| الفهرس | المؤلفات |
|
شواهد على استغلال الوقت |
|
وقد ورد في حديث أن الإمام أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) أمر حلاقاً أن يأخذ الشعر الزائد من على شفته، فلما قال له الحلاق: طبّق فمك يا أمير المؤمنين لأقص الشعر الزائد قال (عليه الصلاة والسلام): (الوقت أسرع من هذا خذ ما تمكنت) فإن الإمام (عليه الصلاة والسلام) لم يرد أن يترك ذكر الله سبحانه الموجب لتحرك الشفتين حتى بهذا القدر القليل. وفي حديث أن الإمام الصادق (عليه الصلاة والسلام) قال لبعض من سأله عن مسألة، بعد أن أعطاه الجواب: (قم عنّي... ولا تفسد عليَّ وردي) [1] أي: التكاليف العبادية التي أنا قائم بها. وفي التاريخ أن العلامة الحلي (رحمه الله) ذهب لمهمة في سفر طال أسبوعاً فكتب هناك (تبصرة المتعلمين) الكتاب الفقهي المشهور، فلم تصرفه المهمة عن الاشتغال بالعمل والتأليف، وكان (رحمه الله) من عادته زيارة كربلاء من الحلة كلّ خميس، فكان لا يترك الكتابة وهو على الدابة، ولذا يقال: أن خطوطه تلك كانت لا تُقرأ إلا من قبل ولده (فخر المحققين) فهو الذي أعاد تبييض تلك الخطوط وذلك بسبب رداءتها عند تحرك الدابة، ولما سافر العلامة الحلي إلى إيران لحل مشكلة الملك (خدا بنده) مع زوجته في قصة مشهورة (ذكرناها في كتاب الطلاق) استصحب كتبه وطلابه، فكان يلقي عليهم الدروس في أثناء السفر، وكتب كتاب القواعد (المشهور في الكتب الفقهية والمشروح عدة شروح) في إيران عندما كانوا يسافرون من بلد إلى بلد كانوا إذا نزلوا في مكان أمر (رحمه الله) بالمدرسة التي كانت من الخيم أن تنصب، ثم يجلسون للمباحثة والمدارسة والتأليف. كما أن الشهيد الأول (رحمه الله) استغل فراغه في السجن فألف كتاب اللمعة الدمشقية والذي هو محور دروس الطلبة إلى اليوم. وصاحب (الحدائق) لما هوجم بيته في البحرين أثناء حرب أهلية وقعت بين الجانبين أخذ القرطاس والقلم والمحبرة وبعض كتبه وهرب إلى مخبأ، وأخذ يؤلف بعض مباحث كتابه المشهور (بالحدائق الناضرة) وهناك في المخبأ أُخبر أن الأعداء أشعلوا النار في بيته وأنّ البيت أخذ في الاحتراق فلم يلتفت صاحب الحدائق إلى كل ذلك، وإنما استمر في التأليف. كما ينقل عن صاحب (الجواهر) أن ولده مات عصراً وحيث لم يمكن تجهيزه في ذلك الوقت بقيت الجنازة في البيت إلى الصباح حتى يتمكنوا من التجهيز، فأخذ صاحب الجواهر قلمه وقرطاسه وكتبه ومصباحاً فجاء إلى غرفة الجنازة وجلس فيها قرب الجنازة وأخذ يؤلف بعض مسائل الجواهر وهو مستمر في البكاء حزناً على ولده فيجفف دموعه ويؤلف. وهكذا نرى أن المتقدمين من العلماء والشخصيات البارزة ما كانوا يتركون حتى مثل هذه الأوقات الضئيلة، ولهذا صاروا أعلاماً إلى اليوم، وأنا رأيت السيد القمي الحاج السيد حسين (رحمه الله) العالم المجاهد المشهور (الذي أُبعد من إيران إلى العراق في قصة البهلوي الأول ومسجد كَوهرشاد) حيث سافرت بخدمته مع والدي (رحمه الله) إلى سامراء من كربلاء المقدسة، وكان بخدمته أيضاً السيد الميلاني (رحمه الله) وولده السيد حسن القمي وفي الطريق توقفت السيارة لعطب حصل لها فسأل السيد القمي (رحمه الله) السائق الذي أخذ يعالج العطب: كم من الوقت نتعطل في الصحراء هنا؟ قال له السائق: مقدار عشر دقائق إلى ربع ساعة، فقال للوالد والميلاني وولده انزلوا حتى نباحث مسألة لئلا يضيع الوقت، وكانت معهم كتبهم، فنزلوا وفرشوا في الصحراء وأخذوا يتباحثون في المسألة حتى انتهت مشكلة السيارة وقال لهم السائق: اركبوا، فركبوا، وهكذا كان يستغل حتى هذه الفرص الصغيرة لعدم فوت الوقت عن البحث والمدارسة، ومثل هذه الأمور تنقل أيضاً عن كبار المخترعين والذين نستفيد من اختراعاتهم إلى اليوم. |
|
[1] بحار الأنوار: ج1، ص226، ح17. |