادين أو أوجه نشاط أخرى، وأحياناً قد يكون شكل المنشأة من الأمور القانونية، حيث لا اختيار لأصحاب المشروع، فاختيار أصحاب المشروع من ناحية والأمور القانونية من ناحية ثانية، والاقتضاءات الاجتماعية من ناحية ثالثة، بمجموعها تحدد الأشكال في المؤسسات المذكورة، فمثلاً تنص قوانين الكثير من الدول، على أن جميع المنشآت، التي تقوم بأعمال البنوك أو التأمين، يجب أن تتخذ شكل الشركات المساهمية، لكن من الواضح أن مثل هذه القوانين لا أهمية لها بالنظر الإسلامي، إذ الإسلام أعطى الحرية لكل الناس في كافة الأمور، باستثناء المحرمات التي نص عليها، سواء المحرمات الأولية، كالقمار والخمر وما أشبه، أو المحرمات الثانوية، التي ينطبق عليها دليل لا ضرر ولا حرج ولا عسر، وما أشبه ذلك من الأدلة الثانوية التي قد تتدخل في الميدان، فيقلب العنوان الأوّلي إلى نفسه، فإن الإسلام بمرونته المعروفة، جعل بعض الجائز حراماً أو واجباً، حسب قانون لا ضرر، فإذا كان بقدر كثير حرم ذلك الشيء، وإذا كان بقدر قليل بالنسبة إلى الإنسان نفسه أو الغير، فيما إذا رضى جعله جائزاً، كما أنه في العكس جعل بعض الواجبات جائزاً أو حراماً، بحسب تلك العناوين الثانوية، فإذا أوجب الواجب ضرراً متزايداً حرّم وإلاّ جاز، وإن كان فيه ضرر قليل جداً بقي على وجوبه، كالصوم الذي يوجب العمى، فإنه حرام وإذا أوجد مرضاً أسبوعاً مثلاً جاز وإذا أوجب ضعفاً متعارفاً بقي على وجوبه، وهذه المسألة مذكورة في المباحث المتعرضة لدليل لا ضرر، وعلى أي، فإذا فرض أن أمام مريدي التأسيس بدائل مختلفة ويتحيرون في تطبيق، أي تلك البدائل، يأتي السؤال الذي يفرض نفسه، وهو ما الشكل الذي يتخذه المشروع المقترح تأسيسه؟ وفي الجواب نقول: إن اختيار شكل معين، يتوقف على الهدف من إنشاء المشروع، وعلى الظروف المحيطة به، حيث إن هناك عوامل خارجية وداخلية تحكم اختيار الشكل المناسب، وعلى منظم المشروع، الاسترشاد بها، ومن تلك العوامل المقدرة.

أولاً: تدبير الأموال اللازمة للمشروع، سواء كانت المؤسسة اقتصادية أو غيرها، فإن كل منشأة بحاجة إلى أموال كافية ابتداءً واستمراراً.

ثانياً: إجراءات التكوين والتدخل الحكومي.

ثالثاً: الضرائب المقررة على المشروع من قبل الدولة.

رابعاً: الإدارة، ونشير هنا استطراداً إلى أن الضرائب كلها محرمة في الشريعة الإسلامية، فإن الضرائب المقررة في الإسلام عبارة عن الخمس والزكاة والجزية والخراج، أما سائر الضرائب التي تؤخذ في الحكومات الحاضرة، فكلها محرمة، وقد ذكرنا في كتاب فقه الاقتصاد تفصيلاً، حول كيفيّة أن يتمكن الإسلام من إدارة شؤونه الواسعة بهذه الضرائب الأربعة، لكن ليس الكلام الآن في هذا الموضوع، وإنما في الأمر الواقع وهو أن الحكومات تأخذ الضرائب من المؤسسات والمنشآت،فاللازم على من يريدون إقامة المشروع، أن يلاحظوا خصوصيات الضرائب في جملة ملاحظاتهم، عند إقامة المشروع.

ولنتكلم حول هذه البنود الأربعة، بشيء من التفصيل والتوضيح.

أما الأمر الأول، وهو المقدرة على تدبير الأموال اللازمة، فإذا كان الأفراد المهتمون بالقيام بالمشروع ـ أما بقصد استحصالهم على الأموال في مقابل خدماتهم، وأما بقصد تقديم المجتمع إلى الأمام في بعد من الأبعاد كالبعد الثقافي أو السياسي أو الصحي، أو غير ذلك، فإذا كانوا يملكون الأموال اللازمة، وكانوا في نفس الوقت مستعدين لتعريضها للأخطار، أو إقحامها في المشاكل التابعة لذلك المشروع، لم تواجههم مشكلة تدبير المال اللازم وتنتفي أهمية هذا العامل، بالنسبة لاختيار شكل المنشأة، ويحدد اختيار العوامل المختلفة الأخرى، التي قد لا يملكونها ولا يتمكنون من التلاؤم معها، أما مسألة تدبير الأموال بالنسبة إلى الذين لا يملكون المال والمؤسسة تحتاج إلى المال، سواء كانت بحاجة إلى مال كثير أو قليل، فهي تعتبر مشكلة مهمة، إذا لم تكن هناك جهة تزودهم بالمال الكافي، فلا بد لهم من الالتجاء إلى الجمع في هذه الحالة، إذ لا بد من اختيار الشكل المعين، الذي يسهل عملية التمويل، أو بعبارة أخرى الشكل الذي يمكّنهم من اجتذاب الممولين، سواء كانوا أفراداً، أو جهة حكومية أو بنوكاً مؤسسة لمثل هذه الشؤون، أو غير ذلك.

ثم إن في تدبير المال، يلزم الموازنة بين الأرباح والخسائر، مثلاً قد يعطي الشخص الممول ماله للمؤسسة في قبال أرباح قليلة في العمل المضاربي، وقد يعطي في قبال أرباح كثيرة، فاللازم ملاحظة كثرة الأرباح، مهما أمكن لتكون الإدارة قادرة على اجتذاب أكبر عدد ممكن من الممولين، ولغرض الإنصاف، أن يكون الربح موزعاً بين رأس المال والعمال والمديرين والمعمل، الذي يستهلك كل عام منه بقدر، مثلاً كل حسب حصته الواقعية إلى غير ذلك، هذه في المؤسسة الاقتصادية، وقد يكون المشروع المقام معهد ثقافي، أو مستشفى للصحة والعلاج أو ناد للتربية أو غيرها، وعليه فمن اللازم لتمويل هذا المشروع، الذي لا يتمكن من القيام بإدارة نفسه توظيف بعض المال في الاستثمارات الخارجية، حتى يتم تغطية النواقص المالية للمؤسسة المزمع إنشاؤها لهدف إنساني أو نحو ذلك.

وأما الأمر الثاني: وهو إجراءات التكوين والتدخل الحكومي، فإنها تختلف، باختلاف أشكال المؤسسة، فبالنسبة إلى المشروعات الصغيرة ذات رأس المال المحدود في الأمور الاقتصادية مثلاً، يجب مراعاة سهولة إجراءات التكوين إلى جانب قلة النفقات اللازمة لها، وقد تقدم أن المشروع الفردي، هو أسهل أشكال المؤسسات الاقتصادية، ويمكن تكوينه بأقل قدر من النفقات والإجراءات القانونية، أما في حالة تعدد الشركاء، كما في شركة التضامن مثلاً فإنّها تحتاج أيضاً إلى قليل من النفقات والإجراءات، وإن كانت فوق المشروع الفردي على ما تقدم، ولكن التدخل الحكومي، الذي هو أيضاً ضمن إجراءات التكوين يظهر بوضوح في شركات الأموال، خصوصاً إذا كانت الشركة شركة مساهمة، فإنها بحاجة إلى نفقات أكثر وجهود أوفر، لأنه ينطوي على الكثير من الإجراءات الرسمية والنفقات القانونية، كما أن القوانين الحكومية تتدخل في كل مرحلة من مراحل حياتها، أن ينظم القانون، كيفية قيام الشركة، وكيفية إدارتها، كما ينظم كيفية بقائها والانتخابات التي تتعرض لها بين حين وحين.

وأما ثالث الأمور ـ والتي هي الضرائب، فإنه ينبغي على مؤسسي المشروع أن يدرسوا قبل التأسيسن مقدار الضرائب التي تأخذها الحكومة، فيختاروا البدائل الممكنة،حيث إن الضرائب الحكومية، تختلف من شكل إلى شكل، حسب موازين حكومية معروفة، ولا شك أن ارتفاع الضرائب على بعض الأشكال، قد يؤدي إلى تجنبها، واختيار أشكال أخرى، لا تتعرض لمثل هذه الضرائب، خصوصاً إذا كانت الضرائب تصاعدية، فمثلاً في كثير من الدول، تفرض ضرائب خاصة، على الشركات المساهمة، مقابل المزايا التي تحصل عليها، نتيجة لخلق الدولة لتلك الظروف الملائمة لتلك الشركات، وبالأخص إذا كانت الدولة تجعل أرصدة في البنوك وما أشبه، لأجل تشجيع تلك الشركات، فإن الدولة تريد في مقابل التشجيع المال، وأحياناً تكون الضرائب مرهقة إلى حد كبير، فاللازم على المساهمين، ملاحظة ذلك بدقة، حتى لا ينتهوا إلى مشكلة لا يريدون التورط فيها، ومن الملاحظ أن صاحب المشروع الفردي، يدفع ضريبة على وارداته، سواء تركها في المشروع أو سحبها، أو أخذها كمرتب، أما في شركات التضامن فيدفع كل شريك على حدة، الضريبة على وارداته، سواء سحبها أم تركها في الشركة، هذا حسب الشرط المقرر بين المتضامنين في الموضوع، والأمر يختلف في الشركة المساهمة، والمال الذي يدفع إلى حملة الأسهم يعتبر من مصروفات الشركة، التي ينبغي أخذها في الحسبان، قبل الوصول إلى صافي ربح الشركة الخاضعة للضريبة، ومنها يتبين احتمال اختلاف مقدار الضريبة من شكل لأخر، كما أن من صور اختلاف الضريبة، ما إذا كانت الحكومة تريد إنشاء هذه الشركة، فتخفف الضرائب عليها، بينما إذا كانت الحكومة لا تريد إنشاء الشركة، من جهة توفر تلك البضاعة أو ما أشبه، فإنها تثقل في الضريبة تحديداً لانتشار مثل هذه الشركة، أما في الحكومات الرازحة تحت الاستعمار، ولو الاستعمار الاقتصادي، ظاهراً أو خفياً كأكثر بلاد المسلمين الآن، فإن الحكومة قد تثقل الضرائب على الشركات، لأجل أنها تريد إرضاء أسيادها المستعمرين، بجلب البضائع منهم، فإذا تمكن الشعب من الاكتفاء الذاتي بالشركات، لم تتمكن الحكومة من جلب البضائع من الخارج لإرضاء الأسياد، ولذا فإنّها حيث تريد بقاءها في الحكم، فهي تكثر الضرائب على المنشآت المرتبطة بذلك، كما نجد مثل ذلك في اللحوم والمعلبات والحنطة وما أشبه، في أكثر بلاد الإسلام، حيث إنها تستورد من الخارج، لإرضاء الأسياد، حتى يسمحوا لعملائهم بالبقاء في الحكم أكثر، وبذلك يحطمون الاقتصاد الوطني، ويجعلون الضرائب الثقيلة على منظمي تلك الشركات، بالإضافة إلى المعرقلات الأخرى، التي يوجدونها على أطراف المؤسسات، حتى لا تنشأ أو تموت بعد الإنشاء.

أما الأمر الرابع، وهو الإدارة، فالكلام في ذلك ألمعنا إليه سابقاً، حيث يتمتع صاحب المشروع الفردي بحق مطلق في إدارة مشروعه، ورقابة أمواله وصرفها كيفما يشاء دون أن ينازعه في ذلك الحق غيره، فوظيفة الملكية والإدارة، تندمجان في المنشآت الفردية وتكونان بيد الشخص المالك، ولكن تقدم أن مثل هذه المؤسسات تكون غالباً صغيرة الحجم، قليلة الفائدة، وقصيرة العمر، وبالنسبة إلى شركات التضامن، يشترك كل الشركاء المتضامنين في إدارة الشركة، ويتمتع كل شريك بحقوق متكافئة أو غير متكافئة، حسب الشرط مما يلزم تحديد مدى تدخل كل شريك، وعادة يحدث اتفاق بين الشركاء، على تقسيم السلطة فيما بينهم، أما تقسيماً بالموازاة والمواساة والمساواة، وأما تقسيماً حسب الأعمال كما تقدم في بعض الأمثلة، حيث يقوم كل شريك متضامن، بعمل في بعد من أبعاد الشركة، وعلى كل حال فمثل هذا الاتفاق سواء كان بهذه الصورة أم تلك الصورة، لا يخرج عن كونه تنظيماً داخلياً، لا ربط للغير به، كما أن الحكومة غالباً لا تتدخل في مثل هذه الشركات، إلا بحدود معينة.

أما شركات التوصية، فيظل فيها مركز الشريك المتضامن، كما هو في شركة التضامن، ولكن الشركاء الموصين لا يتدخلون في الإدارة، نظراً لعدم مسؤوليتهم بذلك، فهم يريدون الأرباح فقط، وبالتالي تقل رقابة هؤلاء الشركاء الموصين على أعمال الشركاء المتضامنين، سواء كانت الشركة استثمارية، أو كانت الشركة لجهة إنسانية، كالمستشفيات والمطارات والقطارات والمعاهد وما إلى ذلك.

تبقى شركات المساهمة، حيث الفصل بين الملكية والإدارة، فإن هذه الشركات تدار أعمالها بواسطة مجلس الإدارة المنتخب من قبل المساهمين، الذين هم أصحاب رأس المال في اجتماعاتهم السنوية، أو الأكثر من السنوية، أو الأقل حسب المقرر، ولا يتدخل المساهمون في إدارة أعمال الشركة، بل يعتمدون على ثقتهم في أعضاء مجلس الإدارة الذين انتخبوهم، كما أن مجلس الإدارة لا يتمتع بحرية مطلقة في القيام بالأعمال، كما يريد، بل هم مقيدون حسب الشروط الواردة في عقد الشركة، بالإضافة إلى أكثرية الآراء، وإذا كان العدد متساوياً ـ مثلاً ـ فالاقتراع، أو يجب عليهم أن يراجعوا قرارات الجمعية العمومية للمساهمين، فإن المشاكل، التي لا تحل لا بقانون الشركة ولا بأكثرية الآراء، ولا بالاقتراع، فالمرجع حينئذ هي الجمعية العمومية، وهذا ما يتفق أحياناً في الطوارئ، كالحروب إذا وقعت أو السيول أو الزلازل، إلى غير ذلك، نعم المساهمون لهم الحق الأخير في الرقابة على أعمال الشركة، ويظهر ذلك في حقهم، في إعادة أو عدم إعادة انتخاب أعضاء مجلس الإدارة، وفي حقهم أحياناً في إقالة المجلس أو بعض أفراده أو زيادة بعض الأفراد في المجلس، كما يتفق ذلك بالنسبة إلى مجالس الإدارة إذا كانت ضعيفة، أو وقعت مفاجآت من موت أو جنون أو إقصاء أو سجن، أو ما أشبه.

ثم قد تكون الشركة، مرتبطة بما يصطلح عليه بالقطاع العام (لا القطاع الخاص) والمراد بالقطاع العام: الدولة، حيث هي التي تقوم بالشركة لحاجة المجتمع من دون فرق بين أن تكون الدولة اشتراكية، أو رأسمالية، بمعناها الإسلامي، أو بمعناها الغربي على ما ذكرنا تفصيل ذلك في بعض كتبنا الاقتصادية، ويشمل هذا البحث، كل نشاط مرتبط بذلك البعد الذي هو في طريق عمل المدير، سواء كان بعداً صناعياً أم تجارياً أم مالياً أم زراعياً أم عقارياً أم ثقافياً، أم غير ذلك من مختلف الأنشطة.