الفهرس

المؤلفات

  الإدارة

الصفحة الرئيسية

 

صفات المدير المثالي

(مسألة): يلزم أن يتوفر في المدير، صفات لها أهميتها في التمكن من إيصال سفينة الإدارة إلى المقصد بسلام، فإن الإدارة أمر ذو شعب طرف منها المدير، وطرف منها العمال، أو من إليهم كمدير المدرسة، حيث إن طرف منها التلاميذ والمعلٌمين، وطرف منها الجوامد كالمصنع أو المدرسة أو ما أشبه ذلك، فالمدير يلزم عليه مراعاة كل من الطرفين على حده، ومراعاة الارتباط بين هذا الطرف وذاك مثلاً: مدير المعمل، يراعي المعمل، حيث الرعاية لها شرائطها وخصوصياتها، ويراعي العمال، ويراعي الارتباط بين المعمل والعمال، وإلاّ دخل في حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (ملعون ملعون من ضيّع من يعول) [1].

فإنه وإن كان يلاحظ لفظ (من) يشمل العنصر الإنساني فقط، إلاّ أن الملاك يوجب التعدي إلى العنصر غير الإنساني، وفي حديث علي (عليه السلام): (إنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم) [2]. و (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) [3] فالحديث في الشمول بالنص للإنسان وبالملاك الذي يرتبط به، وحتى إذا لم نقل بالملاك، شمله العموميات والإطلاقات.

وعلى أيٍّ حال فاللازم في المدير أن يتصف بالصفات التالية، وكلما ضعفت هذه الصفات فيه كمّاً أو كيفاً، ضعفت الإدارة، والعكس صحيح، وهي:

1 ـ أن تكون له القدرة التامة على التعبير عن نفسه، تكلّماً أو كتابةً، حتى يفضي إلى الآخر بما يريد، فإن الإدارة بحاجة إلى بحر من الإقناع، وكلما كانت الإدارة أهم، كان الإقناع محتاجا إليه أكثر، وبدون ذلك، لا يتمكن المدير، لا من إقناع رؤسائه ـ إذا كان له رؤساء ـ ولا من إقناع مرؤوسيه.

2 ـ أن تكون له رغبة في البحث عن الحقائق، واستعداد للعمل بجد وإخلاص وتفاني، في تأدية الواجب في مختلف أبعاد الإدارة، فإن من يركب رأسه ويتصور أنه على صواب، ينكشف لديه بعد زمان، أن الطريق كان موصلا إلى الفشل، ومهما كان الإنسان يرى صواب نفسه، احتاج إلى البحث، أليس كل منّا جرّب مراراً أنه كان مخطئاً في جهل مركب، ثم بالبحث و الفحص ظهر صواب آخر، غير الصواب الذي زعمه، فاللازم أن يكون دائم البحث عن المسائل والمشاكل المتنوعة وإيجاد الحلول المناسبة لها.

3 ـ أن يهتم بالوقت اهتماماً بالغاً، فإنه وإن قيل: أن الوقت من ذهب، لكن هذا مثال تقريبي، وإلاّ فالوقت ثالث ثلاثة في تقدّم الأمم وتأخّرها، فالإنسان والعمل والوقت إن استغلت استغلالاً حسناً، أتت بالنتائج المرضية، وإلاّ كانت الحصيلة الخيبة والفشل، وقد قال علي (عليه السلام): (انتهزوا فرص الخير فإنها تمرّ مرّ السحاب) [4]. وفي حديث آخر: (الفرصة سريعة الفوت، بطيئة العود) [5] إلى غير ذلك.

وقد صور أهمية الوقت هذا المثل الشائع الصيت، وإن كان فيه نوع مبالغة وعنصر إغراق: (ذهبت الدولة ببولة) ـ في قصة تنقل، في سبب ذهاب ملك بني أمية بجهة غفلة، فترى أن المستشفيات مليئة بالمدهوسين بسبب حوادث السيارات، والغالب أن فترة زمنية قد لا تزيد عن الثانية، هي التي أوجبت ذلك، حيث غفلة السائق عن الطريق أو من السير المعتدل.

4 ـ أن يكون لطيفاً ودوداً محبّاً للآخرين مدارياً لهم، وفي الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (أمرني ربّي بمداراة الناس، كما أمرني بتبليغ الرسالة) [6] فالرسالة كلها في كفة ومداراة الناس في كفة، نعم إن الرسالة لا تطبق بدون المداراة، فإذا لم يكن للمدير ميل لمدّ يد الصداقة إلى الآخرين، ولا يسعهم بأخلاقه، ولا يتمكن من إنشاء العلاقات وإبقائها، ولا يستعد لكسب ودٌ الناس وثقتهم، لابد وأن يعي أنه يمشي في طريق الفشل.

وحتى إذا كان رئيس الدولة، أسقطه الناس بالطرق الديمقراطية، إن كان البلد ديمقراطياً (استشارياً) وإلا فبالسلاح، إن الناس إذا لم يرضوا عن التاجر، لن يتعاملوا معه، وإذا لم يرضوا عن إمام الجماعة، لم يحضروا صلاته، وإذا لم يرضوا عن مرجع التقليد غيّروا تقليدهم، وإذا لم يرضوا عن المدرس، استبدلوه بغيره، وإذا لم يرضوا عن الوزير أو السفير أو المدير، سعوا لإسقاطه، وأخيراً فإنه فرد، والناس جماعة، و الجماعة تتغلب على الفرد، وفي الحديث: (من كفّ يده عن الناس فإنما يكفّ عنهم يداً واحدة ويكفّون عنه أيادٍ كثيرة) [7].

والمدير الذي فوقه رئيس مهمته أعقد وأصعب، حيث إن توقعات رؤسائه تناقض توقعات مرؤوسيه، فاللازم أن تكون له مهارة وبراعة في ترضية الطرفين وتقريب وجهات نظرهم، وإلاّ فالسخط من جانب يوجب سقوطه، وإن رضي عنه الطرف الآخر.

5 ـ أن يكون تفكيره منظماً وعقله بارعاً في تحليل الأشياء وتصنيفها، فإن النظم و التصنيف العقليين أهميتهما أكثر مما هو مطلوب في الأمور المادية، بل الأول في منزلة القائد، والثاني في منزلة المقود، ولذا ورد: (تفكّر ساعة خير من عبادة ستين سنة) [8].

ثم إن كل ما نراه من آثار الجمال والظرافة في مختلف أبعاد الحياة، التي عملها الإنسان سواء في الحدائق أو الدور أو الشوارع أو المصانع أو الصنائع أو غيرها وغيرها، إنما هي من آثار جمال الفكر ونظام التحليلات الذهنية.

6 ـ أن يكون له ميل طبيعي للاستفسار عن كل ما يحيط به، و التعمق في الإجابات المطروحة في الساحة، فلا يكتفي بالإجابات السريعة التي يؤتى بها بادئ الرأي، وذلك لا يكون، إلاّ بأن يربي نفسه، على الدقة والعمق و التدبر في جوانب الأشياء، ليظهر له الأقرب فالأقرب إلى الصواب.

7 ـ ثم بعد الاستطلاع و الاستفسار، يأتي دور أن يكون له قدرة على الاستفادة مما يجمعه من المعلومات بأن يتمكن من تحليلها وغربلتها واستخراج الصالح منها، وربط بعضها ببعض، وملاحظة الملائمة بين النتائج والأبعاد الأُخرى.

8 ـ أن يكون بعيد النظر عند الدراسة، سواء على الأشياء أو الأفراد، قادراً على المقايسات الزمنية والعملية، وقد وصف أحد أصحاب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) الإمام (عليه السلام) بقوله: (كان والله بعيد المدى) فإذا تمكن من ذلك، لا يترك النفع الكثير المستقبلي، لنفع قليل حاضر.

قال سبحانه في وصف هكذا أناس: (إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً) [9].

9 ـ أن يكون حكمه على نفسه وعلى الآخرين، حكماً متصفاً بالعدل والإنصاف.

قال تعالى: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى...) [10] فيتصف في أحكامه بالأمانة والنضج والموضوعية والتعقل، وأن يكون بعيداً عن التحيّز والعنف والعاطفية، والأحكام العشوائية.

10 ـ وأخيراً أن يكون مؤمناً بالله واليوم الآخر، وإنما ذكرناه أخيراً، مع أنه أول، لأن الكلام في شروط الإدارة بصفة عامة ومن الواضح أن كثيراً من المديرين، يحسنون الإدارة بدون الإيمان بالله، وإنما جعلناه شرط الإدارة، لأنا حسب ما نعتقد، نرى أن الضمير لا يكمل بدون الإيمان بالله، مهما كان ضمير الإنسان نظيفاً نقياً محايداً، فهو في نظرنا من الشروط، بل الشرط الأساسي في الأمر، بينما بنظرهم ليس شرطاً.

إن معرفة الإنسان، إن الله رقيب دائم عليه، بحيث: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ*وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) [11] وأنه يقول في يوم ما (ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً) [12] توجب أن يعمل أحسن العمل ويتقن أفضل الإتقان، وذلك ما يحتاجه المدير في كل الأحوال.

وتنتهي هذه المسألة بكلمة للإمام السجاد (عليه الصلاة والسلام) وهي وإن كانت عامة شاملة للمقام وغير المقام، إلا أنها منطبقة على المقام من باب أنه من صغريات تلك الكلية قال (عليه السلام): (وأما حق الخليط فأن لا تغره، ولا تغشه، ولا تكذبه، ولا تغفله، ولا تخدعه، ولا تعمل في انتقاصه عمل العدو، الذي لا يُبقي على صاحبه، وإن اطمأن إليك، استقصيت له على نفسك وعلمت أن غبن المسترسل رباً، ولا قوة إلاّ بالله) [13] والجملة الأخيرة من الكلمة المباركة مأخوذة من كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في كلمة تروى عنه، حيث قال: (غبن المسترسل سحت) [14] فمن استرسل إلى إنسان واعتمد عليه، فغبنه الإنسان مما أخذ من ماله، بسبب هذا الاسترسال، كان ذلك المال من أشد أنواع الحرام، الذي يسمى في اللغة الإسلامية (بالسحت).

فإنه وإن كان الغبن مطلقاً حراماً، إلاّ أن غبن المسترسل أسوأ، لأنه وثق من ذلك الإنسان، فبدّل ثقته به إلى عدوان.

[1] الكافي: ج4، ص12، ح9.

[2] نهج البلاغة: ج2، ص80، خطبة 167.

[3] بحار الأنوار: ج68، ص38، ح36.

[4] مستدرك الوسائل: ج12، ص142.

[5] المصدر السابق.

[6] مستدرك الوسائل: ج9، ص35، ح1، باب استحباب مداراة الناس.

[7] الكافي: ج2، ص643، ح6.

[8] بحار الأنوار: ج62، ص293.

[9] سورة الإنسان: الآية 27.

[10] سورة المائدة: الآية 8.

[11] سورة الزلزلة: الآيتان 7 و8.

[12] سورة الكهف: الآية 49.

[13] مستدرك الوسائل: ج11، ص165.

[14] وسائل الشيعة: ج12، ص363، ح17، وفيه عن أبي عبد الله الصادق (ع).