| الفهرس | المؤلفات |
|
دور الحكام في التنمية والتخطيط |
|
ثم لا يخفى أن ما ذكرناه في الدانمارك وما نذكره في اليابان ـ إلى غيرهما ـ إنما يمكن حصوله في بلد ديمقراطي (استشاري) وإلاّ فالحكام الدكتاتوريون لا يدعون الأمر يمرّ بهذه السهولة، فقد رأينا في البلاد الإسلامية كيف أن الحكومات تهدم ـ عالمةً عامدةً ـ الزراعة والتجارة والصناعة وغيرها، وتغلق المدارس والمعاهد بمختلف الادّعاءات والسبل لتوسعة أسواق الغرب والشرق، حيث إنهم عملاء فإذا لم تكن الديمقراطية (الاستشارية) بتعدد الأحزاب الحرة في بلد ما، فاللازم أن يعالج أولاً ذلك، ثم يأتي دور التعليم والتربية المنتهيين إلى انتشال البلد من الهوة السحيقة الساقط فيها. أما المثال الثاني، وهو اليابان، فالتعليم الابتدائي هو الذي قام بدور حاسم فيه، فإن أخصائيي التاريخ يفسرون الوثبة المفاجئة التي أصابها اليابان هي بسبب تطبيق التعليم الابتدائي في كافة أفراده، وإلى زوال الأُميّة زوالاً شبه كامل منذ نهاية القرن السابع عشر، ولا أدلّ على ذلك من أن الهند والصين وإيران والعراق وما أشبه كلها فيها الموارد الطبيعية الكثيرة، والأيادي العاملة الكثيرة، لكنها غائصة في وحول التأخر والفقر والمرض والجهل والفوضى، وإن كانت تختلف بعض هذه البلاد عن بعض بأكثرية التأخر وعدم الأكثرية وزيادة الثروة وعدم زيادة الثروة الطبيعية كالنفط وغيره، فإنه تلازم واضح بين تخلف التربية وتخلف البلد في جميع جوانبه، ثم إن البلد المتخلف تربوياً لابد وأن يكثر فيه إراقة الدماء والسجون، كما لابد وأن يتعامل في سجونها بالتعذيب ويكثر فيها الرشوة والفساد والروتين والمحسوبية والمنسوبية، كما نراه في كافة بلاد الشرق الأوسط، وبالأخص البلاد الاسلامية، وفي بعض الإحصاءات أن (ماوتسي تنغ) قتل في مدة حكمه أكثر من ثلاثين مليوناً، كما رأينا كيف أن عراق الجمهوريين أراق الدماء بلا حساب، وبينما كان في عراق الملكيين لا يتجاوز السجناء خمسة آلاف، لوجود شيء من الديمقراطية فيها، ارتفع عددهم في فترة من الفترات إلى أكثر من نصف مليون حسب تقرير الخبراء، والهند إنما بقي بمنأى من أمثال ذلك، وإن لم يعالج فيها الفقر وما أشبه بسبب شيء من الديمقراطية التي التزم بها منذ الاستقلال، وإن كانت ديمقراطية ناقصة، وإلى تلك يعزى تأخرها في الحكم شبه الوراثي من نهرو إلى بنته إلى ولدها، بالإضافة إلى أن جماعة قليلة يقبضون على عنق رؤوس الأموال، ويساعدهم رجال الدولة فلا يسمحون لغيرهم بالعمل المثمر، ولذا وبعد أربعين سنة من الاستقلال يعيش الملايين من الهنود في الشوارع يولدون فيها ويموتون فيها بدون أن يعرفوا لذّة السكن في بيت، ودون أن يتتحقق لهم شيء من التربية والثقافة اللائقين، إلى غير ذلك من نواحي التأخر التي لا تزول من الهند، إلاّ الذي تعطيه رؤوس الأموال التي توظّف في المجالات الأخرى المعروفة من مجالات الزراعة والصناعة والتجارة وغيرها، وقد بيّنت هذه الدراسات أن رؤوس الأموال التي توظف للتعليم، تعوّض خلال سنوات تسع أو عشر، بينما يحتاج تعويض القروض الطبيعية التي تؤخذ من أجل التنمية الاقتصادية إلى فترة طبيعية تتراوح بين اثنتي عشرة سنة إلى ثمان عشرة سنة، أمّا البرنامج الذي يوضع للاصلاح فيزول بزوال العامِلين المذكورين. ثم إنه قد قام جماعة من العلماء المعنيون بهذا الشأن بدراسات وأبحاث وتحاليل تحاول أن تقيس مردود الأموال، التي توظف في التعليم والتربية وتقدر بالرقم والعدد الأرباح التي تقدمها رؤوس الأموال الموظفة في التربية، ومعظم هذه الدراسات وصلت إلى نتائج تظهر أن المردود الاقتصادي (في حقل الاقتصاد) للتعليم مردود كبير ومن هذا البحث يظهر أن التربية والتعليم توظيف مثمر لرؤوس الأموال وليس مجرد استهلاك، ولذا يهتم الخبراء بالتربية وبأهمية التخطيط لها وبدورها الكبير في أي تخطيط لأي بعد من أبعاد المؤسسات الاقتصادية والسياسية والصحية والاجتماعية والعسكرية وغيرها، ولهذا السبب نرى أن حكومات الغرب تستقدم وبإصرار بالغ العقول المفكرة المتربيّة من العالم الثالث بقصد تقوية بنيتها التربوية من ناحية، وبقصد تضعيف البلاد المستقدم منها من ناحية ثانية، وقد ذكرت التقارير أن مليارات من الدنانير حاصل تلك البلاد كل سنة من هذا الاستقدام. |