الفهرس

المؤلفات

  الإدارة

الصفحة الرئيسية

 

الإدارة والقوى التأطيرية

(مسألة): الإدارة والقوى الأربع التشريعية، والتي نسميها بالتأطيرية، لأنه ليس في الإسلام تشريع، وإنما تطبيق للكبريات الكلية على الصغريات الجزئية، كما قال (عليه الصلاة والسلام): (علينا الأصول وعليكم الفروع) والتنفيذية والقضائية والإعلامية، تتداخل بعضها في بعض.

فإن تشابك الحياة من ناحية، وتعقدها من ناحية ثانية، سبّبا في أن تكون الإدارة، خصوصاً في الشركات الكبرى الاقتصادية أو المؤسسات الكبيرة الاجتماعية أو الثقافية أو غيرها، ذات جهاز خاص يُعنى بهذه الشؤون الأربعة، وإلاّ فربما يقرر في مجلس الأمة قوانين، تضر الشركة تحديداً أو ضريبة أو تحريفاً، أو أحياناً غلقاً أو ما أشبه، وحتى فرضاً في العالم الإسلامي، فالتقنين تأطير لا تشريع، والقوانين إسلامية بحتة، فبالاستطاعة ذلك في مجلس الأمة، حيث إن أمام المؤطّرين بدائل، بعض البدائل يضر بالإدارة، وبعضها لا يضر، فمثلاً ليس للدولة مال بقدر كاف، حتى تستخدمه في الزراعة والصناعة معاً، وكلاهما محتاج إليه، مما تضطر الدولة إلى جعل الثقل في استخدامه في أحدهما، ولنفرض أن كليهما من ناحية الشريعة الإسلامية على حد سواء في الجواز، فإن الإداري إذا رأى، الضرر في جعل الثقل في الزراعة، فله أن يضغط على جماعة التأطير، لجعل الثقل في الصناعة، حتى لا يضر إدارته، بل يماشيها إلى الأمام، ويقال مثل ذلك في القوة التنفيذية والقوة القضائية، أما الإعلام فواضح أمره، بأنه مطلوب لغرضين:

أولاً: من جهة الإعلام عن المؤسسة، لجلب الزبائن والمشترين والهواة.

وثانياً: للضغط على الجماعات المحتفّة بهذه القوى الثلاث، فإن من المعلوم أن كلاً من القوى الثلاث، محفوفة بأطراف كثيرة، مثلاً قوة التأطير، محفوفة بالأحزاب والمنظمات والنوادي وجماعات الضغط والجرائد والمجلات والإذاعات المرئية واللامرئية، التي تحفّ بهذه القوة، إلى غير ذلك، وكذا سائر القوى، فاللازم على الإداري تهيئة الأجواء المناسبة، حتى يصل إلى مأربه، وإلا فيقف في أثناء الطريق، وأحياناً تلغى إدارته إطلاقاً، وحيث ليس للسياسة، خصوصاً السياسة العامة بدء ولا نهاية، فرجل السياسة العملي والمناور السياسي، هو الذي يعرف هذا، كما يدرك أن القوى التي تنتج عنها السياسة العامة ـ كما تعبر عنها القوانين ـ تستغرق وقتاً طويلاً، حتى تتطور وتصبح واضحة المعالم وتتبلور في صيغ خاصة خارجية، وأنه يندر أن تسوّى المشكلات تسوية نهائية، وإنما غالباً تسوى المشكلات تسوية وسطية، وفوق ذلك، فإن جماعات الضغط والأحزاب السياسية والرأي العام وغيرها ـ مما ألمعنا إلى جملة منها ـ كل ذلك تختلف معاً فيما يجري لأي سياسة عامة، خلال قيام المشروع بتشكيلها، ولذا فمن الواجب على المدير أو هيئة الإدارة أو من أشبه أن يراقب كل ذلك بتأنّي وتدرج، وإلاّ فقد يفوته القطار ـ كما في المثل ـ وبذلك يظهر أن كلاًّ من السياسة والإدارة، وكذلك بالنسبة إلى القوى الثلاث الأخرى ـ التي ذكرناها ـ وجهان لعملة واحدة، وهذه العملة هي العلاقات الإنسانية، التي جانب منها الإدارة وجانب منها السياسة والقضاء والتنفيذ والإعلام، فإنه على رغم اختلاف مجال العمل ومظهره بين المشرعين والقضاة والمنفذين والإداريين والإعلاميين، فإن كلاً من هذه الجوانب، يهتم بنفس العناصر من العملية الإدارية، مثل كيفية حل مشكلات معينة، كشمول التأمين الاجتماعي أو المساعدة، التي تقدم للتعليم أو التحكم في مورد، مثل الغاز الطبيعي أو التنظيم، الذي يحقق هذا الغرض، والطرق التي تستخدم في ذلك أو مسايرة أصحاب السلطة وبالعكس، إلى غير ذلك، مما يترتب على العلاقات الإنسانية العامة، فعملية رسم السياسة، عبارة عن التفاعل بين عناصر، منها الأفكار والأنظمة والمصالح والأفراد، والإداريون لهم نصيب كبير في هذا المجال، ولا يخفى أنه لا يعني ذلك أن الجماعات الإدارية، تركز على مصالحها الذاتية دائماً وتهتم ببرامجها الخاصة، بغض النظر عن كل اعتبار آخر، بل إنها تعتمد أيضاً على ضرورة توازن عادل بين المصالح والأخذ والعطاء، والمساومة والارتفاع فوق المصالح الضيقة، باستكشاف المصالح العامة الكبرى، فإن الإداريين ليسوا دائماً أصحاب مصالح خاصة ونظريات ضيقة، وإنما كثير منهم، إنسانيون يريدون العدالة الاجتماعية، وتعميم الخير للجميع، نعم لا شك في أن طبيعة الإنسان أنه يريد الخير لنفسه ويدفع الضر عنها، كما أنه غالباً ما تتعارض المصالح، فالمصلحة هنا في صورة، والمصلحة هناك في صورة أخرى، وهما متضاربتان، ولذلك نمثل بهذا المثال: إن الطبيب الجيد، هو الذي إذا طلبه المريض هرع إليه، بينما عائلة الطبيب، لا يريدون أن يهرع الطبيب في نصف الليل إلى المريض، لأنه يزعج نومهم وراحتهم، فالمصلحة بين العائلة وبين المريض متضاربة، والطبيب بينهما، فلا بد وأن يلائم بين هذه الجهة وهذه الجهة، فإن قدم تلك المصلحة فاتت هذه المصلحة، وإن قدم هذه المصلحة فاتت تلك المصلحة، وهلم جراً، هذا إضافةً إلى أن اختلاف الاجتهادات في الإنسان حقيقة.

فمثلاً: بعضهم يريد تقديم الزراعة، وبعضهم يريد تقديم الصناعة، والذين يريدون تقديم الصناعة، هم يختلفون على أنفسهم، فبعضهم حسب اجتهادهم يوجبون تقديم الصناعات الثقلية، وبعضهم حسب اجتهادهم يريدون تقديم الصناعات الكمالية، كالبرادات والغسالات والدراجات، وما أشبه من الحاجات، التي تعد ثانوية بالنسبة إلى الحاجات الأولية، وحيث يحتل الإداري، مركزاً يمكنه من ممارسة قدر ضخم من التأثير في رسم السياسة، بل ورسم القضاء والتنفيذ،فاللازم أن يستهدي في اتخاذ قراراته، إذا كان حيادياً ومصلحاً، لمكونات الصالح العام، والإشكال على ذلك، بأن مفهوم الصالح العام مفهوم غير واضح ويمكن التوسع فيه بتفسيرات كثيرة غير واردة، فإن أي مفهوم، حتى مفهوم الوجود، شيء يمكن أن يفسر بتفسيرات كثيرة، ولذا قال الحاج السبزواري (رحمه الله) (مفهومه من أعرف الأشياء وكنهه في غاية الخفاء).