الفهرس

المؤلفات

  الإدارة

الصفحة الرئيسية

 

الأمراض الإدارية:

(مسألة) قد يكون المدير مريضاً، وقد يكون الجو مريضاً، وقد يكون المرؤوسون مرضى، وكلامنا في هذه المسألة في البحث الأول، أما البحث الثاني فهو خارج عن طوق هذا الكلام، وبحثه مرتبط بعلم الاجتماع في الجملة، وأما كون المرؤوسين مرضى فذلك مرتبط بنظام التربية في المعنى الأعم، نعم لا إشكال في أن المدير السليم يجب أن يتمكن من رفع المرض عن الجو والموظفين ولو بقدر، وذلك مما يمكن، وعلى أي حال فالأمراض التي تصيب الإدارة والمدير كثيرة نذكر جملة منها على سبيل الإلماع غالباً لا التفصيل، فإن التفصيل أحياناً يرتبط بعلم النفس، أو علم الأخلاق أو ما أشبه، مما لم يوضع هذا الكتاب لها، واللازم أن يلاحظ المدير هل أنه من المرضى أو لا، وأن مرضه من أي قسم، والغالب أن يكون مريضاً بقسم من هذه الأمراض أو بأقسام منها، كما، قد يكون الإنسان في علم النفس والأخلاق مبتلياً بأمراض متعددة كالبخل والجبن والغرور والأنانية وما أشبه ذلك، فإذا وجد المدير نفسه مريضاً فاللازم أن يسرع في العلاج وإلاّ سبب المرض سقوطه من الإدارة عاجلا أو آجلاً، والفرق بين الأمراض الجسمية والنفسية التي تصيب المدير ما نحن بصدده الآن:

أولاً: إن الأمراض الجسمية غالباً تقض مضجع الإنسان وراحته مما يضطر إلى العلاج شاء أم أبى، أما الأمراض الروحية أو النفسية (والتي منها أمراض المدير والإدارة، وترجع أمراض الإدارة إلى أمراض المدير أيضاً، حيث إنه لم يشخص تشخيصاً صحيحاً فتمرضت الإدارة) ففي كثير من الأحيان تتجلى للمدير بأنها محاسن، أو تتجلى له أنها أمور عادية.

قال سبحانه في حق أمثال هؤلاء مما المدير صغرى من صغرياته: (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً) [1].

وقال في آية أخرى: (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا...) [2] وقال في آية ثالثة: (... كل حزب بما لديهم فرحون) [3].

الثاني: إن الأمراض الجسمية لها أطباء كثيرون وأدوية وصيادلة ومستشفيات ومستوصفات ومصحات وأجهزة وآلات وما إلى ذلك، بينما الأمراض الروحية لا يوجد لها شيء من ذلك إطلاقاً، وإنما الإنسان بحاجة إلى رفعها بنفسه، أو بمعاونة بعض المدربين في بيان المرض والعلاج كالزهاد وعلماء النفس ومن أشبه، وغالباً ما يكون المرض صعب العلاج، لأنه صار ملكة في الإنسان وعلى قوله سبحانه وتعالى: (... إلاّ أن تقطع قلوبهم...) [4].

الثالث: إن الأمراض الجسمية يطلب المجتمع رفعها دائماً مما يحفز الإنسان المريض على الإسراع في العلاج، بينما الأمراض الروحية بالعكس في كثير من المجتمعات، لأن المجتمع بأسره مريض أو بالقسم العام منه مما يحفز المريض على البقاء في مرضه، بل يسببون له مزيداً من المرض ويطلبون منه أن يوسع في مرضه، كالمستبد الذي يحفزه المتملقون والمتزلفون إلى الاستمرار في الدكتاتورية والتوسيع فيها، وعلى أي حال فالمدير المريض قد يكون مرضه ضاراً لنفسه، وقد يكون ضاراً لمؤسسته، وقد يكون ضاراً بالمرؤوسين أو الرؤساء، وقد يكون ضاراً بالمجتمع ككل، أو بقطاع كبير منه، وليس المراد على سبيل القضية الحقيقية أو على سبيل منع الجمع، بل على سبيل منع الخلو (على اصطلاح المنطقيين) فإن جملة من الأمراض التي نذكرها تضر أكثر من جهة واحدة، وعلى أي حال فالمدراء المرضى هم:

1 ـ المدير الانحصاري، وهو من يخصص كل الامتيازات الإدارية لنفسه، وإن أعطى بعض الامتيازات للموظفين كان إعطاؤه لهم هامشياً.

2 ـ المطالب، وهو من يزعم أن كل عمل يقوم به الموظفون إنما هو واجبهم، فلا يستحقون التشويق ولذا لا يشوّق الموظفين بما عملوا، وبالرغم من أن العمل واجباً على الإنسان، فإن ذلك لا ينافي تشويقه وتأييده وشكره بإعطاء الجزاء له، فإنا نرى أن الله سبحانه مع أن كل شيء في العبد من نعمه سبحانه، مع ذلك يشكره على أعماله حتى أن من أسمائه الشكور.

3 ـ التافه، وهو الغير مستعدّ لحل مشكلا ت الموظفين ولا لقضاء حوائجهم، فهو كالنبتة التي لا رائحة لها ولا خاصية ولا مظهر جميل.

4 ـ المرعب، وهو الذي يرأس الموظفين بالإرعاب والتهديد دون التعقل وملاحظة الموازين.

5 ـ الأعور اليساري، وهو من يرى النقد للموظفين فقط دون التحسين، إذ يلزم على المدير أن يرى الموظفين بعينين عين النقد فيما يحتاج إلى النقد، وعين الرضا والتحسين فيما يحتاج إلى الرضا والتحسين، لا بعين واحدة.

6 ـ الأعور اليميني، وهو من يرى التحسين لا النقد، إذ الموظفون لهم جوانب حسنة وجوانب سيئة، فاللازم أن يحسن المدير معهم عند فعلهم الحسن وينتقدهم عند فعلهم السيء.

7 ـ الجاف، وهو الذي لا يصرف المال لأجل الحوائج الإدارية، وهذا نوع من البخل.

8 ـ الباطني، وهو الذي يخفي أعماله المرتبطة بالإدارة والموظفين عن الإدارة والموظفين، حتى أن الإدارة والموظفين لا يعرفون ماذا يريد عمله، بل أحياناً ماذا عمل وغالباً ما يكون هذا الشيء من جهة خوفه من فساد عمله، وهو لا يريد أن ينسب الفساد إليه أو من بعض الجهات الأخرى.

9 ـ الإنتاجي، وهو الذي لا يهتم بمن يعمل في الإدارة، ولا يلاحظ إنسانية الموظفين، بل نظره فقط إلى الإنتاج، فكأن الموظفين معمل من المعامل، لا كأنهم بشر من الناس.

10 ـ الأحول، وهو الذي يرى عمل نفسه أكثر من واقعه، كالأحول الذي يرى الواحد اثنين.

11 ـ الحرفي، وهو الذي يريد من الموظفين أن يأتوا بالقوانين والأنظمة حرفياً بدون اختيار لهم في الزيادة والنقيصة، مع عدم ملاحظته للفرق بين الخصوصيات الزمانية والمكانية والافرادية، فإن الأفراد والزمان والمكان يختلفون اختلافاً كبيراً، فلا يمكن أن يقيد الناس بحرفية القوانين.

ولذا نرى في القوانين الإسلامية، بل في كل قوانين العقلاء القسمين كالسفر والحضر بالنسبة إلى الصيام والصلاة التمام أو القصر، والقوانين الثانوية بالنظر إلى الاضطرار والإكراه وما أشبه ذلك.

12 ـ المذكر، وهو الذي يكتب كل شيء من أعماله وأعمال موظفيه من دون ملاحظة الأهمية وغيرها، فإنه يكتب كل رطب ويابس وصحيح وسقيم وكبير وصغير.

13 ـ الإتكالي، هو الذي يكلف الموظف الذي تحت إدارته بعمل كل شيء من قبيل حتى إمضاء الأوراق، وإنما يكون الاسم للمدير فقط، وهذا ما يذكره التاريخ عن الخلفاء العباسيين، حتى أنه كان لهم بيت الختم فلا يتعبون أنفسهم حتى بختم الأوراق.

14 ـ العنيف، وهو الذي يتفجر غيظاً إذا لم تنفذ أوامره وطلباته ولم تحقق أمانيه ويعامل الموظفين والإدارة بصورة عامة، بل وأحياناً الآلات بالعنف بدون لين ورفق.

15 ـ المضايقي، وهو الذي يقف دون ترفيع الموظفين وترقيتهم، بحجة أنهم ليسوا أهلاً لذلك لعدم خبرتهم أو ما أشبه.

16 ـ السباب، هو الذي يتخذ السب والهمز والطعن واللعن وما أشبه ذريعة للوصول إلى أهدافه الإدارية، وأحياناً إلى أهدافه الشخصية، المدير يستغل الإدارة ومنصبه لأعماله الشخصية.

17 ـ الفنان، وهو من يرى أن كل ما يفعله حسن، لأنه فعله، وقد قال سعدي عن لسان بعض أمثال هؤلاء (كل عيب يختاره السلطان فهو فن).

18 ـ الإنجازي، وهو من يزعم أنه وحده الذي إذا أشرف على عمل أنجزه بخير وسلام دون ما إذا أشرف غيره على مثل ذلك العمل، فهو يرى نفسه فوق الواقع كما يرى غيره دون الواقع.

19 ـ المتنصل، وهو الذي إذا وقع خطأ في العمل وغالباً هو يخطئ يوقع اللوم على أحد الموظفين، وينتقده، أو يفصله، أو ينزله، أو يقطع من راتبه، ويعتقد أنه بذلك تمكّن من التنصل من الخطأ، ويؤدب الموظفين الآخرين كما فعله عبد الناصر في حرب اليمن مع عامر، وفعله قاسم مع الذين أعدمهم في أم الطبول، إلى غير ذلك من الأمثلة.

20 ـ المعملي، وهو الذي يظن أنه يجب العمل باستمرار ولا يعطي مجالاً للموظفين حتى يتنفسوا، وقد تقدم أن عشرة بالمائة إلى خمسة عشر وأحياناً إلى العشرين للموظف الحق في الترفية عن نفسه، لأن الإنسان ليس حجراً أو مروحة يشتغل باستمرار ويبقى في مكانه باستمرار.

21 ـ الإلعابي، وهو الذي ينظر إلى الموظفين كأنهم ألعوبة بيده، فيكون كالطفل الذي يلعب بملاعيبه.

22 ـ الاستعلائي، وهو الذي يريد نزاهة نفسه ويستر عيوبه بإلقاء تبعات المشاكل والفساد على الآخرين من الموظفين، أو من إليهم، ومن الواضح أن التنصل شيء والاستعلاء شيء آخر، فهما أمران مختلفان.

23 ـ الدجال، وهو الذي يظهر نفسه نزيهاً لكنه من وراء الستر يحرك هذا ضد هذا وذاك ضد الآخر، يريد بذلك الجمع بين مظهره النزيه ومخبره الكريه.

24 ـ الكمي، وهو الذي يهتم بالكم في الإنتاج ونحوه، لا بالكيف.

25 ـ الصرفي، وهو الذي يعرف الصرف لا الاستحصال، بينما يجب على الإنسان أن يكمل الدائرة بالصرف والاستحصال ولو بقدر.

26 ـ المعصومي، وهو الذي يزعم أن الموظف يلزم أن يكون معصوماً، فإذا أخطأ لم يغفر له، غافلاً من أن الإنسان له أخطاء إذ لم يخلق معصوماً، وإنما الواجب غفران الخطأ وتعديله، فإذا استمر في الأخطاء اتخذ القرار المناسب.

27 ـ الإستغلالي، وهو الذي يستغل مقامه وإمكانات الإدارة لأجل حاجات شخصية، مثلاً استخدام سيارة المؤسسة لنقل عائلته، أو يستخدم بعض خدم المؤسسة لأجل خدمة بيته، أو الذهاب بولده إلى المدرسة أو ما شابه ذلك.

28 ـ المبعثر، وهو الذي يجعل كل شيء لكل شيء وفي كل مكان، فلا يهمه أن يضع الطابعة مكان البراد، والمدفأة مكان الحاسبة، وهكذا بالنسبة إلى الأفراد فيجعل مكان المدير الموظف ومكان الموظف المدير، ويجعل الأخصائي بالبريد في إدارة الكهرباء وبالعكس، كما نشاهد كل ذلك في البلاد الدكتاتورية في الشرق الأوسط وغيرها.

29 ـ المتهرّب، وهو المدير الذي يتهرب عن الإيجابيات ويجنح إلى السلبيات، فينقض كل نظر ايجابي بدون أن يكون له دليل على السلب إلاّ بعض التعاليل غير المنطقية.

30 ـ النتائجي، وهو الذي يريد النتائج فقط، بدون أن يفكر في كيفية الوصول اليها أو تهيئة الوسائل المؤدية إلى تلك النتائج، فقد قال سبحانه: (وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ) [5].

31 ـ القمّاشي، وهو الذي يجمع من هنا وهناك من أقوال وأفعال غير مرتبطة بعضها ببعض، ولذا لا يصل إلى النتائج، وكثيراً ما يكون ضره أقرب من نفعه.

32 ـ المتبختر، وهو من يتبجح بأن النتائج الحاصلة في إدارته صحيحة مائة في المائة والحال ليس الأمر كذلك، بل هي ناقصة في الجزئيات، وإنما في جملة من الكليات أيضاً، بما لا تصل إلى النتائج السقيمة، لكنه يريد بقوله ذلك الكبرياء والتبختر ليس إلاّ.

33 ـ الأولوي، وهو من يرى كل نظرية له أولى من غيرها، ويطبّق نظرياته على الموظفين بلا ملاحظة سائر الموازين (وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ...) [6] ويصر على خطأه ويضرب بأنظار الآخرين عرض الحائط.

34 ـ الحلالي، وهو الذي يزعم أنه يتمكن من حل كل المشكلات، بلا ملاحظة أن بعض المشكلات غير قابلة للحل، وبعضها تحل بنسبة مئوية خاصة لا مطلقاً، وبعضها يمكن حلها بواسطة غيره من الأخصائيين ونحوهم، ولهذا يكون متهوراً في الإقدام على الأمور من غير أن ينظر إلى العواقب.

35 ـ المعلولي، وهو الذي يشتغل لحل المشكلات بالمعلول دون العلة، كالطبيب الذي يعطي الدواء لرفع حمرة الوجه الحاصلة من الحمى دون علاج نفس الحمى، فإذا رأى مثل هذا المدير أن المشترين لا يقبلون على بضاعته، يشتغل في الدعاية لرفع هذه المشكلة لا في إجادة نوعية البضاعة التي هي العلة في عزوف المشترين عن الإقبال عليها، وكذلك بالنسبة إلى الثقافة وغيرها.

36 ـ المعاكسي، وهو الذي يعمل أعمالاً يعاكس بها موظفيه أو رؤسائه الذين هم مجبورون منه، فهو في واد وسائر الموظفين من زملائه أو رؤسائه أو مرؤوسيه في واد آخر.

37 ـ المصالحي، وهو الذي يصلح بين رأيه وبين آراء موظفيه بما يوجب ضرر المؤسسة، كالسيارة التي من صالح الركاب أن تسير مائة، فيقول بعضهم بذلك وبعضهم بالخمسين، فتسير خمساً وسبعين حيث يضر بالركاب ولا يلاحظ الأصلح من القولين، وإنما يجمع بين القولين.

38 ـ الوحدوي، وهو الذي يرى وحدة كيفية العمل مع الأفراد و الموظفين والمؤسسات، بينما أن الأشخاص كالأشياء يختلفون فيشتري الآلات المكتبية للمستشفى والمطار بشكل واحد أو يتعامل مع المثقف كما يتعامل مع الريفي الجاهل، قال سبحانه: (... هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون...) [7]؟

39 ـ التصميمي، وهو الذي يرى التصميم في كل شيء سواء عمل بصوابه أو لا، بل حتى وإذا علم بخطأه لأنه يرى أن التصميم من اللاتصميم، فهو عاشق لأخذ التصميم من غير النظر إلى النتائج والمزايا والخصوصيات والموازنات وغيرها.

40 ـ التجزيئي، وهو من يزعم أن الاهتمام بالجزئيات كاف بدون حاجة إلى الاهتمام بالكليات، وعكسه أيضاً صحيح وهو من يهتم بالكليات دون الاهتمام بالجزئيات، بينما يجب على المدير أن يهتم بالجزئيات وبالكليات كل في مقامه، وإلاّ كان العمل ناقصاً أو مبتوراً أو سبب خبالاً.

41 ـ التصفيقي، وهو الذي يقرب المصفقين حول نفسه ممن يسبح بحمده ويثنيه، من دون نظر إلى الكفاءة وسائر المؤهلات ومن دون نظر إلى النتائج، وإنما يريد أن يظهر نفسه أمام الآخرين بأن الناس ملتفون حوله، وأنه شخصية بارزة في المجتمع مهما كانت النتائج وخيمة.

42 ـ الذرائعي، وهو الذي يتوسل إلى الذرائع في تبرير تأخره وتأخير مؤسسته، بدل أن يفكر في الحلول الواقعية للمشكلات لينتشل نفسه ومؤسسته من السقوط.

43 ـ الوجهيني، وهو الذي يظهر شيئاً ويبطن آخر، كما في بعض البلاد الإسلامية في الستينات، حيث كان رئيسها يعمل لأمريكا باسم روسيا، ويحطم الاقتصاد باسم الاشتراكية، ويفني المسلمين باسم التقدمية ويضرب المسلمين باسم محاربة إسرائيل، ويهيء الأجواء لاستيلاء إسرائيل على أراضي إسلامية أكثر باسم القومية، إلى غير ذلك، وأفراد كثيرون في رؤساء الحكومات ورؤساء الوزارات ومن أشبه ذلك، وهكذا حال المؤسسات الصغيرة الأهلية.

44 ـ الأشيائي، وهو الذي يزعم أن موظفيه أشياء لا أشخاص، ولذا يحتم عليهم أن يعملوا بالروتين الكامل بدون أدنى ابتكار، كما يعمل الشيء لا كما يعمل الشخص، وبذلك تجمد المؤسسة والجمود مبدأ السقوط دائماً.

45 ـ الإستشاراتي [8]، وهو الذي يجمع حول نفسه المستشارين والمعاونين أكثر من المتعارف، أما بقصد إظهار نفسه بالمظهر الاستشاري وأما بقصد ترفيع سمعة مؤسسته أو لغير ذلك.

46 ـ الخطي، وهو الذي يزعم بأن تعيين الأصول والمقررات واللوائح كاف في الإجابة عن مختلف الأسئلة، وحل كل المشاكل وجعل الموظفين يمشون في الصراط المستقيم، مع أن تعيين الخط لا يغني الإدارة الصحيحة التي هي عبارة عن وضع الخط العام موضع التنفيذ، وإرجاع الصغريات إلى كبرياتها الكلية.

47 ـ الأخشابي، وهو الذي يريد من الموظفين أن يكونوا كالأخشاب التي ينجزها المعمل، حيث استواء الأحجام والأشكال، فاللازم أن يكونوا في أعمالهم وأفعالهم بالوتيرة الواحدة، من دون أن يلاحظ أنهم بشر لكل منهم خصائص وميول واتجاهات وآراء وأفكار وتقلبات.

48 ـ المتأرجح، وهو الذي إن ربحت المؤسسة في نتيجة أريدت منها أو سمعة عند الناس جعل نفسه مساهماً فيها، بل ربما نسب الربح إلى نفسه، وإن خسرت ابتعد عنها بل أخذ في النقد بأن ذلك من أفراد آخرين، وإن كان هو صاحب المشكلة فليس له روح موحدة مع المؤسسة، والمدير يجب أن يعمل بروح واحدة.

49 ـ الإرتجاعي، وهو الذي يقاوم كل فكر جديد والتجديد في المؤسسة، ويحارب أصحاب مثل هذه الأفكار.

50 ـ التغييري، وهو الذي يزعم أن في تغيير الأشخاص وفصلهم أو تغيير صورة المؤسسة أو شكلها، تحل المشاكل بما ليس الأمر كذلك على إطلاقه، بل ربما يكون هو المولّد للمشكلة، وربما يكون السبب عدم استقامة المنهج العام والروح السائدة في المؤسسة، لا أن المشكلة في أحد الأمرين السابقين، وهو يرى نصف المشاكل وحلولها لا النصف الآخر، وربما يطلق (النصفي) لمن يرى نصف المشكلة كالطبيب الذي يرى نصف المرض، كمن تمرّض ومبعث مرضه مرض في قلبه، ومرض في كبده، فيرى مرض القلب فقط دون مرض الكبد، فيعالج مرض القلب ويترك مرض الكبد، مما قد يؤدي بالمريض إلى ما لا يحمد عقباه.

51 ـ الضوضائي، وهو الذي يتصف بالضوضاء في عمله وكلامه، سواء في إدارته ومكالمته مع الموظفين أو الجماهير أو غيرهم.

52 ـ التنقيطي، وهو الذي يلاحظ الدقة المتزايدة في الأوراق المربوطة بالإدارة، فيقدم عبارة على عبارة، ويضع نقطة مكان نقطة، أو يزيد أو ينقص أو يبدل كلمة بكلمة إلى غير ذلك.

53 ـ البرّاد، وهو الذي يعمل ما يوجب برود الموظفين عن أعمالهم، ونفور القلوب منه، مما يؤثر أخيراً على النتائج.

54 ـ الكل شيء، وهو الذي يصمم ويراقب ويقدم ويعمل ويؤخر ويحلل ويفعل كل شيء، ومن المعلوم أن من يعمل كل شيء، يكون كل شيء منه ناقصاً وأحياناً تافهاً، ولذا قالوا في المثل: (كل شيء لا شيء).

55 ـ الكبريائي، وهو الذي يرى لزوم أن يتواضع له المرؤوسون والجماهير في كل شيء، فيرى نفسه فوق كل أحد، ويرى أن من يقصر في ذلك يستحق العقاب، بالفصل وعدم ترفيع الدرجة وما أشبه ذلك.

56 ـ المنبّت، وهو الذي يتفرّد في آرائه وأعماله ويرى صوابية رأيه من دون الاحتياج إلى الآخرين، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيمن يسبق أصحابه في الطريق بدون ملاحظتهم ولا ملاحظة فرسه، ولا ملاحظة نفسه: (المنبّت لا أرضا قطع ولا ظهراً أبقى).

57 ـ المتذبذب، وهو من لا يقدم على العمل إلاّ بقلب متردد، ودائماً يكون متردداً بين الإقدام والإحجام، والتصميم وعدمه، حتى يفوّت الفرصة من يده.

58 ـ الغافل، وهو من لا يحسب حساب التيارات الجارية في المجتمع، ولذا قال (عليه الصلاة والسلام): (العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس).

59 ـ الجاهل، وهو الذي لا يعلم نواقصه، ولا يريد أن يعرفها ولا أن يصلحها.

60 ـ قصير النظر، وهو الذي لا يفكر في المستقبل، بل يرى الحاضر فقط ويعمل للحاضر فقط، بينما يجب على الإنسان أن يفكر في الحاضر والمستقبل، كما في الحديث: (إعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً).

وفي حديث آخر: (من لا معاش له لا معاد له).

وفي حديث ثالث: (ليس منا من ترك دنياه لآخرته، ولا من ترك آخرته لدنياه).

فإن ملاك هذه الأحاديث وأمثالها يجري فيما نحن فيه، وفي الآية الكريمة: (... فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ) [9].

(وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ*أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا).

61 ـ الضوابطي، وهو العامل بدون مرونة، فإن من لا مرونة له يمشي حسب الضوابط مع العلم أن الظروف غالباً تتغير، فاللازم المرونة، وقد ألمعنا إلى مثل ذلك في بعض النقائص السابقة، مما بينه وبين هذا عموم من وجه.

62 ـ الإمتدادي، وهو الذي يصرف كل تفكيره في المستقبل، ولا يفكر في الحاضر ولا يعيره اهتماماً.

63 ـ الآرائي، وهو الذي كل يوم له وجهة نظر ويغيّر آراءه، فله رأي في هذا اليوم وغداً رأي آخر، وهكذا، ومن الواضح أن مثل هذا الإنسان لا يصل إلى نتيجة، بل يبني ويهدم ويبني ويهدم إلى أن لا يبقى له وقت ولا مال ولا سمعة، ويقع في مشاكل لا قبل له بها.

64 ـ الفحوصي، وهو الذي يفحص دائماً حلول المشاكل وكيفية العمل في الطرق السابقة، بدون مراعاة تغيّر الظروف من الزمان السابق إلى الزمان الحالي، لمختلف التيارات التي يحملها الزمان.

65 ـ الأماني، وهو الذي يعيش على الأماني دون العمل والذي يفكر في الذي لا ينبغي، ولا يعمل الممكن تحذراً منه، وقد قيل لإنسان لماذا لا تنظم الشعر (وقد كان قادراً على النظم) قال: لأن ما أريده لا أقدر عليه وما أقدر عليه لا أريده، وهذا يكون في كل إنسان سلبي.

66 ـ الساعاتي، وهو الذي يقرر لكل ساعة عملاً، مع أن الرئاسة عبارة عن انتهاز الفرص، فإذا لم ينتهز الإنسان الفرصة في وقتها فاتته، وكثيراً ما تكون الفرصة أهم من العمل الذي قرره لمثل هذه الساعة.

67 ـ الجنبي، وهو الذي لا يصرّح بالمقررات للموظفين بصراحة اللهجة وبوضوح، بل يقول بعضها ويجمل بعضها ويبيّن بعضها، يريد بذلك إظهار نفسه بالمظهر المرتفع الذي لا يفهم كلامه الناس، ثم يعتب عليهم في عدم تطبيقهم أوامره، وهذا نوع من الغرور والكبر.

68 ـ البعدي، وهو الذي له بعد واحد مع رؤسائه ضد مرؤوسيه أو بالعكس، مع أنه يجب أن يكون تابعاً للعدالة، سواء كان في هذا الطرف أو في ذلك الطرف يدور مع الحق حيث ما دار، قال سبحانه: (... وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى...) [10] وربما يعبر عن مثله (بالبعد الواحدي).

69 ـ المنعزل، وهو الذي لا ينسجم مع الموظفين ومع رؤسائه ومع الناس الذين هم محل ابتلائه، بل لا يعاملهم إلاّ بقدر المعاملة فقط، بدون انبساط وأخذ وعطاء، مما يحتاج إليه أي مدير في أي بعد من أبعاد الحياة.

70 ـ التشريفاتي، وهو الذي لا يتمكن الناس من الوصول إليه لجفاف أخلاقه، وإن كان بابه مفتوحاً، لكن وجهه حاجب دونهم.

71 ـ المنغلق، وهو الذي بابه مسدود على الناس وحجابه منسدل، وهو ينغلق على عمله وفكرته ورأيه.

72 ـ ذو البعد القديم، ويقابله ذو البعد الحديث، وهو الذي يرجح كل قديم على الحديث، أو الذي يرجح كل حديث على القديم، ومن فروع ذلك أنه يرجح الشباب على الشيوخ أو يرجح الشيوخ على الشباب من غير ملاحظة الكفاءة، وقد قال علي (عليه الصلاة والسلام) في كلمة جامعة: (يعجبني رأي الشيخ وجلد الغلام).

ومن الواضح أن ما قاله (عليه الصلاة والسلام) هو الغالب، وإلاّ فقد يكون للغلام الرأي وللشيخ الجلد، ولهذا نرى أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان أحياناً يجعل رؤساء جيشه مثل أسامة، أو رؤساء دولته مثل أسيد.

73 ـ الفأسي، وهو الذي يكون كالفأس يضرب كل شيء، لكي يكون في طرف نفسه ولا يلاحظ الآخرين، بينما يجب أن يكون الإنسان كالمنشار يعطي ويأخذ، ولا يكون كالمسحق (المحكماك) أيضاً ممن يعطي ولا يأخذ.

74 ـ المتفرعن، وهو الذي يرى كأنه فرعون ولسان حاله كما قال فرعون بلسان الحال: (أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي؟) فيرى الناس عبيداً له، وكما قال الإمام (عليه الصلاة والسلام) في شأن بعض الخلفاء: (اتخذوا مال الله دولاً وعباده خولاً ودينه دغلاً) والدين هنا يؤخذ بالملاك في الإدارة، فإن الدين عبارة عن طريقة الحياة، سواء كانت طريقة عامة كالأديان الإلهية، أو طريقة خاصة كالطرق الجارية في المؤسسات ونحوها.

75 ـ الظنوني، وهو الذي يعمل بالظنون بدون تثبت وأخذ بالموازين والضوابط ولا بالاستشارة فما وصل إليه ظنه يتبعه، سواء في الأعمال الإدارية أو مع الموظفين أو في غير ذلك من شؤون الإدارة، كما أنه قد يكون الإنسان الفردي يعمل بالظنون أيضاً في مأكله ومشربه وملبسه وأخلاقه مع عائلته أو مع سائر الناس.

76 ـ المتجاوز، وهو المفرط أو المفرّط حيث يتجاوز إلى الداخل ضيقاً أو إلى الخارج سعة بدون رعاية الوسط، كما ينقل في الشخص الذي اشترى عبداً كان يطيع حرفياً، فرأى منه عنتاً ثم باعه واشترى عبداً آخر كان يطيعه حسب اللوازم أيضا فرأى منه إرهاقا مما اضطر إلى بيعه أيضا.

ولا يخفى أن الأقسام اكثر من هذه الأعداد، لكنا اكتفينا بهذه الكمية مخافة الملالة في ذكر الأكثر وطول البحث، ربما يوجب الإطناب الممل ويخرج الكتاب عن وضعه المتوسط.

كما أن كل ما ذكر في هذه الأعداد يجده الإنسان بنفسه أو بشبيه له في علم الأخلاق، مما هو مجموع في كتاب (المحجة البيضاء) للمولى الكاشاني، و (جامع السعادات) للمولى النراقي أو ما أشبهها من الكتب الأخلاقية التي كتبها علماء الاخلاق (قدس الله أسرارهم) كما أن جملة من هذه الأمور مذكورة في كتب علم النفس، وحيث إن ذينك العَلَمَين كتبا للعموم وهذا العلم كتب لخصوص المديرين، كان ما ذكر هنا من صغريات تلك الكبريات الكلية.

البناء الشخصي للمدير:

ثم لا يخفى أن المدير مهما كان كاملاً لا بد وأن يكون له نواقص، فإن الكمال المطلق لله سبحانه، ثم هو فوّض الكمال النسبي المطلق بقدر الطاقة البشرية إلى الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، أما الإنسان العادي فلابد وأن يكون له نواقص، فإذا كان مهذباً لا بد له من أن يعمل جاهداً للترفع على طول الخط، بالإضافة إلى أن الإنسان كالبناء مهما كان كاملاً يكون عرضة للتحطم المستمر بعوامل الزمن، فيحتاج إلى الترميم على طول الخط، وقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: (وأنه ليران على قلبي وأني استغفر الله كل يوم سبعين مرة) فإن توجه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الدنيا وإن كان مأموراً به إلاّ أنه ابتعاد نسبي عما كان يريده من الجهات الرفيعة، ولعل هذا هو معنى (يران) فالرين كالغبار الذي يعلو المرآة، فإنه وإن كان خفيفا إلاّ أنه يجلب الكدورة في الجملة إليها، وعلى أي حال فالمدير بحاجة إلى الإصلاح الدائم لنفسه، ثم هناك شيء ثالث مربوط بتقدم الزمن وذلك ما يحتاجه المدير لتكميل نفسه ومؤسسته وموظفيه حسب ذلك، وهي التقدمات التي يطرفها العلم مستمراً.

ثم المدير الحسن مهما كان كاملاً لا بد وأن ينتقده الناس، فاللازم عليه أن يتحمل النقد برحابة صدر، فإن قوله (عليه الصلاة والسلام): (آلة الرئاسة سعة الصدر) يشمل مثل هذا أيضاً، وإنما يلزم عليه أن يرد بالتي هي أحسن، إن كان الأمر محتاجاً إلى الرد، فإن الإقناع حل لكثير من الانتقادات، وإلاّ سكت، وليس المدير الحسن من يقول في الجواب: تفضل أنت يا أيها المنتقد فأدر المؤسسة مكاني، أو يقول: أنت لا تعلم مشكلات الإدارة، أو يقول: الانتقاد سهل والبناء صعب، بل عليه أن يبني جواب الانتقاد ما أمكن، حتى يرفع أو يقلل من الانتقاد ما أمكن.

[1] سورة الكهف: الآيتان 103 و104.

[2] سورة فاطر: الآية 8.

[3] سورة المؤمنون: الآية 53 وسورة الروم: الآية 32.

[4] سورة التوبة: الآية 110.

[5] سورة التوبة: الآية 46.

[6] سورة البقرة: الآية 206.

[7] سورة الزمر: الآية 9.

[8] الاضطرار إلى عمل خلاف قاعدة النسبة أوجب هذه اللقطة ونحوها.

[9] سورة البقرة: الآية 200.

[10] سورة المائدة: الآية 8.