| الفهرس | المؤلفات |
|
أسباب هدر الوقت |
|
ثم اللازم أن نكون ملاحظين لمنافذ ومكامن ومنعطفات إهدار الوقت، حتى نقف بوجه ذلك، فإن ملاحظة المنافذ والثغرات والالتواءات التي يتسرب منها الوقت ويهدر لن تكون من السهولة بمكان، بل يلزم علينا الرصد والمعاناة لعدم تحقق ذلك بالتجربة والملاحظة والدقة، ونحن نذكر مكامن الهدر في أمور: الأول: المركزية الشديدة، فإن تعطيل القوانين والأنظمة واللوائح بسبب المركزية سواء في المؤسسات الكبيرة أو الصغيرة ـ وحتى مؤسسات الدولة هو من الأسباب المهمة لهدر الوقت، فإن الحكومة إذا كانت مركزية ـ بمعنى أن يكون كل شيء مرتبطاً بالحكومة المركزية ـ يذهب الوقت بين ذلك هدراً، إذ كل معاملة وكل لائحة وكل طلب وما أشبه يجب أن يرجع فيها من أداني البلاد إلى أقاصيها إلى المركز، بالإضافة إلى أن المركزية الشديدة خلاف حرية الناس، وغالباً لا تكون مثل ذلك إلا في الحكومات الدكتاتورية، فإن معاملات الناس مع أجهزة الدولة بل معاملات نفس أجهزة الدولة بعضها مع بعض في مثال الإدارة الكبيرة يجب أن تكون مع المستويات العليا، حتى في مثل إجازات السفر والحج والاستقالات والاستيداعات وما أشبه ذلك يهدر فيها وقت الكثير من الناس، وحيث إن المركزية وعدم تفويض السلطة، وجهان لعملة واحدة فإن المراتب الدنيا من الإدارات تتهرّب إلى التسويف والتأجيل والفرار من المسؤولية، والرجوع دوماً إلى الرؤساء. وذلك مما يسبب هدر الوقت أكثر فأكثر، مثلاً الرجوع في معاملة من الموصل إلى بغداد يستنزف من الوقت أسبوعاً لكن الموظف في الموصل والموظف في بغداد حيث لا يجدان الرقابة الكافية يتهربان من العمل خلال أسبوع، ويسوفانه، فيكون إنجاز العمل خلال شهر، وهذا كله يسبب إهدار الوقت أكثر من الأسبوع بزيادة ثلاثة أسابيع، ومن الواضح أن هذا أمر ثان غير إهدار الوقت في نفس المركزية التي ذكرناها أولاً، بينما إذا كانت السلطة مخولة إلى نفس الموظف في الموصل ولم تكن مركزية لم يهدر وقت المراجع إلا بقدر ساعات فقط. ثم بعد عدم تفويض السلطة من قبل السلطة المركزية يأتي دور الإغراق بالورقيات وإنفاذ الشكليات مما يسبب هدراً جديداً للوقت والمال وهكذا، ويتبع ذلك التعود على تبادل الزيارات بين الموظفين واستقبال الضيوف من الخارج بدون مبرر أو عمل، لأنه صار الوقت بيد الموظفين، ولم يكن بأيدي الوظيفة، كما هي في السلطات غير المركزية، فإن الموظف في الموصل ـ مثلاً ـ حيث يتمكن من الهروب بقوله: (لم يأت الملف من بغداد) يشتغل بزيارة أصدقائه في الدائرة أو يتأخر في المجيء إلى الدائرة، فيكون قد تعوّد على تبادل الزيارات بين الموظفين واستقبال الضيوف من الخارج بدون مبرر أو عمل، وإنما هروباً بحجة عدم مجيء الملف، وكذلك يعمل الموظف البغدادي وحيث يرى الرؤساء عدم سير العمل، وهذه النقائص في الإدارات، وتضجّر الناس من الروتين فلا بدّ لهم من تشكيل لجان مؤقّتة، سواء في الدوائر العليا أو في الدوائر المتوسطة أو في الدوائر الدنيا، فيكثرون من الاجتماعات، دون إعداد أو تحضير لأعمال اللجان أو الاجتماعات مع ما يصحبها من التأخر في الحضور أو الخروج عن الموضوع أثناء المناقشات، وبالتالي تعطيل وقت الإدارة وتأخير اتخاذ القرارات، بالإضافة إلى هدر كبير للأموال التي تحتاج اللجان وما أشبه إليها، فاللجان المؤقتة والمجالس العليا الوزارية ونحوها وجهات المتابعة والإشراف على المستويات المتوسطة والقاعدية يزيد في الطين بلّة، ويضعف التنسيق ويربك الأداء ويؤدي إلى الازدواجية أو اللامبالاة، ويطيل عمل القرارات ويذهب بوقت الرؤساء والمرؤوسين هدراً، بالإضافة إلى الأموال التي تهدر في مثل هذه الأمور وما ذكرناه إنما هو مثال للإدارات الحكومية، ومن هذا المثال نعرف الحال في الإدارات للمديرين، سواء كانت إدارات اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية أو تربوية أو غيرها، ولذا ورد في أحاديث متعددة: أن على الحاكم أن يرفع ستره ويرفع بابه ويواجه الناس مباشرة لكن لا يخفى أنّ كثيراً من هذه الأمور لا تحدث إلاّ بالدكتاتورية ووحدة الحزب، فإذا تعددت الأحزاب الحرة وكانت هناك مؤسسات دستورية تحمي الحريات يقع التنافس، فلا تكون الإدارة مركزية، ولا تقع أكثر هذه المشاكل. ثم في دول العالم الثالث حيث لا يكون التخطيط إلاّ قليلاً ولو كان في بعض المؤسسات الحكومية أو غيرها لم يكن مشابهاً لما بين مختلف المؤسسات، وإذا وضع التخطيط مثلاً لا يصل إلى التنفيذ لأنه يتدخل في تنفيذه المحسوبية والمنسوبية، ودكتاتورية الحكام الذين هم ضد كل شيء صالح، ولا بد وأن يكون أوّل ضحيّة لذلك هو الوقت، ولذا نرى التأخر الفظيع محكماً في كل بلاد العالم الثالث وبلا استثناء، ومنه العالم الإسلامي، والدعوة إلى وضع التخطيط وما أشبه: دعوة إلى الفرع بدون وجود الأصل، بينما يلزم أن يكون الأمر أولاً وبالذات: الدعوة لإصلاح الحكم بإجراء الديمقراطية (الاستشارية) ـ وقد ذكرنا في كتاب (الفقه: السياسة) وغيره الفوارق بين الديمقراطية والاستشارية حيث إن في الأُولى النواقص التي لا توجد في الثانية ـ حتى يكون التنافس الحر بين الأحزاب والنقابات والمنظمات وما إلى ذلك من المؤسسات الدستورية، ويأتي بعد ذلك دور الفرع، وفي المثل المشهور: (ثبت العرش ثم انقش). وعلى كل حال فالكلام الآن في الوقت، مع قطع النظر عن هذه الملابسات التي تقف حاجزاً دون استغلاله كما ينبغي، ثم إنّ سبب تضييع الوقت وهدره: الأدوات والمعدات الإدارية القديمة أو غير المتطورة التي تستخدم في العالم المتأخر بشكل عام، فالاتصال الهاتفي الذي يستغرق من الوقت ساعة أو ساعات يؤخر الأهداف، سواء بالنسبة إلى الدولة حيث الأوامر النازلة أو المعلومات الصاعدة لا تتمكن من النزول أو الصعود إلا بعد ساعات، وكذلك وسائل النسخ والتصوير تضيّع الوقت، واستخدام الآلات الحاسبة القديمة تؤخّر إنجاز الوثائق المحاسبية والدورات المستندية ويضيع على الجميع معرفة الواقع في حينه، وكذلك المواصلات ووسائل النقل والخدمات التموينية، فإنها تؤثر على نشاطات المؤسسات، سواء كانت مؤسسات حكومية أو مؤسسات القطاع الخاص، إذ الإنسان يجب أن يصرف جزءاً من وقته للتغلب على هذه الاختناقات والأزمات، ولا فرق بين الإنسان في نفس الإدارة أو في خارج الإدارة، حيث إن كليهما يتأثران بهذه الاختناقات والأزمات. ثم مما يؤثر على الوقت أيضاً عدم وجود الحضانة الكافية للأطفال الصغار، فذلك من شأنه أن يؤثر على النساء العاملات في كثير من مرافق الحياة كالمدارس النسوية التي يتواجد فيها عاملات من أمثال المديرة والمعلمة وما أشبه وكذلك في سائر المؤسسات النسوية، فعدم وجود دور الحضانة الكافية للأطفال يؤثر على مستوى الكفاءة لديهن، بل يمكن أن يقال: إنّ طريقة إعداد الأكل وتوزيعه وتفصيل اللباس وحياكته وما أشبه، تجعل العاملات أيضاً يفكرن كثيراً في بيوتهن وعائلاتهن، وهن في المكاتب أو ورش العمل، فإما أن يهملن البيت أو يهملن العمل وليس لهن خيار في ذلك لعدم وجود دور الرعاية والحضانة وذلك يوجب تفويت الوقت، وكذلك بالنسبة إلى فقر كثير من العاملين والعاملات حيث ليس لهم الوسائل الحديثة من الغسالة والثلاجة والتكييف والتدفئة وما أشبه ذلك، فإن عدم وجودها لديهم يسبب تطويل الوقت لتهيئة الوسائل مما يوقف بعض العمل، أما في البلاد التي يجب على الأفراد أن يقفوا في الصف لأجل شراء اللحم والبيض والزبد وما أشبه فتضييع الوقت، فهو أظهر. هذا بالإضافة إلى أن تعطيل الإدارات والمدارس والمؤسسات الخاصة في مناسبات متعددة وطنية تارة وقومية أخرى ودينية ثالثة إلى غير ذلك، مع ملاحظة العطلة الصيفية بالنسبة إلى المدارس تسبب حرق نصف وقت الطلاب بصورة خاصة بينما الواجب أن تكون العُطل قليلة جداً، وفي البلاد الإسلامية يجب أن تكون العُطل في المناسبات الدينية فقط، أما المناسبات الوطنية والقومية فكلها مستوردة من الغرب، ويلزم إلغاؤها إن أردنا الحفاظ على الوقت، كما أن سلب الحريات بسبب القيود والشروط التي وضعتها الحكومات تسبب إحراق الوقت وتأخير الإنسان عن عمله، مثلاً من يريد بناء دار أو فتح حانوت أو السفر إلى الخارج لابد وأن يراجع هذه الدائرة وتلك الدائرة والدائرة الثالثة وهكذا، أو يصرف من وقته أياماً طويلة حتى يتمكن من الحصول على الترخيص، بينما كلّ ذلك في الإسلام وفي منطق العقل يجب أن يكون حراً وبلا قيود ولا شروط، وقد ذكرنا تفصيلاً حول الحريات في الإسلام في كتاب (الصياغة الجديدة) فلا حاجة إلى التكرار، وإنما ننظر إلى ذلك هنا من زاوية إهدار الوقت بسبب هذه القيود والشروط. |