الفهرس

المؤلفات

  الإدارة

الصفحة الرئيسية

 

أنواع القيادة الإدارية

(مسألة) القيادة على أنواع ثمانية: القيادة الشخصية، وغير الشخصية، والمتسلطة، والإستشارية، والأبوية، والجافة، والرسمية، وغير الرسمية، وكل قسم من القيادة لها ميزاتها مما نتعرض لها في الجملة، وقد جعل الله سبحانه في كل من الإنسان والحيوان طبيعتين متخالفتين: طبيعة القيادة، وطبيعة التبعية، فبعض الناس يولدون بطبيعة القيادة كما أن بعضهم يولدون بطبيعة التبعية، وكذلك في الحيوان ولذا نرى في الأطفال منذ الصغر أن بعضهم يقوم بإدارة دفة القيادة حتى في اللعب وبعضهم ينتظر من يقوده، وكذلك كثيراً ما يكونان من أبوين وينشآن في بيئة واحدة، وإذا انضم ذلك إلى الأمرين الآخرين اللذين عجز العلم عن إدراكهما، كما عجز عن إدراك ما ذكرها من طبيعة القيادة والمقودية كانت أمور ثلاثة في هذا البعد:

أحدهما: وصول كل إنسان وحيوان بل وشجر إلى حد طبيعي لا يتجاوزه في الحجم، فأي جهاز يخلق في الجسم منذ الولادة يمنعه عن النمو أكثر فأكثر، حتى يكون العصفور بقدر الحمامة والحمامة بقدر الديك والديك بقدر النعامة والنعامة بقدر الفرس والفرس بقدر البعير إلى غير ذلك، وهكذا بالنسبة إلى الإنسان، مع أنه ينمو في ابتداء ولادته نمواً سريعاً كما هو المشاهد، كذلك بالنسبة إلى الأشجار، قال سبحانه: (... الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى) [1].

والثاني: جعل التوازن التقريبي بين الذكر والأنثى في الإنسان والحيوان، بل في الأشجار في كل جيل على طول الخط، فلا يمكن حتى في جيل واحد أن ينقطع الذكر، بأن تلد كل امرأة أنثى أو ينعكس الأمر فتلد كل امرأة ذكراً، وعلى أي حال فالإدارة نوع من القيادة، بل يمكن أن يقال: أنهما متساويتان من الكليات الأربع المنطقية، وإن كان يسمى قائداً باعتبار ومديراً باعتبار آخر.

نعم أصل الطبيعة لا ينافي الاحتياج إلى التعليم والتربية والصقل والممارسة، حتى تظهر الكفاية المخزونة ظهوراً كاملاً، حالها حال سائر الملكات والصفات، وإنه لأمر طبيعي أن يقوم البعض بالقيادة بينما يرضى الآخرون بأن يكونوا تابعين، وفي الواقع إن معظم الناس يريدون أن يكونوا مقادين، فهم يريدون شخصاً ما ليريهم الطريق ويحدد لهم ما ينبغي عمله ويساعدهم على القيام بالأعمال التي ينبغي القيام بها، فإن الكثرة الكثيرة من الناس إنما يقتنعون من الحياة بالمأكل والمشرب والمسكن والمنكح والمركب وما أشبه ذلك، ولا يستعدون لأن يكونوا قادة والكثيرون يتبعون القائد الذي أبرز نفسه لفترة ما حتى يثبت نفسه ووجوده، أو يفشل، فإذا أثبت نفسه ووجوده تبعه الكثيرون الآخرون، وإذا فشل انفضوا من حوله حتى الذين التفوا حوله في اليوم الأول، واللازم أن تكون هناك قوة ناشطة في كل جماعة عمل، فإن الأشخاص يجدون أن تجاربهم اليومية تتكون من الكثير من العلاقات الإنسانية في المجتمع، وكل واحدة منها تحتاج إلى قيادة وفي بعض هذه العلاقات سيقوم بعض الأفراد لتحمل القيادة، بينما في علاقات أخرى للجماعة سيظهر أفراداً آخرين كقادة، ولذا نشاهد أن في المجتمع قادة متعددون، قادة في الاقتصاد، وقادة في السياسة، وقادة في الاجتماع، وقادة في التربية وغير ذلك، ولكي تنجح أي منظمة يجب أن تزود أفرادها بالرغبة في التقدم والنجاح وتحقيق النتائج والاستعداد للتعاون، حتى يظهر من بينهم الأفراد الذين هم صالحون صلاحاً كاملاً أو صلاحاً متوسطاً أو صلاحاً في المستوى الأدنى ولذا نرى في الدعاء: (اجعلني من أفضل عبيدك نصيباً عندك وأقربهم منزلة منك وأخصهم زلفة لديك).

وإذا فشل الذين أبرزوا أنفسهم كقادة في تقديم القيادة الضرورية والقيام بشؤون الإدارة، فإن أعضاء المؤسسة كأعضاء المجتمع يبحثون عن القادة لإرشادهم ومساعدتهم وتحفيزهم، ولذا يلزم أن تظهر القيادة في المنظمة بنفسها الحاجة إلى نفسها حتى لا ينفض الناس من حولها، وعلى أي حال، فإن القيادة لا يمكن أن تزدهر في الفراغ، وإنما تزدهر القيادة في المعتركات والأزمات والمشكلات وفي المثل المعروف: (إن الأمم تظهر قادتها بأنفسها) وحيث إن تنمية التعاون الاجتماعي يحتاج إلى معيار، فقد وضع جمع من العلماء معيار القيادة الصحيحة حتى يتبع كل قائد هذا المعيار، ولا يحتاج إلى أن تمحكه التجارب كالطب الذي وضع له كتب حتى لا يحتاج كل إنسان إلى أن يعيد التجارب بعمر لا يكفي لمثل ذلك.

والعوامل التي تساهم في القيادة الناجحة تنطوي على تقديم أهداف محدّدة وواضحة وخطة سليمة كاملة، ووضع الإنسان المناسب في المكان المناسب، وإذا ظهر الخلاف فاللازم التغيير فوراً، فإن الشخصية ليست بالذي لا يخطأ في غير المعصومين (عليهم الصلاة والسلام)، وإنما الشخصية هي التي إذا أخطأت أصلحت الخطأ، ومن هنا جرى المثل المعروف: (الاعتراف بالخطأ فضيلة).

القيادة الشخصية والقيادة غير الشخصية

وعلى أي حال، فالقيادة الشخصية هي التي تزاول القيادة عن طريق الاتصال الشخصي بالآخرين، بالتوجيه لهم ويحفزهم بالكلام وما أشبه ذلك، وهي من الأنواع الشائعة والتي تمتاز بالفاعلية الكثيرة بالإضافة إلى بساطتها، أما القيادة غير الشخصية، فهي اصطلاح يستخدم للإشارة إلى القيادة التي تزاول من خلال مرؤوس القائد، وعن طريق وسائل غير شخصية مثل الخطط والأوامر وما أشبه ذلك، وهذه الطريقة أيضاً شائعة تستخدم تقريباً في كل قيادة أخذاً من رئيس الحكومة إلى القيادة في أصغر منظمة، من غير فرق بين أقسام المنظمات الثقافية أو السياسية أو الاجتماعية أو العسكرية أو غيرها، وفي بعض الأحيان يكون من الصعب استخدام القيادة غير الشخصية استخداماً موجباً للنتائج المطلوبة، بسبب إنعدام التأثير الشخصي للقائد على التابعين الناتج عن وجود وسيط يفصل بينهما.

القيادة المستبدة

أما القسم الثالث: فهي القيادة المتسلطة المستبدة، والتي يعبر عنها بالدكتاتورية، وهي تقوم بكل الأعمال بنفسها وتزعم أنها تعرف كل شيء وأما رأيها فهو الأصوب فتوزع الأوامر وتعطي التوجيهات، دون التشاور مع الشخص الذي يقوم بتنفيذ العمل، بالإضافة إلى أنه دكتاتور بالنسبة إلى أقرانه أيضاً، وغالباً ما يعتقد القائد المتسلط أنه بسبب مركزه وما يتمتع به من سلطة يمكنه أن يقرر أفضل من غيره ماذا ينبغي عمله؟ وفي ظل هذا النوع من القيادة تكون الأساليب الرقابية المستخدمة عديدة وعنيفة وجامدة، كما أنها إذا كانت في الحكومة حولتها إلى حكومة دكتاتورية بوليسية ظاهراً وباطناً، وهذا هو شأن الفراعنة دائماً بخلاف شأن الأنبياء ((عليهم الصلاة والسلام)) والأئمة (عليه السلام) وأتباعهم.

حيث إن الأولى ترى في نفسها الكفاءة بينما هي غير كفءٍ، أما القيادة الثانية، فإنها مع كفاءتها الذاتية وبالاتصال بالوحي في الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) والعصمة في الأئمة (عليهم السلام) تستشير فشعار القيادة النبوية (أَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ) و (شاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ).

وقيادة الدكتاتوريين كالفراعنة فطالعهم: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ).

كما أن في آية أخرى قال سبحانه حول فرعون (.. قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إلاّ ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إلاّ سَبِيلَ الرَّشادِ) [2]  حيث كان يظن أنه يعلم كل شيء ويفهم كل شيء، وإن قيادته أفضل من غيره، لكن يجب أن نعرف أن هناك فرقاً بين العقيدة والعلم، فإن كثيراً من المنحرفين ومنهم القادة يعلمون الواقع لكنهم يعقدون قلوبهم على خلاف الواقع، مما يظهر أثر العقيدة على جوارحهم، قال سبحانه: (... يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ) [3].

وقال تعالى في آية أخرى: (وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ) [4].

القيادة الاستشارية

أما القسم الرابع من القيادة، فهي القيادة الاستشارية (الديمقراطية)، وهذه القيادة تستفيد من المرؤوسين ومن الزملاء وتتشاور معهم وتأخذ بآرائهم وتشجع المبادرة من جانب التابعين، والقائد يقترح الأعمال المحتملة مع توصياته، ولكنه ينتظر موافقة الجماعة قبل أن يضع هذه الأعمال موضع التنفيذ، وتهتم هذه القيادة بمصالح الجماعة وتعمل على شيوعها بخلاف القيادة الدكتاتورية التي لا ترى إلاّ نفسها، فالاستشارية ضد الدكتاتورية بخط مستقيم إنها تهتم للحصول على أفضل النتائج، لكن من الواضح أن القيادة الاستشارية ليس معناها الاستشارة من كل من هبّ ودب، وإنما من الأعضاء الذين هم أهل لذلك مما اصطلح عليه في الفقه الإسلامي (أهل الحل والعقد) وهذه المسألة غير مسألة الأصوات، حيث لله سبحانه، الحق فيها وحتى للأطفال بسبب أوليائهم.

القيادة الأبوية

والقيادة الخامسة: هي القيادة الأبوية، والتي تكون بمنزلة الأب بالنسبة إلى العائلة، فتهتم بالنفوذ الأبوي في العلاقات بين القائد والجماعة والذي ينعكس على اهتمام القائد براحة ورفاهية التابعين، وجعلهم بمنزلة أبنائه وهم يشعرون بهذا الشعور فيجعلونه أباً وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أنا وعلي أبوا هذه الأمة) وقبل ذلك قال سبحانه وتعالى في القرآن الحكيم بالنسبة إلى ابراهيم (عليه الصلاة والسلام): (... مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ..) [5] وهذا النوع من القيادة يكون كقيادة الأب هادفاً إلى الحماية والإرشاد، وفي الغالب ينجح هذا النوع عند ممارسته، ولكن استمرار نجاحه في المستقبل يتوقف على استمرار الخدمات الأبوية للقائد حاله حال الأب في البيت، وحيث إنه يصبح أباً ما دام يعتني بماديات عائلته ومعنوياتهم، فإذا انقطع عن ذلك انقطع هو عن الأبوية وينقطعون هم عنه.

القيادة الجافة

وفي قبال هذه القيادة في القسم السادس، والتي نعبّر عنها بالقيادة الجافة، وهي القيادة التي لا نصيب لها من العطف، ومثل هذه القيادة تكون دائماً مفروضة، فإن الناس يريدون إلى جانب العقل العطف لأنهم خلقوا من عقل وعاطفة، فالقائد إذا لم يعامل أتباعه بكلا الأمرين العقل والعاطفة كان قائداً فاشلاً، كما أنه إن وضع العقل مكان العاطفة أو وضع العاطفة مكان العقل كان قائداً فاشلاً أيضاً، وحتى إذا لم يكن القائد عاطفياً من أعماقه يجب عليه التظاهر بالعاطفية في موقع العاطفة، وإلاّ انفض الناس من حوله، ولذا قال سبحانه: (... وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ...) [6] فإن غلظة القلب عبارة عن الأعماق والفظاظة عبارة عن المظهر، ومن الواضح أن الإنسان إذا كان متصفاً بإحداهما دون الأخرى تبقى قيادته وقتاً ما، لكن مثل هذه القيادة لا تبقى مستمرة، فإن التصنع بظاهر العطف مع غلظة القلب لا يمر زمان إلاّ ويظهر وكذلك العكس.

القيادة الرسمية

أما السابع: وهي القيادة الرسمية، فهي التي تكون حسب نوع العمل المفوض إليها اجتماعياً، كرؤساء القوى الثلاث في الحكومات وهي التنفيذية والتأطيرية والقضائية أو ما أشبه ذلك، وهذه القيادة لا تكون إلاّ حسب الاقتضاء الاجتماعي، وحتى قيادة مرجع التقليد تسمى في هذا الاصطلاح بالقيادة الرسمية، بمعنى أن الأمة تفوض إليه القيادة بعد انطباق شرائط الشريعة عليه.

أما القيادة غير الرسمية، وهو القسم الثامن، ويقصد بها ذلك النوع الذي يظهر أصلاً بواسطة جماعات التنظيم، ويعبر عنهم في بعض الأحيان بجماعات الضغط، وهذه الجماعات أنواع وأشكال متعددة، وهي تشكل العمل المتداخل بين شخص وآخرين أثناء العمل، وفي المنزل أو في النادي أو في الدولة أو في المنشأة أو في غيرها، ومن الغالب أن يكون في نفس الجماعة قادة مختلفين للأغراض المختلفة أو حسب الاجتهادات وأما حسب المصالح، وقد تقدم الفرق بين الأمرين، وهذا النوع من القيادة مهم جداً وينبغي أخذه في الاعتبار، وبالرغم من أن القيادة الاجتماعية كقيادات الدول والمنشآت والفئات الدينية وما إلى ذلك، تمارس عن طريق القادة المعترف بهم رسمياً، إلاّ أن نجاح الكثير من التنظيمات يتوقف على تعاون هؤلاء القادة الذين يطلق عليهم بالقادة غير الرسميين، وربما يطلق عليهم بالرموز كما يطلق عليهم أيضاً أهل الحل والعقد والنفوذ الفعلي، والمحتمل لهذا النوع من القيادة غير الرسمية على النتائج الإدارية يبدو ضخماً وكثيراً ما يقع القائد والمدير في تناقض بين اختلاف هذين النوعين من القيادة الرسمية وغير الرسمية، كما أنه يقع في تناقض بين أقطاب القادة غير الرسمية، لأن كلاً يجر النار إلى قرصه، سواء عن عقيدة أو عن غرض.

[1] سورة طه: الالآية 50.

[2] سورة غافر:الالآية 29.

[3] سورة البقرة: الالآية 146 وسورة الانعام: الآية 20.

[4] سورة النمل: الآية 14.

[5] سورة الحج: الآية 78.

[6] سورة آل عمران: الآية 159.