الفهرس

المؤلفات

  الإدارة

الصفحة الرئيسية

 

التخطيط التربوي للمدراء

(مسألة): إذا أُريد التنمية الإدارية، بل نفس الإدارة الصحيحة، لا بد من ملاحظة نقطة هامة في الأمر، وهي التخطيط التربوي للمديرين والمفتشين والمحللين وغيرهم من الذين يقومون بإدارة المنشأة، سواء كانت منشأة كبيرة كالدولة أم المنشآت المحدودة كالمعامل والمدارس والمستشفيات وغيرها، فإن أي تخطيط لأية منشأة سواء كانت منشأة اقتصادية أو ثقافية أو غيرها، لا يكون صحيحاً ومثمراً إلاّ إذا رافقه تخطيط للتربية يلبّي حاجات تلك المؤسسة المزمع إنشاؤها أو إبقاؤها، فإنّ كل تخطيط لذلك يعتبر ناقصاً، إذا لم يدخل باعتباره أهم عنصر من عناصر التنمية وهو عنصر اليد العاملة المدربة ذات الكفاءة والإعداد الرفيع، فلا فائدة من إنشاء مصنع للصلب مثلاً أو معهد للدراسة أو غير ذلك، إذا لم يستطع القائمون بذلك من إعداد المهندسين والفنيين والمعلمين والمشرفين والمحللين، لتسيير هذا المصنع أو المدرسة أو المصح أو غير ذلك، فإنه لا يكون التخطيط شاملاً وكاملاً اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً إلاّ أن يكون مسبوقاً بالتربية، فإن العنصر الهام في أية خطة هو العنصر البشري وأثمن رأسمال هو العامل البشري فإنه أكثر العوامل عطاءاً ونتاجاً.

وقد توصّل فهم ذلك بعد الثورة الصناعية الكبرى، حيث لاحظ العالم نقص العلماء والمهندسين والفنيين والإداريين والمفتشين ومن إليهم، لأن الصناعة لا تتمكن من أن تتقدم إلاّ بأصحاب الخبرة والاختصاص، الذين أعدوا إعداداً ملائماً لحاجات الصناعة وأعمالها الفنية المختلفة في المجتمعات القائمة على التقنية، ولما عرف هذا في الصناعة سرى إلى سائر المؤسسات، لأن الأمر ليس خاصاً بالصناعة وإن ظهرت الحاجة إلى التربية من هناك، فإن العمال غير المؤهلين الذين لا يملكون اختصاصاً، تناقصت الحاجة إليهم تدريجياً، لظهور الحاجة إلى العلم والتقنية، حيث الحاجة إلى العمال المؤهلين الفنيين وكبار المهندسين والإداريين والعلماء والباحثين العلميين والمستشارين وغيرهم، وهؤلاء جميعاً يحتاجون إلى تهيئة وإعداد طويل وذلك ممكن بالتربية بالإضافة إلى العلم والمعرفة، وإني أذكر أن العراق في مجلس الأمة كان يقبل كل شخصية من جهة المال، أو من جهة العشيرة، أو ما أشبه وبعد مدة من الزمن ظهر أن هؤلاء غير أكفّاء، فقرروا أن يكون الداخل في مجلس الأُمّة إنساناً متخرّجاً من الجامعة، سواء من الجامعات الأجنبية أو من جامعات الداخل، وبذلك تغير وجه العراق، لأن هؤلاء كانوا مهيئين، بينما شيخ العشيرة الذي له عقلية الصحراء أو له عقلية المال أو ما أشبه بدون الخبرة بالأمور الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها لم يكن متمكناً من السير في أمثال هذه الخطوات، فلابد أن يكون هنالك في أية مؤسسة نظام تربوي مدروس، بمعنى أن تكوّن أفراداً للإدارة تكويناً ملائماً، وأن تكون هناك خطة تربوية تُعنى بتخريج الأعداد اللازمة من المشرفين والملائمين لأغراض الحياة الحديثة، فمثلاً لا سبيل إلى الارتفاع بالاقتصاد في الحقل الاقتصادي والإنتاج الاقتصادي الجيد، ما لم يرتفع شأن العنصر البشري الذي يسيّر عجلة هذا الاقتصاد، فإن غير العنصر البشري الكفء الذي أُعدّ إعداداً كافياً لا يتمكن من أن يستجيب لحاجات المجتمع المتزايدة، بل اللازم أن يكون هناك جماعة من الخبراء الذين هم أكفاء لإدارة مثل هذه المؤسسة، من الفنيين العلماء المبدعين وأرباب البحث العلمي الذين يعملون بأكبر دور في حقل الاقتصاد ممّن لهم قدرة على الإنتاج الجيد، بل في العصر الحاضر تحتاج المؤسسات إلى المخترعين والمكتشفين، فإنه لا يمكن تحقيق الثورات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية إلاّ أن تكون هنالك ثورة تربوية شاملة في كل مناحي الحياة، فإن إهمال عنصر الإنسان في الصناعات أو في غيرها وإهمال الكتل البشرية العاملة في المؤسسات لا يؤدي إلى مأساة الطبقة العاملة فحسب، وإنما يؤدي إلى مأساة في الإنتاج نفسه، سواء كان إنتاجاً زراعياً أو صناعياً أو ثقافياً أو كان خدماتياً أو غير ذلك، فلا بد أن يعنى بأهم عنصر بالمؤسسة الذي هو الإنسان، ولذا قامت الدراسات تترى من قبل علماء النفس وعلماء الاجتماع وغيرهم لتبين أحسن الشروط اللازمة لعمل الإنسان في المصانع وسائر المؤسسات، وتبين النتائج الكثيرة التي يصيبها الإنتاج حين تقوم عناية كافية بالشروط المادية والمعنوية في القائمين بذلك العمل، سواء كان القائمون هم المديرون أو سائر العمال، فمثلاً من الشروط المادية: التهوية، والنور، والحرارة، وتهيئة وسائل الراحة للعمال والموظفين كافة، أمّا من الناحية المعنوية فاللازم أن يكون هناك تربية للموظفين الكبار ومن أشبههم من مختلف قطاعاتهم، ثم مثلاً في المؤسسة الاقتصادية: ليست التربية شرطاً لازماً للتنمية الاقتصادية فقط، بل التربية نوع من التوظيف المثمر لرؤوس الأموال، فإن للتربية أثراً اقتصادياً واضحاً، فالتربية ليست مجرّد خدمة تقدّم للمواطنين وأمراً استهلاكياً لرؤوس المال واستثماراً لها، بل هي رؤوس أموال توظفها المؤسسة في مشروع معين لتجني ثمارها بعد ذلك أضعافاً مضاعفة كما تجني ثمار أي رأس مال تضعه في مشروع صناعي أو زراعي أو تجاري أو ثقافي أو غير ذلك بقصد النتيجة، وقد ضرب القائمون بهذه الفكرة لذلك أمثلة من الحياة الحاضرة وهما مثال (الدانمارك) و (اليابان) فإن هذين البلدين الفقيرين بمواردهما الطبيعية استطاعا أن يصيبا تطوراً كبيراً يفوق بكثير تطور جاراتهما وإلى اليوم، وذلك بسبب التربية فلقد أدى في الدانمارك استثمار الأراضي الزراعية في العالم الجديد خلال القرن الماضي إلى تهديد الحياة الزراعية لأوروبا جميعها تهديداً خطيراً، وذلك بسبب انتشار التعليم الإلزامي منذ وقت مبكر في الدانمارك، وهذا بسبب قدرة مزارعيها على تقبّل تحويل إنتاجهم القديم، وأن ينجحوا في هذا التحويل، فلقد استطاع هؤلاء بفضل ارتفاع مستواهم الثقافي أن يغيّروا بنية اقتصادهم تغييراً جذرياً، وذلك عن طريق تعويض إنتاج الحبوب بإقامة منتجات الألبان وهي صناعة مكثفة ودقيقة، كانت ولا تزال سبب ازدهار الدانمارك وثرائها، ومن الواضح أن الإنسان الذي اعتاد العمل سنوات طوال لا يتمكن من تغيير عمله إلى عمل آخر، فزارع الحنطة لا يتمكن من تغيير عمله من زراعة الحنطة إلى زراعة اللفت، وهكذا، أما تغيير عمله من الزراعة إلى شيء آخر فهو من أصعب الأمور، أما الدانمارك التي كانت عبر التاريخ دولة مصدرة للحبوب، فبفضل ثقافة المزارعين استطاعت أن تغدو دولة مستوردة لها تشتريها بأثمان بخسة من الدول المنتجة للحبوب وتقيم على أساسها صناعة ألبان علمية من الطراز الأول، ولقد استطاع المزارع الدانماركي أن يفهم ويقبل نصائح خبراء الزراعة والثروة الحيوانية ويتبيّن الطرائق الجديدة في إنتاج الألبان بينما لم يكن المزارعون في البلدان الأوروبية الأُخرى قادرين على درء الخطر الذي داهمهم عن طريق مثل هذا الحلّ البنّاء في الدانمارك، وإنما تمكنوا من محاولة حماية إنتاجهم التقليدي المعرض للإفلاس عاجلاً أو آجلاً.

وقبل أن ننقل الكلام إلى المثال الثاني وهو اليابان نشير إلى موضوع ألمعنا إليه ـ وهو التعليم الإجباري ـ الخاص بأُصول الدين وفروعه المبتلى بها، وأما سائر العلوم فقد ذكر الشيخ المرتضى وغيره أنها واجبات كفائية، نعم للآباء الذين هم أولياء الصغار أن يجبروا الأولاد على تحصيل العلم إذا رأوا في ذلك المصلحة، لكن الظاهر أن الدولة أو المؤسسة إذا قدّمت المغريات أقبل الجميع على العلم بدون الإجبار، وهذا بحث خارج عن منحى الكتاب، ولذا لا نفصّل فيه.