الفهرس

المؤلفات

  الإدارة

الصفحة الرئيسية

 

عملية اتخاذ القرار

ثم يبدأ بإعادة تنظيم الوحدة، ويضع المقترحات موضع التنفيذ، حسب البرنامج الموضوع لذلك، ويتضمن ذلك تدريب الموظفين، للقيام بالعمل، حسب الطريقة الجديدة ونقل بعض الموظفين إلى أقسام أخرى، أو ترقيتهم أو تخفيضهم، وإذا كان هناك تخفيض، يجب أن يكون محفوفاً بالمغريات والملائمات، أو أنه إذا كان هناك، فصل واختيار لموظفين آخرين جدد، ليحلوا محلهم، يجب أن يكون الفصل مع الرضى، فإنه وإن لم يكن رضى كاملاً، إلاّ أنه يمكن حصول الرضى النسبي، كما أن التنفيذ أيضاً، يتضمن شراء أجهزة جديدة أو الانتقال إلى عمارة مناسبة، إذا تطلب الأمر ذلك، وبعد إعادة التنظيم يبدأ المحلل في تجربة الإجراءات، وطرق العمل الجديدة، وعليه أن يلاحظ مواطن الضعف في الإجراءات الجديدة، وأن يعمل على إصلاحها، في حين حدوثها، كما يجب عليه أن يراقب الموظفين، أثناء تطبيق هذه الإجراءات الجديدة، وأن يتأكد من قيامهم بالعمل، حسب الإجراءات المقترحة، وإذا تطلّب ذلك مالاً، فاللازم على الإدارة أن تبذل المال، فإن المال يذلل كثيراً من الصعوبات، كما أنه إذا رأى نفسه دون أن يأمر، فاللازم أن يتوسل بأصدقاء الموظفين، أو بالرؤساء، حتى يكونوا هم الآمرين، فلا يتأفف الموظف من أمر المحلل، أو من أمر تافه في نظره، وتكون النتيجة عدم انصياعه إلى المقترحات والتوصيات.

ثم اللازم على المحلل، أن يكون رفيقاً في الإجراءات، فلا يضيق الخناق على الموظف أو الرئيس، فمثلاً يجعل له وقتاً واسعاً للتغيير المنشود، وهكذا بالنسبة إلى مراعاة سائر الحريات، فإن الإنسان إذا عرف أنه سيد الموقف، وأنه حر في عمله، انصاع إلى الأوامر أكثر، مما لو عرف أن فوقه سيداً، وأنه مجبر على عمله، وفي حديث أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال للبعض: (إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق... فإن المنبتّ لا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع) [1]. والأحاديث في الرفق كثيرة ذكرنا جملة منها في كتاب (الآداب والسنن) من الفقه والله المستعان.

من الأمور المهمة في الإدارة، اتخاذ القرار، فهو من الأعمال الأساسية للإدارة، واتخاذ القرار، عمل مستمر للمدير، سواء كان مديراً عاماً، أو مديراً متوسطاً أو مديراً في القاعدة، وسواء كان في مؤسسة اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية أو غيرها، ومعنى اتخاذ القرار، اختيار ماذا ينبغي عمله، ومن الذي يقوم بهذا العمل، ومتى يكون وأين وكيف؟ وبالنتيجة فإن عملية اتخاذ القرارات، هي بطبيعتها عملية مستمرة، متغلغلة في كل الوظائف الأساسية للإدارة، بل وفي الوظائف الفرعية، فإن الوظائف بحاجة إلى التخطيط والتشكيل والتوجيه والرقابة، على ما تقدم الكلام حول كل ذلك، ولا يمكن أن توجد هذه الأمور بلا قرار، بل إن وجود كل واحد من هذه الأمور نتيجة للقرار الذي يتخذه المدير، فإن المدير يقوم بتحديد هدفه، ويحاول الوصول إلى هذا الهدف، وبدون القرار لا يمكن للوظائف أن تأخذ مكانها، فعملية الإدارة، لا يمكن أن توجد بدون القرار، وكذلك جزئيات الإدارة، وعلى هذا فإن عملية اتخاذ القرار تنتشر في جميع المستويات الإدارية، ولا بد أن يقوم بها كل مدير، وتوجد في كل جزء من أجزاء المنشأة.

مثلاً في التخطيط تحدد القرارات، العمل الذي يجب تأديته، والسبل التي يتعين إتباعها لإنجاز هذا العمل، وفي التنظيم تحدد القرارات، نوع العمل، الذي يوزع على أعضاء معينين من الجماعة، وتفويضهم القدر المعين من السلطة، الذي يمكّنهم من القيام بالعمل، وجعل قدر كاف من الحقوق لهم، من باب مقابلة الواجب بالحق، وفي التشكيل تلزم القرارات، التي تؤدي إلى تنمية الهيئة الإدارية واختيارها وتدبيرها، وفي التوجيه، تقوم القرارات بإقناع أعضاء الجماعة، بأنَّ العمل المحدد الموضوع، هو العمل المناسب لتحقيق الأهداف، ثم الرقابة، عبارة عن مقارنة الأداء الفعلي بما هو مخطط، فإن ذلك لا يكون، إلاّ بواسطة قرارات تظهر وجودها أو عدمها، هذا بالإضافة إلى القرارات المتعلقة بالأعمال التصحيحية.

وأحياناً يجب اتخاذ القرار في أنه،هل يبقون في هذه العمارة، أو ينتقلون إلى العمارة الأخرى؟ أو يفتحون الفرع في هذا البلد، أو في بلد آخر؟ أو أنهم يستخدمون هذا المحلل، أو ذاك المحلل؟ وإلى غير ذلك من الأمور، التي كلها تتبع القرارات الإدارية.

وبعضهم عرّف القرار، بأنه الاختيار القائم على أساس بعض المعايير، لبديل واحد من بين بديلين محتملين، أو لأحد البدائل في الموضوع، سواء كان البديلان أو الأكثر بين السلب والإيجاب، أو بين الإيجابين أو بين السلبين، مثلاً، إنه يريد أن يسافر للتنزه (في مثال خارج عما نحن فيه) فإنه هل يذهب إلى النجف، أو إلى كربلاء، أو إلى الكاظمية؟ في القرار بين الإيجابات، أو أنه هل يذهب أصلاً للتنزه، أو لا يذهب؟ في القرار بين السلب والإيجاب، أو كان بيده عملٌ وهو ثقيل عليه، فهل يترك السفر، أو يترك العمل في القرار بين السلبين؟ فالاختيار يقوم على أساس بعض المعايير، مثل اكتساب حصة أكبر من السوق أو تخفيض التكاليف، أو توفير الوقت، أو زيادة حجم الإنتاج والمبيعات في مؤسسة اقتصادية، وكذلك في المؤسسة الصحية، فمثلاً يريد إنشاء مستشفى، هل يجعل المستشفى للولادة أو للأمراض المزمنة؟ أو يجعله للأمراض العادية؟ ومن الواضح أن المعايير عديدة، لأن جميع القرارات، تتخذ وفي ذهن القائم بالعملية بعض هذه المعايير، وأحياناً يتعارض معياران في ذهنه، فيجب أن يتخذ القرار بين هذا المعيار أو هذا المعيار، ويتأثر اختيار البديل الأفضل بواسطة المعايير المتمركزة في الذهن، وتنطوي عملية اتخاذ القرارات على بديلين أو أكثر، فإن القدرة، إنما تكون قدرة، إذا كان لها جانبان، أما إذا كان لها جانب واحد، فهو إلجاء، وليس بقدرة، فإن مَنْ لابد أن يكون في الحيز، لا يمكن أن يقول اخترت ذلك، أما من يريد السفر، ويتحير بين أن يسافر بالطائرة أو بالسيارة فإنه يحتاج إلى القرار، فإذا لم يكن إلا شيء واحد فليس هناك من قرار يتخذ، وعلى هذا فإن عملية اتخاذ القرارات، هي وجود البدائل، بديلان أو أكثر، حتى يمكن القيام بعملية الاختيار، وإذا لم يكن هناك بدائل، لما كانت هناك مشكلة، وذلك لعدم وجود مجال للاختيار، وينبغي ملاحظة أنه في بعض الحالات المعينة، قد تكون جميع البدائل، غير مرضية فيدور الأمر بين ترك كل البدائل إطلاقا، أو ترجيح بعض البدائل على بعض، فاللازم أن يتخذ القرار أيضاً، بين السلب الكلي أو الإيجاب، ومن المعروف أن الوجود الناقص، خير من العدم التام، لكن من الواضح، أن المراد من الوجود الناقص، غير الوجود الضار، وإلاّ فإذا دار أمره بين الاستمرار في الشركة، حتى تنتهي إلى الإفلاس أو الإغلاق، يكون الوجود الناقص، أسوأ من العدم التام، وقد ذكرنا في كتاب الأصول، أن مثل هذا الكلام من باب المجاز، إذ العدم لا يؤثر، ولا يتأثر، ولا يرجح، ولا يرجح عليه، وإنما كل ذلك من صفات الوجود، فإن لا شيء، ليس بشيء حتى يوصف بوصف، وعليه فمن الحالات الأربع المتصورة في الذهن، إنما تكون حالة واحدة، هي حالة الوجود من الوجود، أما الوجود من العدم أو العكس، أو العدم من العدم، فكلها محال عقلاً، وهذا بحث فلسفي لا نريد الاستفاضة فيه، لأنه خارج عن موضوع كلامنا هنا.

ثم القرار، عبارة عن حسم بعض وجهات النظر والآراء المتعارضة، فإذا كانت هنالك آراء، فكثيراً ما توجد اختلافات في الآراء، أو وجهات النظر، أو الأحكام أو الحقائق المتصلة بمشكلة ما، وهنا يجب على المدير، أن يتخذ قراراً، حتى يمكن المحافظة على فاعلية الجماعة، واللازم أن يكون اتخاذ القرار، غير مزر بالجماعة المخالفة لهذا الرأي الذي اتخذوه، فالمنازعات التي يمكن حسمها بواسطة القرارات الناجحة عديدة، مثلاً قد يتخير المدير، بين الحقائق وبين الآراء، فيرى الحقائق في جانب، والآراء في جانب آخر، وكذلك قد يرى التعارض، بين المعرفة والعادة، فهل يرجح المعرفة، والتي انتهى إليها العلم؟ أو أنه يتبع العادة الجارية بين الناس؟ أو أنه يتبع التقاليد النازلة من فوق؟ أو التطور؟ أو هل يتخذ الفرصة (فإنها تمر مر السحاب)؟ أو يخاطر من هذه الجهة أو هذه الجهة؟ وقد يكون الترديد بين طرفين، في بعض الأمور، وبين أكثر من طرفين في بعض الأمور، مثلاً ذكر علماء الأخلاق، أن هناك الشجاعة والجبن والتهور، والشجاعة وسط بين الآخرين، إلى غير ذلك من الأشياء، التي لا بد للمدير أن يقرر طرفاً على حساب طرف آخر، مثلاً قد تكون المشكلة، التي تواجه شركة ما، هل يستخدم الأجانب (اصطلاحاً) أي الذين ليسوا من أهل البلد، في قبال أهل البلد أو هل يستخدم الكفار في قبال المسلمين؟ فإن هناك طائفتين متخالفتين وأمام المدير بديلان، المؤيدون يذكرون بعض الأدلة، لتعزيز وجهة نظرهم (مع اعترافهم أحياناً أن مثل هذا القرار قد يكون خروجاً على تقاليد الشركة أو العرف أو العادة، أو تولد مشاكل الطهارة والنجاسة، بالنسبة إلى الكافر) والمعارضون لهذا الاتجاه يقدمون من الأدلة والآراء ما يبرر موقفهم، ولا يلزم أن يكون أحد الطرفين مغرضاً، إذ يمكن أن يكون كل طرف مخلصاً، لما يراه نتيجة لاختلاف اجتهاده أو ما أشبه، والقرار الذي يصل إليه المدير، لا بد وأن ينطوي على حسم وحل لهذا التنازع والتعارض، عن طريق تحديد الاتجاه الذي سيتبعه وهذا الحل قد يمثل رغبات مجموعة المؤيدين، أو مجموعة المعارضين، تمثيلاً كاملاً أو تمثيلاً جزئياً، وقد يمثل توفيقاً للرأيين وقد يكون القرار مشتقاً من أوجه نظر مختلفة تماماً، وقد يكون القرار خلاف النظرتين جميعاً، وعلى كل، فإن القرار هو الذي يحسم المنازعات أو الاختلافات، أو يعين البدائل والآراء، التي تجول في ذهن المدير، من دون أن يكون هنالك خلاف في الخارج.

ومن نافلة القول، أن نقول: أنه ليس من البدائل، ما يخالف الشريعة الإسلامية، فيما كان المدير متديناً ويريد قيادة المنشأة طبق الشريعة الإسلامية، فإن الممتنع شرعاً، كالممتنع عقلاً في عدم إمكان الاقتراب منه، وإن كان بينهما فرق، بأن الممتنع عقلاًن ليس بممكن، والممتنع شرعاً ممكن الإتيان به في الخارج.

ثم من الواضح، أنّ البدائل إنما يختار بعضها على بعض، على أساس نتائجها المحتملة، ولكن تحديد القيم، بالنسبة لكل قرار ينطوي على صعوبات حقيقية، علمية واجتماعية وسياسية، وغير ذلك، فهذا التحديد يستلزم إجراء مقارنات تقوم على أُسس قد تكون اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية أو تربوية أو ما أشبه، ومن المحتمل أن يحدث تعارض بين هذه القيم، فتقديم هذا البديل، أنفع اجتماعياً، بينما تقديم البديل الآخر أنفع سياسياً، وهكذا بالنسبة إلى البدائل الأُخر، إذ عادة تكون هناك مظاهر مرغوبة، وأخرى غير مرغوبة في كل بديل، وهذه القيم المتعارضة، يجب الترجيح بينها بطريقة مرضية للمدير، ومعنى ذلك وجود عناصر للترجيح، في معظم القرارات والقليل جداً من القرارات، هو الذي يتميز بالكمال المطلق.

ثم إن المدير، في عملية اتخاذ القرارات، يتعامل مع قيم مستقبلية معظمها مجهول، ومن ثم لا بد من بذل الجهد، لاختيار الأفضل من تلك القرارات في نظره، ومع ذلك لا يمكن غالباً، اختيار الأفضل مطلقاً، حتى يكون طرف البديل في درجة الصفر، أو تحت الصفر، وما يختاره المدير كأحسن بديل، ثم قد تثبت الأيام عكس ما رآه، بسبب عجزه عن رؤية المستقبل دون خطأ، ولذا نشاهد أن عظماء القادة، قد يخطئون أخطاءً تودي بحياتهم وبحياة مؤسستهم، سواء في الحكومات، أو في الشركات التي تنتهي إلى الإفلاس، أو ما شابه ذلك من الأمور الثقافية أو السياسية أو الاجتماعية أو التربوية أو غيرها، وقدرة المدير على اتخاذ قرار ما، تتوقف على نطاق إدراكه وفهمه للمنطقة التي يتخذ فيها القرار، ومن ثم ففي كثير من عمليات اتخاذ القرارات، قد يحدث تجاهل لبعض البدائل، بسبب أن معرفة متخذ القرار، لا تسمح له أن يكون على بيّنة من هذه البدائل المحتملة، ومن الأمور الضرورية على المدير، في تعيين البدائل، قبل اتخاذ القرارن أن يستشير، وفي شعر عن علي (عليه الصلاة والسلام): (وترى قفاك بجمع مرآتين).

فإن الآراء المختلفة، تعطي للإنسان أوسع آفاق المعرفة، كما ورد في الحديث: (أعقل الناس من جمع عقول الناس إلى عقله).

[1] الكافي: ج2، ص87، ح6.