| الفهرس | المؤلفات |
|
عامل الوقت في النشاط الإداري |
|
(مسألة): تقدم الإلماع الى عامل الوقت في النشاط الإداري وهنا نشير إلى أن الوقت مهم جداً بالنسبة إلى كل الأنشطة للأحياء، وأن عامل الزمن ذو علاقة مباشرة أو غير مباشرة بجميع الوظائف والنشاطات الإدارية وغير الإدارية، ويتوقف على حسن استخدامه واستغلاله مستوى نجاح الإدارة، بل إن عامل الزمن يحيط بالمسألة الإدارية من شتى جوانبها إحاطته بالحياة البشرية عموماً وحسن التصرف في الاستفادة منه، واستغلاله أو هدره يتوقف إلى حد كبير على الطابع الذاتي والصفات الشخصية للرئيس، أو الإدارة، أو المدير، أو حتى الفرد العادي، كما يتوقف حسن التصرف على التقيد بمبادئ ومنطلقات علم الإدارة، فإن الوقت ثمين جداً وأثمن من الذهب فقولهم: (الوقت من ذهب) من باب المثال لا أقل ولا أكثر، لا من باب المماثلة الحقيقية، وإنا نجد في كبار العلماء والمخترعين ومن أشبه أنهم استفادوا من هذا العامل، ولم يهدروا حتى قطرة من قطراته، فإنه بتجمع القطرات تكون البحار، وبتجمع الذرات تكون الصحارى، وبتجمع الخلايا تكون الأشجار والحيوان والإنسان، فاللازم على الإنسان أن لا يهدر من الوقت حتى ثانية، فكيف بالدقيقة والساعة واليوم، والأسبوع، والشهر، والسنة، كما نلاحظ هذا كثيراً في العاطلين، حيث لا يهتمون لهذا الأمرإطلاقاً، قديماً كانوا يستعملون ـ لضبط الوقت ـ الساعات الشمسية والمائية والرملية، أما الساعة في العصر الحاضر فهي من أشهر لوازم الإنسان المتحضر، والوقت محدود بالأصل، فإن الإنسان فرداً أو مجتمعاً لا يملك في اليوم إلا أربعاً وعشرين ساعة، وفي السنة إلا أشهراً معدودات، والساعة الخامسة والعشرين غير موجودة، كما أن الشهر الثالث عشر مستحيل، وهكذا فزيادة لحظة فوق عمر الإنسان مستحيلة (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) [1] والوقت إذا انقضى لا يعود ولا يعوض، وفي الحديث: أن كل يوم جديد يخاطب الإنسان ويقول له: (أنا يوم جديد، وغداً عليك شهيد، فقل فيّ خيراً واعمل فيّ خيراً، أشهد لك به يوم القيامة، فإنك لن تراني بعدها أبداً) [2]. وفي الأحاديث: إن الأزمان تأتي في يوم القيامة لتشهد على الإنسان بأنه عمل خيراً أو شراً، وفي حديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (اغتنم خمساً قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك) [3]. وفي حديث: (إن ملك الموت لما يأتي إلى الإنسان ليقبض روحه يقول له الإنسان أمهلني سنة، فيقول له: كلا لقد ذهبت السنوات، فيقول: أمهلني شهراً، فيقول: كلا لقد ذهبت الشهور، فيقول له: أمهلني أُسبوعاً، فيقول: كلا لقد ذهبت الأسابيع، فيقول له: أمهلني يوماً، فيقول: كلا لقد ذهبت الأيام، فيقول له: أمهلني ساعة، فيقول: كلا لقد ذهبت الساعات، ثم يقبض روحه) ونجد مضمون هذا الحديث عند تفسير قوله سبحانه وتعالى: (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [4]. فاللازم علينا أن نستغل الوقت ونستفيد من كل جزء منه، وإلاّ يكون قد فات الأوان، والخسارة قد تحققت، وفي الحديث: (انتهزوا فرص الخير، فإنها تمرّ مرّ السحاب) [5]. وفي حديث آخر: (إضاعة الفرصة غصّة) [6] فإن الفرصة كما تشمل سائر الأمور كذلك تشمل الأزمان، ولا فرق في ذلك بين الخسارة في الإنتاج المعنوي أو الفكري التي تؤدي إلى خسائر قد تكون غير محسوسة ولكنها تؤثر على حياة الإنسان والمجتمع، أو الخسارة في الإنتاج المادي التي يسهل قياسها بأدوات القياس، ومن المثال المشهور: إن تأخر العجّان في مخبز آلي مثلاً لمدّة دقيقة واحدة فقط ـ من ضغط زر العجّانة لاشتغاله في الخبز ـ يؤدي إلى فقدانه إنتاج ما يقارب الخمسين كيلوغراماً من الخبز، والتأخير في التنظيم والتخطيط والعمل يؤدي إلى خسارة الوقت والعمر، والإنتاج والخسارة لا تنحصر في الوقت فحسب وإنما تتعدّى إلى فوات الربح من جراء تعطيل الطاقات وعدم تشغيلها وجني فوائدها في الأجل الموعود من غير فرق بين أن تكون المشاريع المتأخرة مادية أو معنوية، فردية أو جماعية، سياسية أو اقتصادية، أو ثقافية، أو غير ذلك، كما يزيد الإنفاق على إنجاز المشاريع من جرّاء ذلك، كالتأخير في إنهاء طريق مثلاً، فإنّ الإنسان إذا استغلّ الوقت في سيره مثلاً من طهران إلى خراسان والمسير ألف كيلومتر، فإنه بتأخيره إنهاء الطريق يتأخّر في سائر أعماله ومشاريعه، ولذا نجد في العقود التجارية سواء كانت داخلية أو خارجية، بنوداً شائعة وصريحة تنص على مقدار غرامات التأخير في التنفيذ، وكثيراً ما يقول المؤجر داره للمستأجر: إذا تأخرت يوماً عن الخروج بعد انتهاء الموعد فعليك في كل يوم مثلاً كذا من النقد، وفي العقود التجارية البحرية نص يقضي بدفع علاوة على كسب الوقت أي على التبكير في تفريغ البواخر من قبل المشترين، وهذا عكس التأخير، فهناك يأخذ من المتأخر، وهنا يعطي للمتقدم، وكل ذلك علامة على فائدة الوقت وأهميته. ثم والكثير من مؤشرات أو معايير قياس الأداء تعتمد في أساسها على عامل الوقت حيث يعتبر الزمن وحدة القياس الرئيسية التي يعرف بواسطتها، فيما إذا كانت النتائج أو الأهداف أو الكميات قد تحققت في حينها أم لا، كما وأن الوقت يعتبر الأساس أيضاً في البرمجة التي تترجم الخطط العامة أو المشاريع المادية بواسطة برامج منسقة ومقسمة زمنياً إلى أقسام متوالية، أسبوعية كانت أو شهرية أو سنوية أو أكثر، ولذا فإن البرامج والخطط تتم متابعتها استناداً إلى الوقت، وكلما يودع الإنسان عاماً سابقاً يقف على أعتاب العام الجديد وقفة تأمل مع النفس، ليقيم فيها ما أنجزه خلال العام الماضي ويكافئ المجدّ ويحاسب المقصّر ويستفيد من دروسه في أعماله ومشاريعه المستقبلية، والفرق بين المؤشرات التي ذكرناها قبل ذلك وبين هذا ـ وهو اعتبار الوقت أساساً للبرمجة ـ هو أن البرنامج أولاً يبرمج على حسب الوقت، ثم بعد تمام العمل يرى هل أدى أو لم يؤد على طبق ذلك الوقت، كما أن برنامج التجارة مثلاً يطبق على طبق المال، مثلاً تخصص ألف دينار لتأثيث البيت، ثم يرى بعد صرف الألف دينار، هل التأثيث صار بالكامل أو لا؟ وقد سألت أنا بعض التجار الذين سافروا إلى بلدين من البلاد الغربية: لماذا تأخر البلد الأول مع أنه كان متقدماً وتقدم البلد الثاني مع أنه كان متأخراً؟ فقال: لسببين. السبب الأول: لأن البلد الثاني أكثر نفوساً ومن الواضح أن الأكثر نفوساً يكون مقدّماً على الأقل نفوساً. والسبب الثاني: وهو الأهم، قال: لأنهم يعملون أكثر وقتاً. فالبلد الثاني الذي تقدم يصرف من الوقت في اليوم اثنتي عشرة ساعة، فالناس فيها يشتغلون من السابعة صباحاً إلى السابعة ليلاً، بينما البلد الأول الذي تأخر الناس فيها يشتغلون خمس ساعات فقط، فالفارق بين الوقتين سبع ساعات، ومن الواضح أن من يشتغل في اليوم اثنتي عشرة ساعة يتقدم على من يشتغل في اليوم خمس ساعات، هذا إن كانت النفوس متساوية، فكيف والنفوس متفاوتة بخمسة أضعاف. ثم إن خسارة الوقت تختلف عن الخسارات المادية من حيث كونها شاملة وعامّة للجميع، وإذا حدثت فلا يمكن تعويضها إلاّ على حساب خسارة زمنية جديدة، وهذا من التوسع في التعبير، وإلاّ فالزمان لا يعود في حين نرى أن الخسارة المادية هي خاصة بالبعض دون الكل، بل يمكن القول بأن الخسارة المادية لدى جهة ما هي ربح لدى جهة أخرى، مثلاً ارتفاع الأسعار وانخفاضها في بعض السلع إن أضرّ البائعين يكون قد نفع المشترين والعكس صحيح، فالخسارة المادية قد تعوض في فترة لاحقة بينما خسارة الوقت وفوات الزمن هي خسارة لا تعوض، وفي الحديث: (من استوى يوماه فهو مغبون،... ومن كان آخر يوميه شرهما فهو ملعون) [7] أي بعيد عن الخير. |