| الفهرس | المؤلفات |
|
خلط العلاقات الشخصية والإدارية |
|
(مسألة): من أكبر المشاكل التي تواجهها المؤسسات الفردية والمتوسطة، الخلط بين العلاقات الشخصية من جهة والعمل من جهة أخرى، ذلك أن معظم المؤسسات في العالم الثالث مؤسسات فردية أو مؤسسات متوسطة، ثم قد تتحول المؤسسات الفردية إلى مؤسسات تضامن أو تكون من الأول مؤسسة تضامنية، ومع تزايد النشاط والأرباح والتوسع الجغرافي وما أشبه ذلك تضطر هذه المؤسسات إلى زيادة عدد العاملين، وحيث إنهم في دائرة خاصة يلجأون إلى الأقرباء والأصدقاء والأبناء تحفظاً على اسمهم وأموالهم في المؤسسة، وهذه الروابط لها أضرار عديدة منها: الأول: إنها تؤثر على سمعة المؤسسة لأنها تؤثر على علاقاتها الداخلية وأوقات الدوام وما أشبه. الثاني: ثم تؤثر على سمعتها الخارجية، وهذا العمل يؤدي إلى النتائج السلبية التالية، مثلاً: النتيجة الأُولى: يسبب الخلط بين العلاقات الإنسانية، لاسيما العائلية والأخلاقية وبين واجبات الوظيفة، المنزهة عن أية غاية أو مصلحة أو حتى التعاطف، وهذا أساسي في الإدارة العلمية والعملية فإن العلاقات الشخصية تسير إلى الأنانية، بينما الوظيفة يجب أن تسير إلى مصلحة، والإنتاج سواء كان إنتاجاً ثقافياً أو زراعياً أو صناعياً أو غير ذلك. النتيجة الثانية: عدم وجود الخبرة الكافية لهؤلاء الذين جاءوا خارجين عن الضوابط، وإنما بالروابط الأُخرى، وغالباً أمثال هؤلاء يحصلون على المراتب والرواتب العالية دفعة واحدة أو بتدرج غير لائق، بدون الخبرة العلمية والعملية الضروريتين، وبدون التدرّج في الوصول إلى النتائج المطلوبة، وهذا ما ذكرناه في بعض كتبنا من أنه مشكلة الحكومات الانقلابية، سواء كانت انقلاباً شعبياً أو عسكرياً، فهي لا تعنى بتوزيع القدرة توزيعاً عادلاً للأحزاب مستندة إلى المؤسسات الدستورية، ولهذا نرى أن كل هذه الحكومات تهدم أكثر مما تبني، وأنها تكون أسوأ من الحكومات السابقة. ثم إن دخول الأشخاص الأغراب إلى المؤسسة يفيد من عدة نواحي، خاصة من ناحية الجد والمثابرة، وعدم الخلط المذكور بين العمل والعلاقات العائلية، إضافة إلى الخبرات الجديدة التي قد يحملها الموظف الجديد، لا سيما إذا كان قد عمل سابقاً في حقل مماثل ثم يكون أجره أيضاً بقدر حقه لا أكثر، كالمحاباة التي تقع في العائلة ومن أشبههم وإذا أخطأ الموظف الغريب ونُبّه ولم يقبل أمكن إخراجه، أما بالنسبة إلى العائلة فلا يمكن إخراج بعضهم إلاّ بمشاكل كثيرة، والحاصل أن المؤسسات المحترمة تحاول ضمن المستطاع التركيز على الخبرات والمعلومات والعلم والفن سواء كان ذلك من الأقرباء أو الأغراب، لأن العمل بالنتيجة هو لصالح المؤسسة الذي يصب أخيراً في مصلحة المجتمع، وليس لصالح الأفراد، دون تفضيل القريب على البعيد، أو البعيد على القريب، وقد ألمع سبحانه وتعالى في القرآن الحكيم إلى هذا الأمر بعبارة موجزة جميلة ذات أبعاد كثيرة، بل هي جارية في كل العلاقات الإنسانية في أبعاد الحياة، قال سبحانه: (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ) [1] والمنصرف من الأتقى وإن كان التقوى الديني، لكن ملاكه شامل لكل من كان أكثر تأهلاً في أي بعد من أبعاد الحياة كالطبيب الأفضل، والمهندس الأكثر خبرة، والعالم الأعمق علماً، والواعظ الأشد تأثيراً، وإلى غير ذلك، إنهم أصلح للحياة في الأبعاد المذكورة ممن ليس كذلك، فمدير المؤسسة يجب أن يتحلّى بالمظهر اللائق، واللسان الطلق، والصبر الكثير، والأناة، والثقافة، المناسبة، والخبرة، والذاكرة الجيدة، والسمعة الطيبة، حتى يستخدم، لا أن يلاحظ أن هذا ابن عمه أو ابن خاله أو صديقه أو صديق قريبه من المحسوبيات والمنسوبيات التي لا ترتبط بالنتائج والآثار، وإلاّ تأخذ المؤسسة في الضمور حتى تضمحل أخيراً، وهذا مشاهد في كل المؤسسات الأهلية التي تراعي جانب روابط القربى لا جانب الضوابط ـ على الاصطلاح السائد اليوم ـ ثم إنّه كثيراً ما يقع المدير بين المحذورين في ملاحظة الهدف أو حفظ الصداقة والقرابة، لكن اللازم على المدير الذكي أن يضع الأمر في الاستشارية (الديمقراطية) ومن الواضح أن الاستشارية تخلو من عتاب القريب أو الصديق إذا لم يتحمل المسؤولية، لكن ذلك بحاجة إلى لباقة وحزم. |
|
[1] سورة الحجرات: الآية 13. |