الفهرس

المؤلفات

  الإدارة

الصفحة الرئيسية

 

أسس اتخاذ القرار الإداري

(مسألة): إذا حصل المحلل على الحقائق والمعلومات، التي يريدها سواء بالكتابة، أو بالمقابلات الشخصية، أو بمراجعة الخرائط، أو غير ذلك، وتأكد أن المعلومات اللازمة للدراسة، قد أصبحت متوفرة لديه، لذا يقوم بترتيب هذه المعلومات، وبعرضها بصورة منظّمة وعلى شكل خرائط مختصرة، تسجل المعلومات كلاًّ في موضعه، بعد ذلك يقوم المحلل بالخطوة التالية وهي: دراسة هذه المعلومات، دراسة تحديدية وبشكل ناقد، ويتم ذلك بمحاولة الإجابة على الأسئلة التالية: ما هي الإجراءات والعمليات، التي يستغرق إنجازها معظم الوقت، في الوحدة من حيث الزمان؟

وما هي المواضع، التي وضعت فيها فروع المنظمة أو المنشأة، أو ما أشبه فيها، فهل هي أماكن لائقة أو أنّها غير لائقة؟

وهل حقاً أن هذه الإجراءات، تحتاج إلى ذلك الوقت الطويل، أو لوقت أطول، أو لوقت أقصر؟ لأن كلاً من الوقت الأطول والوقت الأقصر، وكذلك توفّر المكان المناسب، أو المكان غير المناسب، يؤثر في سير العمل، سيراً حسناً، أو سيراً سيئاً.

ثم يسأل، هل هذه الإجراءات، مهمة بالنسبة إلى العمل، أو أنها إجراءات هامشية، لا تهم العمل؟

ويسأل كيف يمكن تحقيق الأهداف، لو أن الوقت المخصص للقيام، بالعمل قد خفض أو وسع؟

وهل هناك عددٌ كبيرٌ من الموظفين، مخصّص للقيام بهذه العملية، حتى تكون الوظيفة حسب ما يرام، أو أن الموظفين، أقل من العدد المطلوب، أو أنّهم أكثر؟

وهل هم أخصائيون، أو غير أخصائيين، مع لزوم أن يكونوا أخصائيين؟

وهل كل عمل يناسب من يقوم به؟

وهل بالإمكان تغيير الأدوار والأعمال، التي يقوم بها بعض الموظفين، مثلاً بأن يعطي العمل الفلاني لزيد، والعمل الفلاني لعمرو؟

وهل القيام بالعمل، يحتاج إلى تنقل الموظفين؟

من الواضح أن تغيير الأدوار، غير تنقل الموظفين، فتغيير الأدوار، عبارة عن أن يُعطى دور المدير للموظف، ودور الموظف للمدير، أما بالنسبة إلى تنقل الموظفين، فهو أن يجعل زيد مكان عمرو، وعمرو مكان زيد، وكلاهما موظف تحت إمرة المدير.

وهكذا يتساءل، هل بالإمكان تقسيط الإجراءات، وتخفيض حجم العمل بواسطة تغيير شكل الوحدة، أو تغيير أعمال الوحدات الأخرى، التي لها علاقة بعمل الوحدة؟

وهل من المناسب، جعل الإدارة العامة هكذا في أماكن مخصوصة، مثلاً المدير العام، تكون غرفته آخر المؤسسة، أو أول المؤسسة أو وسط المؤسسة؟

وهل المخزن، ينبغي أن يكون إلى جانب اليمين، أو جانب اليسار مواجهاً لأشعة الشمس، أو لا؟

وهل الأساليب المتبعة، والإجراءات التي تؤخذ، هي الأساليب الوحيدة الممكنة للقيام بالعمل، أو لها بدائل أفضل منها أو أسوأ، أو أن البدائل، قد تكون حسنة، وقد لا تكون حسنة، مثلاً في فصل الصيف البدائل يجب أن تكون هكذا، أما في فصل الشتاء فيجب أن تكون على حالها؟

وهل النماذج مصممة بشكل مناسب، أو بشكل غير مناسب؟

وهل بالإمكان استعمال أساليب، أو إجراءات أسهل وأسرع وأقل تكلفة، أو أن هذه الإجراءات، هي الأحسن من جهة الكم والكيف؟

وهل بالإمكان استعمال معدات، أو آلات أحسن وأفضل من الموجودة حالياً؟ وإذا كانت الآلات والأدوات الموجودة حالياً، هي الأحسن، فهل الصيانة لها بقدر كافٍ أو ليست بالقدر الكافي؟ فإنه إذا وضعت هذه الأسئلة، في سلم متناسب كشفت العيوب والثغرات الموجودة في التنظيم والأساليب الخاصة بالوحدة.

وكذلك يظهر من أمثال هذه الدراسات، جواب هل العمل والخصوصيات المكتنفة بالعمل، هي أفضل ما يمكن أو لا؟ وهل هناك صورة أفضل، وبدائل أحسن، فإن مثل تلك الأسئلة، من شأنها أن تلقي بعض الضوء، على الإجراءات المتبعة في القيام بالعمل، وعلى الموظفين القائمين به، وعلى الزمان والمكان والشرائط المكتنفة بالعمل والعاملين.

وبعد هذا الفصل، يأتي فصل الاقتراحات والتوصيات إلى الرؤساء والموظفين والأشخاص المكلّفين بالعمل، وتعتبر سلامة الاقتراحات والتوصيات وتقديمها إلى المسؤولين، خطوة كبيرة من خطوات البحث التنظيمي، إذ بعد جمع كافة الحقائق والمعلومات ودراستها وتحليلها، وجعلها في السلم المناسب لها، يصل المحلل إلى مرحلة استخلاص النتائج منها، وتكون الاستنتاجات، عبارة عن مجموعة من التحسينات والتعديلات والتغييرات والتبديلات والزيادات والتنقيصات، على التنظيم والأساليب المتبعة في القيام بالعمل، وعند وضع الاقتراحات والتوصيات، على المحلل أن يأخذ بعين الاعتبار أموراً مهمة:

أوّلها: أن تكون المقترحات، عملية ويمكن تنفيذها، لا أن تكون مثالية لا يمكن تنفيذها.

ثانيها: أن يلاحظ ويتنبأ بالآثار القانونية والإدارية والاجتماعية والنفسية، التي ستؤثر في المستقبل، على عملية تنفيذ توصياته ومقترحاته، فربما تكون الشروط للتوصيات والمقترحات، أكثر من طوق القانون، أو طوق الإدارة، أو طوق المدير، أو طوق الموظفين، أو ما أشبه.

ثالثها: على المحلل، أن يقدر التكاليف المتوقعة، نتيجة أية تعديلات يقترحها.

رابعها: أن لا يضع المحلل، مقترحات معقدة تتضمن التوصيات غير القابلة للتنفيذ، لأن المحلل سعى في ذلك وراء الكمال، أو أنه قدم توصيات، تتضمن إجراء تغييرات، لغرض تحقيق التغيير، ليس إلاّ، بزعم أن التغيير، بما هو تغيير مستحسن أيضاً بالنسبة لكل شيء، ولأن الإنسان متطور، ينزعج من الرتابة والبلادة في العمل، ولذا فالتغيير يكون مستحسناً بما هو تغيير.

وعلى المحلل إذا وجد أن التحليل، الذي هو قيد الدراسة، سليماً في إجراءاته وتنظيماته، يكتب ذلك في تقريره، بدون تقديم توصيات شكلية، الغرض منها استبدال أسلوب، بأسلوب آخر مماثل له تماماً، إلا إذا كان التغيير، مطلوباً على ما تقدم، كما يجب على المحلل، أن لا يبرّر للرؤساء، أنّ ما أنفقوا من الأموال، من أجل الدراسة لهذه الوحدة، لم تذهب سدى، لأنه قد يرى المحلل، أن الهيكل التنظيمي وسائر الخصوصيات على ما يرام، فمن الضروري أن يكون شجاعاً ليقول هذه الكلمة، وإن ظن الرؤساء، ومن أشبه أن الأموال أُنفقت سدى، ومن اللازم أن يناقش المحلل، التوصيات والمقترحات، التي يريد وضعها في تقريره، مع رؤساء الوحدات ومع الموظفين، بل مع زملائه المحللين، خارج هذا الإطار، قبل وضعها في صورتها النهائية، وأن يستمع إلى آرائهم، بخصوص هذه التوصيات والمقترحات، وأن يحاول أن يعدل فيها، إذا تبين له أنّها ستلقى معارضة شديدة من هؤلاء الرؤساء، أو أنّ فيها ثغرات ونواقص بوجه عام، فإن على المحلل، أن يشعر الرؤساء والموظفين بأنهم قد ساهموا بوضع واستنساخ هذه المقترحات والتوصيات، وأنها تعبر عن آرائهم ورغباتهم، وهذا من شأنه أن يزيد من اهتمامهم بها، ومن تحمسهم إلى تطبيقها في المستقبل، وأن لا يتهموا المحلل بالدكتاتورية والانفرادية والاستبداد، حتى يسري ذلك إلى اقتراحاته، وإن كانت اقتراحاته، حسنة وفي موضعها، ثم من اللازم، تقديم هذه التوصيات والاقتراحات، بصورة شفوية أو بصورة كتابية، ومن الضروري أن يكون كلاهما على شكل تقرير رسمي، إلى رئيس الوحدة وإلى الرؤساء الآخرين، وإلى الموظفين المعنيين، بالإضافة إلى الجهة المسؤولة، التي طلبت إجراء الدراسة، سواء كانت الجهة المسؤولة، مؤسسات خارجية، أو مؤسسة حكومية، أو مؤسسة في داخل إدارة المنشأة.

ثم من الضروري، التنبيه عند كتابة التقارير، أن يكون التقرير مختصراً، ويتضمن التوصيات والاقتراحات اللازمة، وعلى المحلل، أن يتجنب كتابة التقارير الطويلة، التي تتضمن تفاصيل غير هامة، والتي يكثر فيها الخروج عن الموضوع الرئيسي، أو أن يكون التقرير أكثر اختصاراً من القدر اللازم، وكذلك يلزم أن يكون التقرير المكتوب، واضحاً ويسهل فهمه، بما فيه من التوصيات والمقترحات والآراء، ويكون ذلك بتجنب التعقيدات في كتابة الجمل، وفي اختيار الكلمات، بل يكون بالتعابير السهلة المتداولة، وأن لا تكون الاقتراحات، متضاربة مع بعضها بصورة التباين، أو العموم المطلق، أو العموم من وجه، لأنه كثيراً ما يكون المحلل، قد لاحظ الأمر في أشهر متعددة، ويكتب فيكون بين مواد تقريره تضارباً من ناحية ما، وهكذا يجب أن يكون التقرير، مرتباً ويتحقق ذلك بتجزئة المواضيع، التي يحتويها التقرير، إلى أقسام وفقرات، تبيّن المواضع الهامة فيه، وتجعله سهل القراءة على المسؤولين، حتى يفهموا ما يتضمنه من توصيات، وفي المثل المعروف (إن فهم السؤال نصف الجواب) وهكذا يجب أن يكون التقرير مقنعاً، فالتقرير الذي هو حصيلة الدراسة، لا يمكن أن يؤدي الغرض، الموضوع من أجله، ما لم يستطع أن يقنع الرئيس الإداري، أو الجهة التي طلبت إجراء الدراسة، لأهمية ما جاء فيه، وبتنفيذ التوصيات والمقترحات، التي تضمنها بدون الإقناع، فاللازم أن يصب الألفاظ، بصورة مقنعة ويستشهد أحياناً ببعض الشواهد المألوفة عندهم، فإن من طبيعة الإنسان، أنه يقبل الشيء المألوف، ويرفض الشيء غير المألوف، ويساعد في عملية الإقناع، شرح التوصيات الموجودة في التقرير، شرحاً وافياً بين إيجاز مخل، وإطناب ممل، ويتضمن التقرير، الخرائط والجداول والرسومات، التي توضح وتدعم التوصيات الموجودة في التقرير، وهكذا يجب أن يوضع التقرير، بصورة متواضعة، لا بصورة الاستعلاء والتكبر والغرور، فإن من طبيعة الإنسان، أنه إذا رأى الطرف الآخر مغروراً متكبراً، أو ما أشبه، فإنّه لا يقبل كلامه، وإن كان كلامه حقّاً، وفي الحديث: (لا تكونوا علماء جبارين فيذهب باطلكم بحقكم) [1]، وفي القرآن الحكيم: (... وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) [2] مع العلم أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يعرف أنه على هدىً مائة في المائة، وأن من خالفه على ضلال مائة في المائة.

ومن التواضع أن لا يكون المحلّل في تقريره مخاطباً الطرف، الآخر أن افعل، أو لا تفعل، فإن الأوامر والنواهي، غالباً تكون استفزازية، بينما إذا وضع نفسه في التقرير بصيغة المتكلم مع الغير يكون أقرب إلى القبول، مثل أن يكتب: إنّا إذا عملنا هذا العمل، لعله يكون أفضل بالنتيجة، وهكذا، ثم من الأفضل، أن تكون لبعض التقارير، التي بحاجة إلى توضيح أكثر، ملاحق توضيحية، يذكر فيها أيضاً المراجع.

أما الملحقات، فتحتوي على تفاصيل أكثر، حول بعض جوانب التقرير، وتوضع في نهاية التقرير، لأجل اطلاع المهتمين به عليها، وتكون هذه الملحقات، على شكل جداول مفصّلة، أو خرائط دقيقة، أو رسومات بيانية، أو عينات من بعض النماذج.

أما المراجع، فتوضع لوحدها، أو تحت كل صفحة من التقرير، ولعل الثاني أفضل، لأن الإنسان غالباً إذا رأى كلمة راجعها، ويستصعب أن يراجع في آخر التقرير، ويمكن أن تكون المصادر كتباً أو دوريات أو وثائق مختلفة، لكن بالنسبة إلى المراجع العامة، يمكن جعلها في الآخر، أو في الأول، ومن الملاحظ أن المحلل الإداري، يعتمد في حصوله على المعلومات على المصادر الأولية، وقليلاً ما يرجع إلى المصادر الثانوية، كالكتب والدوريات والخرائط وغيرها، كما أنه من المستحسن، أن يوجز التقرير في أول الكتابة أو في آخرها، حتى يكون الإنسان على علم بالموجز، وقد يجعل الموجز في أول الكلام، وفي آخر الكلام، كما نشاهد في الإذاعات، من أنها توجز الأخبار، في أولها وفي آخرها، وإن كان بين الإذاعة، وبين الكتابة، فرق واضح، حيث إنه في الإذاعة، قد تفوت نشرة الأخبار على الإنسان، فيراجع موجزها في آخرها، أو قد لا يكون له وقت، فيستمع إلى الموجز في أول النشرة، بينما في الكتاب ليس كذلك.

نعم ذلك يصح لو كان التقرير، مجلدات أو كراسات متعددة.

عملية مواجهة الإجراءات

ثم إنه بعد وضع المحلل، للتقرير المتضمن للتوصيات والمقترحات، تأتي مرحلة تطبيق وتنفيذ ما جاء فيه، أما عن دور المحلل، فقد ينهي المدير أو الجهة المسؤولة عمله، بمجرد تقديمه للتقرير، وقد يطلب منه الاشتراك في وضع التوصيات والمقترحات موضع التنفيذ، والأفضل الثاني، إذ من المستحسن، أن يكون المحلل، على اتصال بما يحدث، بعد تقديم مقترحاته، بصورة رسمية أو بصورة غير رسمية، وأن يقدم الاستشارة والنصائح والشروط والتفسيرات، لما يحتويه تقريره والمشكلات، التي قد تتولد من جرّاء التطبيق، وعليه أن يتتبع ما يحدث من تغييرات، في الوحدة التي درسها، وأن يلاحظ إن كانت، قد وضعت اقتراحاته وتوصياته كلها، أو بعضها، موضع التنفيذ، وأثر تنفيذ هذه التوصيات على عمل الوحدة، التي تمت دراستها، ولا تنتهي مهمة المحلل، بمجرد الابتداء بتطبيق وبوضع مقترحاته، موضع التنفيذ، بل عليه أن يتفقد ويفحص، من حين لآخر، الإجراءات الجديدة، التي اقترحها ليمنع تسرب أي خطوات غير ضرورية، ضمن الإجراءات المقترحة، وليتأكد من مدى تحقّق الأهداف، التي وضعت التوصيات، لأجل تحقيقها، وهل التوصيات على صواب مائة في المائة، أو أنها قاصرة، بزيادة أو نقيصة أو انحراف أو ما أشبه؟ وإذا طلب من المحلل أن يشترك، في تنفيذ الاقتراحات والتوصيات، فيقوم في هذه الحال، بوضع خطة، أو برنامج لتنفيذها، محدّداً الوقت اللازم، للانتهاء من كل مرحلة من مراحل التنفيذ، وكذلك بالنسبة إلى تغيير المكان، بالنسبة إلى فروع المؤسسة، أو تغيير المكان في نفس المؤسسة، كما ألمعنا إلى ذلك فيما سبق.

[1] الكافي: ج1، ص36، ص1، باب صفة العلماء.

[2] سورة سبأ: الآية 24.