الفهرس

المؤلفات

  الإدارة

الصفحة الرئيسية

 

مميزات القائد

ثم أنهم اختلفوا في أنه من هو القائد؟ وما هي القيادة؟ هل هي مجرد صفات إذا تحلى بها الفرد يصبح قائداً؟ وقد ذكرنا بعض الصفات التي يجب أن تتوفر في القائد، أم هي ظروف معينة إذا وجدت ظهر القائد، وإذا تغيرت تغير القائد، أم هي موقف معيّن لمجموعة أشخاص، فإذا تغير الأشخاص تغير القائد، أم أن القائد يظهر في حالة وجود هدف معيّن فإذا تغير الهدف تغير القائد، والظاهر أن القائد بحاجة إلى الصفات، والظرف الخاص، والهدف الخاص، وعند توفر هذه الأمور تجتمع الأشخاص وينجذبون إلى القائد انجذاب الشيء إلى شبيهه، فكل من نظريات الصفات والظروف والمجموعة والهدف، لا تكفي أن تكون مبرراً لظهور القائد، وأن يستدل كل واحد ما اختاره، مثلاً نظرية الصفات حول صفات القيادة، أمور متى توفرت في انسان كان قائدا وهي: توفر طاقة جسمانية، وقوة تحمّل عصبية، وشعور قوي بالهدف وبالإتجاه، والحماس، والصداقة، والشعور الرقيق، والخبرة الفنية، والحزم، والقدرة على اتخاذ القرارات، والذكاء، والقدرة على تعليم الآخرين، والإيمان.

وبعضهم يرى أن الصفات التي تجعل من القائد، قائداً عبارة عن السن، والوزن، والإرتفاع، والقوى الجسمية والمظهر، والصوت، والذكاء، والمعرفة، والحكم السليم، وبعد النظر، والإصابة في التفكير، والقدرة على التعبير، وعدم الإنطواء الشخصي، والقدرة على تحمل المسؤولية، والأمانة، والثقة بالنفس، والسيطرة على الأعصاب، والتفاؤل، والمركز الاجتماعي، والمهارات الاجتماعية، مثل: حسن التصرف، والدبلوماسية، والتعاون.

أما نظرية الظروف، فتقول الشخص الذي يملك أكثر كمية من المعلومات عن موقف معين، يصبح قائدا في هذا الوقت بالذات، فإذا تغيرت الظروف، تغير القائد، والنظرية المجموعية، تقول: العبرة في أشخاص مجموعة، فإذا تغير الأشخاص تغير القائد، ونظرية الهدف، تقول: أنه إذا تغير الهدف للجماعة، تغير القائد، لكنك خبير بأن هذه النظريات لا تتمكن أن تثبت أمام الواقع الذي ذكرناه من لزوم الظرف الخاص، والصفات الخاصة، والهدف الخاص، وعند ذلك تنجذب مجموعة من الأشخاص حول القائد، فيصبح قائداً، فإذا فقدت إحدى الشروط الثلاثة الأولى لا يكون انجذاب، ولا تكون قيادة.

ومن الواضح أن وجود صفات القيادة في شخصية معينة، لا يجعل منها قائداً والقائد قد يكون كذلك في وقت معين، وقد لا يكون قائدا في وقت آخر، كما أن هناك الكثير من الأشخاص يتصفون بصفات القيادة، وليسوا بقادة، فإن صفات القيادة في ذاتها قد تتوفر في شخص دون أن يحتل مركز القيادة، لأسباب تتعلق بالموقف أو بالظروف المحيطة.

ثم أن القائد يستلزم بطبيعته وجود التابعين، والتابع لا يظهر تبعيته في شكل طاعة عمياء، بل وتابع إلى الحد الذي يقبل فيه عن طيب خاطر، التأطير التوجيهي للقائد للوصول إلى الأهداف التي تجمعهم، فإن الجماعة بعضهم يكون تابعاً، وبعضهم يكون متبوعاً، كما هي حالة الحياة في كل بعد من أبعادها، وهناك علاقة متشابكة دائما بين القائد والتابعين، فالتابعون يتبعون القائد، والقائد يتبعهم، لكن في بعدين لا في بعد واحد، ويمثل القائد الفلسفة الأساسية لتابعيه، وهو يحدد طريقه على هذا الأساس، وإلاّ فقد التابعون طريقهم ووجدوا أنفسهم في ارتباك وحيرة، وأحياناً يفقدون ثقتهم وبالتالي القيادة عن القائد، فالقيادة مسألة نسبية في ذاتها، وتابعة للظروف الخاصة والأهداف الخاصة، لوضوح أن مجرد وجود جماعة من الناس، لا يعني وجود قائد، كما أن وجود من فيه صفة القائد، لا يعني أن يصبح قائداً فعلياً، فيجب أن يكون هناك هدف، والظروف نفسها تحدد الصفات الواجب توفرها في الشخص، إذ قد تفرض الظروف قيادة لا عنف، وقد تفرض الظروف قيادة عنف، وهكذا تظهر القيادة نتيجة ظروف اجتماعية للوصول إلى هدف، فيربط القائد بالهدف، نعم الصحيح أنه يمكن أن يكون كل من العنف واللاعنف مثلا وسيلة للوصول، ففي الجزائر مثلا العنف أوصل الجزائريين إلى الحكم، بينما في الهند أوصل اللاعنف الهنود إلى الحكم، وتظهر القيادة نتيجة التفاعل الإجتماعي بين شخص وآخرين، فانعزال الأشخاص عن بعضهم عزلاً تاماً لا يمكن أن يظهر القائد، فإذا وجدت مشكلة معينة وظهر شخص معين، يبيّن الحلول والأفكار الجديدة لها، فإنه يصبح قائداً لهذه المجموعة إذا رأت المجموعة أنه هو الشخص المنشود، الذي يتمكن من الوصول بالمجموعة إلى الأهداف المنشودة بسلامٍ، فأساس القيادة هو اشتراك القائد والتابعين في تحقيق أهداف مشتركة، فلا يمكن أن يقال: أن فلاناً قائد لاعتبار أنه ذكي أو ماهر أو مفكر أو مخلص أو مثابر أو مستقيم أو نزيه، أو ما أشبه.

نعم لا شك أن هذه الصفات معتبرة في القائد، دون العكس، أما العلاقة بين القائد وتابعيه، فمن طبيعة البشر أن يجتمع الإنسان في مجموعات، بغية إشباع حاجاته أو الإقلال من خسارته التي هي عدم إشباع مجموعة من رغباته، أو بعض رغباته، فإن الإنسان وحده لا يتمكن من الوصول إلى الهدف في الأمور الكبيرة، وإن تمكن في الأمور الصغيرة، ويقبل الأفراد توجيه الآخرين، لأن إشباع حاجاتهم سيتم عن طريق الآخرين، فيعتبر القائد على هذا الأساس وسيلة لتحقيق رغبات تابعيه، فإذا اعتقد الأشخاص أن حاجاتهم ستشبع عن طريق شخص ما، يصبحون تابعين له ويصير ذلك قائداً لهم، كما أن هناك بدائل يمكن اتباعها في الوصول إلى الهدف، مثل الإنسان الذي يريد السفر من مكان إلى مكان، فإنه يتمكن أن يسافر بالطائرة أو السيارة أو القطار أو الدابة أو سيراً على الأقدام وأحيانا تكون الطرق متساوية، كالسفر بهذه السيارة أو هذه السيارة، أو السفر على هذه الدابة أو على هذه الدابة.

ثم أن التابعين يتبعون القائد، لأنه يعدهم ويقوم فعلا بالحصول على ما يريدون أكثر من غيره، ويرون فيه الكفاءة والشهامة والمتطلبات القيادية، ومن غير شك أن الشخص الذي تتوفر لديه صفات محددة للقيادة، يتوقع منه أن يحقق أكثر ممن لا تتوفر فيه هذه الصفات، بل قد تكون الصفات منحصرة.

ثم قد يظهر القائد نتيجة رضا المجموع، وقد يكون الرضا في شكل صامت بدون انتخابات، وقد يكون العكس، كما لو طلب شخص من زملائه، أن يقوموا بزيارة مسافر ووافقوا على ذلك، فيصبح قائداً في هذا الظرف بالذات ولهذا الهدف بالخصوص، وقد يكون ذلك لمدة دقائق، كما قد يكون قائداً لمدة سنوات، كما في قيادات الانقلابات الشعبية.

أما إذا تم تعيين شخص كرئيس، فإنه لا يعتبر قائداً لأنه يستمد سلطته من جهة رسمية أو من سلطة عليا فوقه، أما القائد فيستمد سلطاته من التابعين له، وقد ذكرنا فيما سبق أن الأقسام ثلاثة: القائد، والرئيس، والمدير، فالرئيس الإداري هو الذي يعتمد كثيرا على السلطة المفوضة إليه من أعلى أو من المجموعة، أما القائد فيستمد سلطاته من الجماعة ذاتها، مع تفاوت بين صفات هذا وصفات هذا، وعلى كل، فالقيادة تنبع من الجماعة، ويشعر الأعضاء بالحاجة إليها، وتؤمن بأهداف الجماعة، وتشعر بشعورهم مستمدة منها سلطاتها، لا كشكل رئيس أو مدير، ثم انه يقع كثيرا ما للمرؤوسين، سواء كانوا تحت القيادة أو الرئاسة أو الإدارة، مشاكل لابد لمن فوقهم أن يعالجها بسلام وبسرعة مهما أمكن، وإلاّ فمن الممكن أن يستفحل الأمر بما لا يمكن حلها، نعم في بعض الأحيان لا يمكن الحل، فاللازم على من في الفوق أن يحل الأمر بالتي هي أحسن، بمعنى تضييق الدائرة مهما أمكن، وذلك يحتاج إلى الصفات الرفيعة، قال سبحانه: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ*وَما يُلَقَّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) [1].

أما عن توقّع الحرب في حدود البلاد مثلا فيتصرف رئيس الدولة تصرفاً سيئاً، حتى يأتي بها إلى عاصمته، فذلك معاكس الحكمة تماماً.

ونذكر في هذا المقام من مشكلات المرؤوسين أموراً عشرة، مما تحتاج إلى الحل أو تضييق الدائرة، فعلى الرئيس أن يقوم بالممكن من الأمرين:

الأول: عناد المرؤوسين، فمن الأهمية بمكان معرفة الرئيس بعناد المرؤوسين، فإذا كان العناد صفة شخصية خاصة بالمرؤوسين، فإنه من الممكن تجنب عناده بتوجيه الإقتراحات له بدلاً من إعطاء الأوامر، أو إثارة دافع اهتمامه مما يمس بكرامته للحصول على التعاون المطلوب، ويلزم على الرئيس إفهام الموظف العنيد، أنه يستحيل إتمام الأعمال في جو يسوده العناد، وربما يضطر الرئيس إلى نقل الموظف إلى مكان آخر أو فصله اضطراراً إذا كان لا يمكن إطفاء العناد فيكون ذلك كمثل بتر العضو الفاسد الذي لا ينتفع منه، وربما يخشى على سائر الأعضاء من العدوى.

الثاني: لامبالاة المرؤوسين، فإنه كثيرا ما يلاحظ الرئيس الإداري، ظاهرة اللامبالاة عند بعض موظفيه، وتحويل اللامبالاة إلى الإستعداد للتعاون مع المؤسسة ومع الزملاء ومع الرئيس، من أهم وظائف الإدارة والرئاسة والقيادة، وذلك بإيجاد وتدعيم الدوافع إلى التعاون وخلق مشجعات ومرغبات، نعم قد تكون اللامبالاة عند المرؤوس راجعة إلى اللامبالاة عند الرئيس ذاته، وفي هذه الحالة يجب أن يصلح الرئيس نفسه، حتى بصلاحه ينصلح المرؤوس، ومن أهم الطرق التي يستخدمها الرؤساء في علاج اللامبالاة، هو إصرارهم على ضرورة تنفيذ الأعمال مهما كانت الظروف، ومن الإصرار أن يقوم نفس الرئيس بتنفيذ العمل، حتى يكون تقريعاً بالنسبة إلى المرؤوس اللامبالي.

الثالث: انعدام المبادرة عند المرؤوسين، فإنه في كثير من الأحيان يكون عند المرؤوس حالة تسبب عدم المبادرة إلى الأعمال، فيعتمد المرؤوس على الرئيس، وقد يرجع ذلك إلى تركيز كبير في السلطة وإلا فمن الضروري تشجيع المرؤوس على التفكير البنّاء، حتى يبادر إلى العمل، ومن اللازم أن يعلم المرؤوسون استعداد الرؤساء، لتقبل الأفكار الجديدة، لحل المشاكل والتقدم إلى الأمام، وغالباً ما يخصص صندوق الإقتراحات للإطلاع على الإتجاهات السلبية المحتاجة إلى المبادرة.

وقد ذكر بعض المؤرخين أن علياً (عليه الصلاة والسلام) كان قد صنع في الكوفة غرفة في وسط المدينة، وكان في أطراف الغرفة ثقب، وكانت تسمى بيت القفص، فكان الناس الذين عندهم حاجات أو اقتراحات أو ما أشبه ذلك، يكتبون ذلك في رسائل يلقونها في هذه الدار، فيجمعها علي (عليه الصلاة والسلام) ويقرأها ويعمل حسب ما يرى من إجابات تلك الرسائل، أو ما أشبه.

الرابع: جفاء المرؤوس، فإنه ربما يظهر لأحد الموظفين جفاء لرئيسه أو لمرؤوسيه أو لزميله، أو تصرف بشكل غير لائق في المنشأة أو غير المنشأة، من الأمور المرتبطة بالرئاسة أو القيادة أو الإدارة، فمن الضروري على الرئيس في هذه الحالة أن يعرف، هل أن التصرف غير اللائق مجرد رد فعل لتصرف غير لائق من الطرف الآخر؟ أو هي حالة مستفحلة، أوله أسباب خارجية، فيسعى بتحسين حالة ذلك الموظف، مهما أمكن، وربما يحتاج الأمر إلى مباحثات وأحيانا تكون المباحثات طويلة، حتى يتمكن المشرف من إزالة هذه الجفوة.

الخامس: عصيان المرؤوس، بسبب تصرفات الرئيس، فإنه إذا اعترض مرؤوس على تصرفات الرئيس بشكل ظاهر أو بشكل خفي، وآل إلى العصيان، لا بد أن يفهم الرئيس سبب الاعتراض، فإذا رأى الرئيس أن العصيان له سبب وجيه، تصرف بما يرفع ذلك السبب، مثلاً إذا كان السبب هو موضوع بعمل الرئيس، مما يثير اعتراض المرؤوس، فاللازم على الرئيس تجنب ذلك الموضوع، حتى يتضح الموقف، وكثيرا ما يكون الوقت كفيلاً بإصلاح هذا الأمر.

نعم أحيانا يكون الأمر الذي أثار اعتراض المرؤوس، أمراً ضرورياً حيوياً للرئاسة أو الإدارة أو القيادة، فحينذاك يجب الإقناع والتفاهم، أما إذا استمر العصيان، فاللازم على الرئيس نقل مثل هذا الموظف أو فصله، على ما ذكرناه في أمر سابق.

السادس: تحيّز المرؤوس، ومن الضروري على الرئيس، عدم اعتبار التحيز نوعاً من العداء الشخصي، فالتحيز لدى الإنسان طبيعة والآراء مختلفة والأفكار متعددة، فإذا كان التحيز من قبيل اختلاف الاجتهادات أو اختلاف المصالح، فهو أمر يمكن تقبله، أما إذا كان التحيز مجرد عناد في الرأي وما أشبه ذلك، فاللازم أن يعالج الأمر، كما قلنا في بعض الأمور السابقة.

السابع: غرور بعض الموظفين، فإن الغرور عند بعض العاملين بمثابة دافع قوي لقيامهم بأعمالهم على غير وجه حسن، وأحياناً يكون الغرور خطراً على المشروع، سواء كان مشروع دولة أو قيادة أو إدارة، ومن أقسام الغرور تصوّر المرؤوس، أن المشروع لا يمكنه أن يستمر بدونه، كان من أقسامه سرعته في الأمر أو بطؤه أو عدم مبالاته، وقد يكون التصرف من الرئيس في هذه الحالة، هو إعطاء الموظف إجازة قصيرة أو طويلة، بمرتب أو ما أشبه ذلك، وقد يكون بنقله أو فصله أو ما أشبه ذلك.

الثامن: عدم الأمانة، فإنه قد يكون الموظف غير أمين على المال أو على العرض أو على العمل أو ما أشبه ذلك، فإن مثل هذا المرؤوس يجب ان ينبه حسب موازين التنبيه، سراً أو جهراً أمام زملائه أو غيرهم، حتى يعود إلى الأمانة مع لزوم اخذ الاحتياطات اللازمة حول الشيء الذي يظهر هو عدم أمانته فيه، فإذا رأى الرئيس أنه لا ينقلع، فاللازم علاج الأمر بما يصلح الموضوع، من الإجازة أو الفصل أو التشهير أو النقل أو العقاب، أو ما أشبه ذلك.

التاسع: غباء بعض المرؤوسين، فإنه إذا لاحظ الرئيس غباء بعض المرؤوسين، فإنه من الأهمية أن لا يذكر الرئيس أن مرؤوسه غبي، فإذا كان المرؤوس بطيئاً في الفهم، لكن يستطيع القيام بعمله بشيء من الصبر والتعلم، فإن الرئيس يقوم بإعطاء تعليماته الواضحة، مرة كتابة ومرة شفهياً، ويطلب من المرؤوس إعادة صياغة السؤال بالتعليمات أو العمل أو ما أشبه، أما إذا كان الموظف غير صالح للوظيفة، فإنه من المفضل دائماً نقله إلى وظيفة أخرى تناسبه، دون أن يذكر له السبب، مما يوجب عدائه أو بغضائه، أو على الأقل حزنه وانكسار نفسه.

العاشر: الإشاعات، فإنه كثيراً ما تشاع الإشاعات حول الإدارة أو الرئاسة أو القيادة، فمن الضروري على الرئيس أن يلاحظ، هل أن الإشاعات صحيحة، حتى يعرف أسبابها ويزيل تلك الأسباب، حتى تزول الإشاعات، أو أن الإشاعات من المغرضين أو من عدم المبالاة، ولكل من هذه الإشاعات علاج خاص، وعلى أي حال فمن الضروري على الرئيس عدم ترك مجال للإشاعات بين الموظفين أو بين الناس، بل قطع جذورها، إما بالإصلاح أو إسكات المغرضين أو إظهار أن الإشاعة غير واقعية.

ثم هنا أمران آخران، ألمع إليهما جملة ممن كتب حول الإدارة.

أحدهما: في مدح الموظفين وانتقادهم، والمراد بالموظف أعم من الأقسام الثلاثة، فإن المديح يقوي الرابطة عند المرؤوسين بالرضا والقبول من الآخرين، وعليه فاللازم على المشرف من أي الأقسام كان، أن لا يعتقد أن الأعمال الممتازة شيء بديهي، وإنها واجب المرؤوس أن يأتي بها بل يمدحه بما يستحق المدح، من دون زيادة أو نقيصة، بأن لا يكون فيه مغالاة، فإن القليل من المديح الصادق أكثر مفعولاً من الكثير الكاذب، فاللازم أن لا يكون فيه إفراط ولا تفريط، ويجب أن يأتي المديح في الوقت المناسب، ولا يلزم أن يكون مباشرة بعد إتمام العمل، ومن المفضل أن يكون المديح أمام الآخرين، إذا لم يكن هنالك محذور في ذكر هذا المديح، والمديح يجب أن يكون بصفة شخصية أحياناً، وبصفة رسمية أخرى، وهذا موكول إلى المادح، حيث يرى أن أيهما هو الأفضل، كما أن اللازم أن يبتعد المديح عن الإنفعالات الشخصية، حتى يتصف المديح بالموضوعية، وعدم التحيز والمحاباة وما أشبه، ويجب أن يشير المادح إلى أن الموظف يمكنه أن يفعل أحسن مما كان، حتى يشجعه على الترقي، كما أنه يلزم أحياناً نقد الرئيس للموظف، لكن يجب أن يتم النقد بدون انفعال وبدون تجريح، وأن لا يوجه أمام الآخرين، ففي الحديث: (من نصح أخاه سراً زانه ومن نصح أخاه جهراً شانه) إلاّ إذا اضطر إلى المجاهرة، وحينئذ يجب أن تكون المجاهرة بقدر، فإن اكتفى بالمجاهرة أمام عشرة، لا يتعدى ذلك إلى المجاهرة أمام عشرين وهكذا، كما أنه يجب على الرئيس أن لا يعطي النقد لأشخاص غير المرؤوسين المباشرين، بل يوجه النقد إلى الرئيس المباشر، الذي هو دونه أو زميل له أو هو فوقه، كما أنه يجب أن لا يوجه النقد بأساس شخصي، وإنما بصفته عضواً في الجماعة إلاّ إذا كان التصرف تصرفاً غير لائق شخصياً، فإن التصرفات قد تضر الشخص، وقد تضر المؤسسة، وقد تضرهما معاً (وبالاصطلاح المنطقي بينهما عموم من وجه).

كما أن النقد يجب أن يخفف مهما أمكن، فلا يكون بقسوة في غير محله، وهكذا يجب أن يكون النقد إيجابيا،ً أي بهدف البناء والتحسين والإصلاح، لا الهدم، وكثيراً ما يسبب النقد ابتعاد المنتقد أكثر فأكثر، كما قال الشاعر:

دع عنك لومي فإن اللوم إغراء***وداوني بالتي كانت هي الداء

وعلى أي حال، فاللازم أن يوجه النقد بشكل لا يثير انفعال الموجه له النقد، ولا انفعال الآخرين، إذ قد يثير النقد انفعال الآخرين، هذا بالنسبة إلى الأمر الأول.

أما الأمر الثاني: فهي الشكاوي الموجهة من المرؤوسين إلى الرؤساء، فإن شكاوي المرؤوسين، ما هي إلاّ تصرفات ناتجة من ضغط الانفعالات العاطفية أو العقلانية، ولذا فإن من الأهمية بمكان عدم الوقوف في طريق الشاكي وعرض شكواه، وإلاّ فإنه كثيراً ما يتعقد الأمر أكثر فأكثر، وعلى هذا فمن الضروري اتخاذ الخطوات التالية، فيما يتعلق بالشكاوي:

فأولاً: يجب أن يعلم المرؤوسون، أن الرئيس مستعد لتقبل الشكاوي المعقولة، أما الانتقادات الاعتباطية والمغرضة، فاللازم على الرئيس ردها بالتي هي أحسن.

الثاني: يجب التأكد من عدم وجود أية معوقات، تعطل من عرض الشكوى على الرئيس.

الثالث: عند الإستماع إلى شكوى من مرؤوس معين، يجب إعادته إلى حالته العادية، أي حالته قبل الانفعال، وقد رأى بعض الإداريين أن من طرق إعادة الشاكي إلى حالته الطبيعية، أن يصمم الرئيس على أن لا ينظر في الشكوى، إلاّ إذا ابتسم الشاكي، ويستدرج الشاكي إلى حيث الابتسام والرجوع إلى حالته الطبيعية.

الرابع: أن يكون الرئيس راغباً حقيقة في معرفة الحقائق والدوافع، قبل اتخاذ أي قرار بشأن الشكاية، بصرف النظر عن الأمور التي ترد أحياناً في الشكاية الكتبية أو اللسانية، حيث حالة الهيجان والهامشيات، وما أشبه ذلك.

الخامس: يجب عدم تعجيل اتخاذ قرار في الشكوى، وإذا كان من الضروري التعجيل، فإنه من الأهمية وبمكان تحديد موعد أقصى لاتخاذ القرار، حتى يطمئن الشاكي إلى جدية دراسة الموضوع.

السادس: استعداد الرئيس لرفع موضوع الشكوى، إذا اعتقد الشاكي أن موضوع الشكوى غير عادل.

السابع: إذا لم يكن للرئيس وقت كاف لاستماع الشكوى، أو حل المشكلة وكّل الأمر بمن يكون حصيفاً ويرضى عنه الشاكي، ليحل هو الشكوى.

الثامن: قد يمكن إرضاء الشاكي، بإعطائه إمتيازاً مادياً أو معنوياً، وقد يكون ذلك أفضل من حل شكواه، حيث تبقى الجذور في نفسه، وتعود مرة ثانية إلى الظهور أو نحو ذلك.

التاسع: من الضروري تجنب تعدي الشكوى إلى سائر المرؤوسين، وذلك بأخذ الإحتياطات اللازمة حول الشكوى، حتى لا تسري بين المؤسين، فإن الشكوى مثله مثل النار، قليلها كثير، وصغيرها كبير.

العاشر: يجب اتباع الحلول الوسط، إذا لم يمكن الحل النهائي للشكوى، فإن كثيراً من الناس يرضون بالحلول الوسط، حيث يرون فيه النصفة بين الشاكي، وجهة شكواه.

[1] سورة فصلت: الآيتان 34 و35.