| الفهرس | المؤلفات |
|
الاهتمام بالفرد ثم الأجهزة |
|
(مسألة): المدير باعتبار كونه يدير جماعة من الأفراد، يجب أن يراعي الأفراد في نفس الوقت الذي يراعي فيه المبنى والأجهزة والآلات، فإن نجاح كل مشروع يتوقف على درجة فاعلية المستخدمين في أدائهم للأعمال، وهذا يتوقف على قدرة الموظفين ومهارتهم ورضاهم واستعدادهم للتعاون، إذ بدون القدرة لا يمكن العمل، وبدون المهارة لا يمكن سلامة العمل، فإن سلامة الأعمال متوقفة على المهارة، وبعدم وجود الرضا لايمكن االوصول الى الإنتاج المطلوب، والاستعداد للتعاون يجب أن يكون، حتى يتمكن أن يُعين بعضهم بعضاً في الإنتاج، فالاتحاد قوة والتفرقة ضعف، وقوله سبحانه وتعالى: (وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)[1] فكما يأتي في الأمة كذلك يأتي في كل مؤسسة يشترك فيها أفراد، ولذا فاللازم إدارة شؤون الأفراد على أسس سليمة خصوصاً إذا كانت المنشأة كبيرة، فإدارة الأفراد تتعلق بتهيئة المدير لهم، وجعل هذه القوة ماهرة وراضية ومستعدة للتعاون في تنفيذ أعمال المشروع بصفة مستمرة. إنّ الإنسان الفرد فيه خمسة أبعاد: الأول: حاجاته المادية، كاحتياج الدار إلى الترميم وما أشبه. الثاني: حاجاته الحيوية، كاحتياج الشجر إلى الماء والضوء والأملاح وغير ذلك. الثالث: حاجاته الحيوانية، كاحتياج الحيوان إلى الأُنثى والوقاية من الحر والبرد ونحو ذلك. الرابع: حاجاته الإنسانية، فإن الإنسان بما هو إنسان فيه شيء فوق الحيوان وذلك كالحاجات الاجتماعية. الخامس: الحاجات الروحانية، فان الإنسان بما هو إنسان يحنو إلى جهة عقيدة، سواء كانت عقيدة صحيحة أم باطلة، وهذه الخمس جهات حاجات الإنسان، لأنه في مرتبة مادة وفي مرتبة حي وفي مرتبة حيوان، وفي مرتبة إنسان وفي مرتبة فطرة وفي القرآن الحكيم: (فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها)[2]. فالفرد في نفس الوقت الذي يعتبر مستقلاًّ عن العالم المحيط به، فهو يعيش فيه ويعتبر جزءاً منه، والإنسان شيء حي أيضاً له القدرة على التكيّف، وله القدرة على التوازن الداخلي مع العالم الخارجي، سواء كان العالم الخارجي عالماً إنسانيّاً كالاجتماعيات، أم كان العالم الخارجي عالماً طبيعياً مما يحيط بالإنسان من السماء والأرض وغير ذلك، ولذا كان للإنسان القدرة على الاستمرار في الحياة بالرغم من التغيرات التي تحدث داخل ذاته وخارجة عن ذاته، فإن في ذات الإنسان أيضاً تحدث تغيرات، سواء تغيرات مادية ككونه طفلاً وشاباً وهرماً وما أشبه صحيحاً أو مريضاً إلى غير ذلك، أو تغيرات روحية كالكرم والبخل والشجاعة والجبن وغير ذلك من الصفات النفسية، التي تسمو بسمو الإنسانية وتنزل بنزولها، والإنسان إضافةً إلى أنّه شيء مادي، فهو شيء غير مادي أيضاً، وفي الاصطلاح إنه مركب من الروح والجسد، لا أنه روح فقط أو جسد فقط، إضافةً إلى أنّه كائن اجتماعي فلا يمكن أن يعيش إلاّ مع الإنسان، ومعنى عدم الإمكان ليس عدم الإمكان العقلي أو عدم الإمكان الخارجي كاجتماع النقيضين، أو الطيران، وأنما عدم الإمكان الطبيعي والعادي، وحيث إن الإنسان مخلوق اجتماعي جعل الله سبحانه وتعالى له جنسين الرجل والمرأة، ويحتاج بعضهما إلى بعض احتياجاً مؤكداً، فإن الحيوانات والأشجار وإن كانتا جنسين أيضاً إلاّ أن الاحتياج هنا آكد وأشد، ومن الرجل والمرأة تنشأ العائلة المكونة من الأب والأُم والأولاد، وتنشأ العلاقة بين هؤلاء الثلاثة في أول خلية إنسانية تتكون من العائلة. فالإنسان كشيء مادي لا يمكن أن يحتل مكان الإنسان الآخر، وكونه شيئاً حيّاً حيواناً يوقعه في الصراع والمنافسة مع الآخرين في المأكل والمشرب والملبس والمنكح والمسكن والمركب، ولأجل البقاء بصورة عامة، والعلاقات التي تنشأ بين الإنسان الفرد تختلف عن العلاقات بين الأشياء المادية البحتة، فإن علاقة الشجر بالشجر، والحجر بالحجر، والشجر بالحجر، وكلها بالماء وبالعكس، علاقات غير متشابكة بهذا المعنى الذي تتشابك في الإنسان، فإن العلم والخبرة والتعقل والتكيف، وما أشبه تؤثر على تصرفات الأفراد بنسب مختلفة، وعلى هذا فردّ الفعل بين فردين عبارة عن مجموعة من الانفعالات والتصرفات الاجتماعية، بمعنى أن من جانب فعل ومن جانب انفعال، ثم لابد أن يصبح المنفعل فاعلاً والفاعل منفعلاً وهكذا دواليك، وكما أن مادية الإنسان تجعله بحاجة مستمرة للوقاية من الأحداث الجوية بنحو أشدّ، وإلا فحتى الدار وسائر العوامل تؤثر فيها الأحداث الجوية من الشمس والهواء والماء وغير ذلك، كذلك الإنسان كشيء اجتماعي له حاجات اجتماعية، مثل شعوره بالانتماء إلى مجموعة معينة، وشعوره باحتلال مركز اجتماعي معين، وشعوره برضا الناس عنه، وشعوره بالتفوق، ويختلف الإنسان الفرد عن الحيوان، في أن للإنسان القدرة على التفكير، وله حاجات فكرية وتغذية عقلية، ومن أجل ذلك إذا هيأ الحاكم للناس حاجاتهم الجسدية لا يكفيهم ذلك، بل يريدون أيضاً ملء حاجاتهم العقلية. |