الفهرس

المؤلفات

  الإدارة

الصفحة الرئيسية

 

تربية الموظفين

(مسألة): من أهم ما يجب على المدير الاهتمام به، هو تربية موظفيه في أي بعد كانوا من الثقافة أو الاقتصاد أو الاجتماع أو غير ذلك، فإن التربية شيء وكل من الثقافة والاقتصاد والاجتماع شيء آخر، من غير فرق بين إدارة القطاع الخاص أو القطاع العام أي الدولة، كما لا فرق في القطاع الخاص بين المنشآت الصناعية أو الزراعية أو الخدماتية أو غيرها، وهكذا لا فرق في القطاع العام بين مختلف موظفيه في الوزارات أو غيرها، ومن القطاع الخاص الإدارات السياسية للأحزاب، فإن الاهتمام بالتربية ليس فقط اهتماماً بالإنتاج، بل إسهاماً في بناء الحضارة الإنسانية التي تسهم هي بدورها في الإنتاج، فإن أي لون من الإنتاج سواء كان ثقافياً أو سياسياً أو عسكرياً أو اقتصادياً أو مالياً لا يصل إلى الهدف المرجو منه إلاّ بصحة تربية القائمين به في أي منشأة، والتربية لا تمكن إلاّ بإدراك العوامل الاجتماعية التي تؤثر في التنمية التربوية، وذلك لأجل تحقيق التطور المتوازن المنسجم، من غير فرق بين البلاد المتخلفة أو المتقدمة، وكما أن التوازن بين التنمية التربوية والتنمية الاقتصادية واجب، كذلك يجب التوازن بين التنمية التربوية والتنمية الاجتماعية، والهدف النهائي من التنمية ليس هدفاً فنياً أو اقتصادياً فحسب، وإنما هو هدف إنساني يتصل بسعادة الإنسان وحياته بصورة عامة، والتربية ليست مسألة اقتصادية ولا مسألة اجتماعية، وإنما هي مسألة تطرح موضوع الإنسان ومستقبل الإنسان بما هو إنسان.

نعم التربية تؤثر بالنتيجة في الإنتاج، أي لون من الإنتاج كان، فأهداف النمو هي أهداف حماية الإنسان وقيم الإنسان وعلاقات الناس بعضهم ببعض، ومن الضروري أن يجتنب الإنسان الإهمال الذي وقع للجانب الاجتماعي خلال عملية التنمية الاقتصادية العامة، فإن بعضهم زعموا أن المهم في الإنسان التنمية الاقتصادية فشرعوا في ذلك مهملين الجانب الاجتماعي والجانب التربوي، ومن الواضح انه لو أهمل جانب التربية، فالاقتصاد وحده لا يكوّن الإنسان بما هو إنسان، فمثلاً التربية من الناحية الاقتصادية تؤثّر في زيادة متوسط الاستهلاك لدى الأفراد تجعل الاستهلاك متجهاً نحو الحاجات الإنسانية من مثل المسكن الملائم، والإسهام في الحياة الثقافية، والصحة وما أشبه ذلك، وتحقق علاقات إنسانية، سواء على مستوى الأفراد، أو على مستوى المجتمع، وتحقق مساواة أكبر في توزيع الدخل وتؤثر في رفع شعورهم بالاحترام وجعلهم بشراً، فإن الإنسانية ليست بالجانب الاقتصادي أو الاجتماعي أو العسكري أو نحو ذلك، بل هي فوق كل ذلك، وإذا فقدت الإنسانية كان كل شيء من ناحية الاقتصاد أو ما أشبه، لا يخدم الإنسان بما هو إنسان.

ومن المعلوم أن النمو الاجتماعي ليس نتيجة طبيعية للنمو الاقتصادي، والمستوى الاجتماعي، وإن لم يكن خارجاً عن المستوى الاقتصادي، إلاّ أن الوصول إلى أكبر مقدار من الدخل للفرد ليس هدف الأهداف، وغاية الغايات، بل هو وسيلة من أجل سعادة المجتمع، وسعادة المجتمع لا تتحقق بالاقتصاد وملء البطن والمسكن اللائق وما أشبه، بل اللازم أن يبحث الإنسان عن الصيغة المثلى والتوازن المطلوب بين دخل يبلغ أقصاه الممكن مع التوزيع العادل ومع النفسية الرفيعة، ويلزم أن يكون هناك توازن بين الاجتماع والاقتصاد، ويكون كلاهما تحت نظر التربية.

ثم إن الفصل بين التوازن الاجتماعي والاقتصادي كثيراً ما يقع في بداية الانطلاق نحو التنمية الاقتصادية، لأن الانطلاق يعني في الواقع انقطاعاً في التوازن الذي كان قائماً بين الاقتصاد والاجتماع، ولهذا لا بد من جهد لإعادة ذلك التوازن ضمن إطار التنمية المحدث، فإن السياسة الاستثمارية وتوظيف رؤوس الأموال في مشروعات منتجة، لابد أن تؤدي في البداية إلى الإقلال من الاستهلاك، أي من الاستمتاع المباشر وبعض الخدمات والسلع وذلك في انتظار القيام بالجهد اللازم من أجل توفير هذه الخدمات والسلع في المستقبل بعد النمو الاقتصادي المرجو، فإن الإنسان يترك حوائجه الحاضرة، لحوائج مستقبلية أهم، ولذا سفّه ابن سعد في تقديم الخاص على المستقبل حيث قال: (وما عاقل باع الوجود بدين).

فإن عقلاء العالم دائماً يبيعون الوجود بالدين، فطلاب المدارس كافةً، إنما يذهبون إلى المدارس ويحرمون أنفسهم عن التمتع بلذات الحياة ولذات البطالة، من أجل مستقبل يرجونه اقتصادياً أو سياسياً أو اجتماعياً أو غير ذلك، وهكذا نجد الكسبة يسهرون ليلاً ويتعبون نهاراً لأجل المستقبل، سواء كان مستقبلاً قريباً أم مستقبلاً بعيداً، وعلى أي حال فاللازم في كل البلاد وخصوصاً البلاد المتأخرة كبلادنا أن يجهد القائمون بالأمور، سواء كان القائم حكومة أو شركات أو مؤسسات أو ما أشبه ذلك، من أجل توفير نمو متوازن بين ما هو إنساني وبين ما هو اقتصادي أو ثقافي أو اجتماعي أو غير ذلك، فإن الهدف هو الإنسان بما هو إنسان، والهدف جدارته وسعادته وأمنه ورفاهه وحاله ومستقبله لا يكون إلاّ بالإنسانية والاقتصاد، وغير الاقتصاد إنما يجعل من أجل هذه الغاية، وليس الاقتصاد أو غير الاقتصاد هو الهدف، ولهذا خطّأوا (ماركس) في أنه جعل الاقتصاد هو الهدف، كما خطّأوا (فرويد) حيث جعل الهدف: هو الجنس.