| الفهرس | المؤلفات |
|
مشكلة التنازع ومشكلة الروتين والحلول |
|
(مسألة) ويجب على الإدارة حل مشكلتين مهمتين: الأولى: مشكلة التنازع الذي يقع بين أجنحة الموظفين، مما يسبب تنافر الطرفين عن التجمع للإقدام على العمل، وعدم التجمع للإقدام على العمل، يوجب قلة الإنتاج في أي مؤسسة كانت، لوضوح أن التنازع، يوجب الفشل، قال سبحانه: ((... وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ...)) [1]. أما كيف يمكن حل ذلك؟ فالجواب: إن الحل، هو بخلق الإجماع في الموظفين، بالتركيز على نقاط الاتفاق، أكثر من التركيز على نقاط الاختلاف، وما دامت توجد مجموعتان، تفكر كل منهما في الأخرى على انها تقع في ناحية مخالفة، فلا ينتظر أن ينجح بينهما الإلتقاء والتفاهم، ولكن عندما تبدأ كل منهما تفكر على أساس اجتماعهما للسير نحو هدف مشترك، يأخذ النزاع في التحول إلى تفاهم وتقارب، بتفهم كل طرف وجهة نظر الطرف الآخر بموضوعية، وتجنب التباعد الشخصي المزيّف، فيجتمع الجميع بالوصول إلى اتفاقات سلمية، تصل إلى الهدف بالآخر، فعلى المدير أن يجمع المتنافسين، وان يبيّن لهم الأهداف الحقيقية، وان التنازع يؤدي إلى فشل جميعهم، بينما الاجتماع يؤدي إلى نجاح جميعهم، ويجعل من تقارب بعضهم إلى بعض، سبباً لسيادة روح الألفة والتعاون بينهم، وقد نرى في التاريخ: إن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يرأب الصدع كلما ظهر بين أصحابه، وحتى بين زوجاته، ففي قصة عبد الله بن أبيّ، في حرب بني المصطلق، تمكن (صلى الله عليه وآله وسلم) من إخماد نار الفتنة، وقد نزل في شأنها سورة المنافقين، كما أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) في قصة الطائفتين اللتين اقتتلا جمع كلمتهما، وقد نزل في هذا الشأن، قوله سبحانه: ((وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ...)) [2] إلى غير ذلك مما يجده الإنسان في التاريخ. الثانية: مشكلة الروتين، أي تمدد العمل بأكثر من القدر اللازم، مثلاً في دوائر الدولة يحتاج العمل إلى ساعة، بينما نرى أنه لا يتم إلاّ في عشرة أيام، وهكذا، وقد سبب ذلك تبرّم الجماهير من الدولة أكبر التبرم، كما هو المشاهد في البلاد الإسلامية، من غير استثناء على ما رأينا بعضها، ورأى غيرنا ممن أخبرنا البعض الآخر، وهكذا حال بقية بلدان العالم الثالث، وهذه المشكلة نشأت، عن المركزية الشديدة الكثيرة التعقيد في المعاملات، وتعدد المراحل والمراجع للبت في أي موضوع، واللامبالاة والتسيّب والاتكالية، وتطّلب الرشوة والوصول إلى دفة الحكم، بسبب المحسوبية والمنسوبية، وتضخّم أعداد العاملين، الذي هو عبارة عن البطالة المزدوجة المقنعة، وإنما سميناها بطالة مزدوجة، لأن العاملين في الدولة، يصرفون بقدر نفرين من سائر الشعب، كما ذكرنا تفصيل ذلك في كتاب (فقه الاقتصاد) وانخفاض الكفاءة، مما يسبب انخفاض الإنتاجية في العمل، وسيادة الشكل على حساب المضمون والواقع، فهم يهتمون بصورة القانون لا بروحه، وقد ذكر جمع من العلماء، في باب القضاء من الفقه، أن اللازم العمل بروح القانون، لا بجسده إذا تعارضا، إذ الجسد وضع لوقاية الروح، فإذا تخالفا يلزم جعل الهدف الروح، لا الجسد، والقضية صادقة فيما نحن فيه أيضاً، بل في كل ما كان هناك روح وجسد، وتعارض الروح والجسد، مثلاً علم القاضي بقرائن قطعية، أن الحق مع المنكر، لكن المدعي أتى بالشهود، مما يجعل الحق معه حسب شهود، فهل يحكم القاضي حسب الشهود، مما هو جسد القانون، أو حسب قناعته التي هي روح القانون، إلى آخره. ثم التخلّي عن المسؤولية وتقاذف الكرة، هذا يقذفها إلى ذاك، وذاك يقذفها إلى هذا، والنظرة الفوقية إلى المواطن، والإرجاء، والتسويف، واستخدام أدوات إدارية عتيقة ومرهقة للعاملين، والغرق في الأوراق، وقلة العمل الميداني وما أشبه ذلك، مما يسمى كله في الاصطلاح الحديث (بالروتين) أو (تمدد العمل) ولا يمكن علاج ذلك، إلاّ بأمور: أولا: بتقسيم القدرة والأحزاب المتعددة، مما ذكرناه سابقاً، وفصلناه في بعض الكتب السياسية. وثانياً: بالتربية الصحيحة، مما أشرنا إليه في هذا الكتاب، وقد عدّد بعض الباحثين أسباب الروتين: أولاً: بأن التنمية الإدارية، قد تخلفت عن التنمية الاجتماعية والاقتصادية، التي زادت كثيراً من حجم أجهزة الدولة، والقطاع العام ومهماتها. وثانياً: بتنظيم الهيكل للإدارة العامة والقطاع العام، حيث لم يتطور بذلك المقدار الذي تطورت معه مهام الدولة وأعبائها، بل زادت في بعض الأحيان، من خلال الممارسات الإدارية الخاطئة في تعقيد الصورة، والتنظيم يكون بتأليف المدارس واللجان الدائمة أو المؤقتة، بنظرة شاملة، أو إعادة النظر في البنية الهيكلية ككل. وثالثاً: لأن الأنظمة والتعليمات والبرامج التخطيطية، لم تساير بدورها ـ وضمن نظرة شاملة أيضاً ـ التطور والطموحات التي يتوخاها المجتمع في توسيع الحريات الممنوحة للإنسان، والواقعية التي يتصفها كل الكون، بما في ذلك الإنسان، فلم يواكب مهام القطاع العام والدولة عموماً مع تلك الحريات. ورابعاً: رافق ذلك مركزية شديدة في بعض الأحيان، الأمر الذي أدى إلى إطالة زمن البت في المعاملات، وإضاعة معالم المسؤولية، والتعود على الاتكالية لإنتهاز الراحة. وخامساً: لأن التدريب والتأهيل الإداري، لم يصبح لدى الموظفين عادة بعد، بالإضافة إلى النقص في الملاكات المؤهلة ابتداءاً وباستمرار، فانه يؤدي تدريجياً إلى انخفاض مستوى الأداء، والتخوّف من ممارسة المسؤولية، والى التأجيل والتسويف والتسيب. وسادساً: لأنه لم تكافح النظرة الفوقية في الدولة بالشكل المطلوب، أو انفصام الروابط بين المواطنين ومنتسبي الإدارات، التي ورثتها البلاد منذ عهود سابقة، ولم تقم المنظمات المسؤولة بدورها كاملاً، لتوعية المواطنين إلى حقوقهم تجاه دوائر الحكومة. وسابعاً: لان الاهتمام بالوقت لم يلق بعد العناية الكافية، ولا يزال يعامل الوقت، وكأنه رخيص ولا بأس في تبذيره وهدره، وانه ليس له أية قيمة. وثامناً: لأن المستوى المعاشي للعاملين، وللإدارة العامة والقطاع العام، لم يترافق في تطوّره وبشكل عام، مع تطور وإرتفاع مستوى المعيشة، فأصبحوا يشعرون بعدم الانتماء، ويفكرون بالهجرة إلى خارج الإدارة والقطاع العام، ولذا تسود تصرفاتهم اللامبالاة. وتاسعاً: لأن العقلية المالية، ومن خلال حرصها الشديد على الأموال العامة، لم تسمح بتخصيص الاعتمادات الكافية، لتحديث وسائل وأدوات الإدارة، كما وأن الإدارات نفسها، لم تسع حثيثاً لتحقيق ذلك. وعاشراً: عدم وجود الوازع الديني والأخلاقي في البلاد الإسلامية، في كثير من الموظفين، فإن الوازع الديني، هو الذي يلزم الفرد لأن (يحب لأخيه ما يحب لنفسه ويكره له ما يكره لنفسه) وانه مسؤول أمام الله سبحانه، عن إساءته إلى العمل، والى سائر الناس، وقد قال علي (عليه الصلاة والسلام) في كتابه إلى بعض عماله: (فولّ من جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسوله ولإمامك وأنقاهم جيباً وأفضلهم حلماً ممن يبطئ عن الغضب ويستريح إلى العذر ويرأف بالضعفاء وينبو على الأقوياء وممن لا يثيره العنف ولا يقعد به الضعف، ثم ألصق بذوي المروءات والأحساب، وأهل البيوتات الصالحة، والسوابق الحسنة، ومن أهل النجدة والشجاعة والسخاء والسماحة، فإنهم جماع من الكرم وشعب من العرف، ثم تفقد من أمورهم ما يتفقد الوالدان من ولدهما، ولا يتفاقمن في نفسك شيء قويتهم به، ولا تحقرّن لطفاً تعاهدتهم به، وإن قلّ، فإنه داعية لهم إلى بذل النصيحة لك وحسن الظن بك وأردد إلى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب (أي ما يثقلك ويكاد يميلك من الأمور الجسام) ويشتبه عليك من الأمور، فقد قال الله تعالى لقوم أحب إرشادهم: ((يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ...)) [3] فالرد إلى الله، الأخذ بحكم كتابه، والرد إلى الرسول، الأخذ بسنته الجامعة غير المفرّقة. ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور ولا تمحكه الخصوم ولا يتمادى في الزلّة ولا يحصر من الفيء إلى الحق إذا عرفه، ولا تشرف نفسه على طمع، ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه، وأوقفهم في الشبهات وأخذهم بالحجج، وأقلهم تبرماً بمراجعة الخصم، وأصبرهم على تكشّف الأمور وأصرمهم عند اتضاح الحكم ممن لا يزدهيه إطراء ولا يستميله إغراء، وأولئك قليل. ثم انظر في أمور عمّالك فاستعملهم اختباراً ولا تولّهم محاباةً وأثرة، فإنهما جماع من شعب الجور والخيانة وتوّخ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة، والقدم في الإسلام المتقدمة، فانهم أكرم أخلاقاً وأصحّ أعراضاً وأقلّ في المطامع إشراقاً، وأبلغ في عواقب الأمور نظر، ثم أسبغ عليهم الأرزاق، فإن ذلك قوة لهم على استصلاح انفسهم، وغنى لهم عن تناول ما تحت يديهم وحجة عليهم من خالف أمرك، أو ثلموا أمانتك. ثم انظر في حال كتّابك فولِّ على امورك خيرهم واخصص رسائلك التي تدخل فيها مكائدك واسرارك بأجمعهم لوجوه صالح الأخلاق ممن لا تبطره الكرامة، فيجرّه بها عليك في خلاف لك يحضره ملأ، ولا تقصر به الغفلة عن ايراد مكاتبات عمالك عليك، واصدار جواباتها على الصواب عنك فيما يأخذ لك ويعطي منك، ولا يضعف عقداً اعتقده لك ولا يعجز عن اطلاق ما عقد عليك ولا يجهد مبلغ قدر نفسه في الأمور، فان الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره أجهل. ثم لا يكن اختيارك إياهم على فراستك واستنامتك وحسن الظن منك، فإن الرجال يتعرّضون لفراسات الولاة بتصنّعهم، وحسن خدمتهم وليس وراء ذلك من النصيحة والأمانة شيء، ولكن اختبرهم بما ولّوا للصالحين قبلك، فإعمد لأحسنهم كان في العامة أثراً وأعرفهم بالامانة وجهاً، فإن ذلك دليل على نصيحتك لله ولمن وليت أمره، واجعل لنفسك فيما بينك وبين الله أفضل تلك المواقيت، وأجزل تلك الأقسام، وإن كانت كلها لله إذا سلمت فيها النية، وسلمت منها الرعية وليكن في خاصة ما تخلص به لله دينك إقامة فرائضه التي هي له خاصة، فأعط الله من بدنك في ليلك ونهارك ووف ما تقربت به إلى الله من ذلك كاملاً غير مثلوم ولا منقوص بالغاً من بدنك ما بلغ، إلى آخر كلامه (عليه الصلاة والسلام). ولذا اقتطفنا منه جملاً متناثرة، للإلماع إلى ما قصدناه. وعلى أي حال فالشخص الآنف الذكر، ذكر في علاج الروتين انه: أولاً: الأمة بأمس الحاجة إلى العناية بالتنمية الإدارية، ولابد لها من جهاز أو هيئة دائمة مستقلة متخصصة بهذا الموضوع، وبخاصة في ما يتعلق منها بأنظمة وأساليب العمل الإداري، تتبعها فروع من سائر أجهزة الإدارة العامة، والقطاع العام، ومؤسسات تعليمية ادارية مستقلة، أو ضمن المؤسسات التعليمية العامة، أو المهنية، بحيث توفر الأطر اللازمة للإدارة وتدرّبها وتصقلها باستمرار. وثانياً: الحاجة إلى إعادة نظر شاملة في الهيكل التنظيمي للإدارة. وثالثاً: تقنين وكتابة الأنظمة والاختصاصات والمسؤوليات بوضوح، وتناسق، وللمستويات كافة، منطلقاً من مبدأ الاستشارية المركزية، ومن مبدأ مركزية التخطيط ولا مركزية التنفيذ، مراعياً التوسع المتدّرج في اختصاصات وصلاحيات السلطات المحلية. ورابعاً: ترك الفرصة أو الإلحاح لممارسة هذه الاختصاصات، وتحمل المسؤوليات في كل المستويات، ولا سيما المتوسطة والقاعدية منها، فلا يعودون إلى رؤسائهم، إلاّ في حالات نادرة أو استثنائية. وخامساً: يتبع ذلك تبسيط الإجراءات وسير المعاملات، بما يكفل تحقيق السرعة والثقة والوضوح، واعلانها لجماهير المواطنين، بحيث تقوم وسائل الإعلام والمنظمات والسلطات المحلية، بمهمة إيصالها بإلحاح إلى المواطنين، وتوضيحها لهم. وعلى أي حال، فما دام الحكم دكتاتورياً والتربية غير صحيحة، لا يمكن علاج الأمر، والله الموفق المستعان الهادي إلى الصواب. |