| الفهرس | المؤلفات |
|
في التنمية الشاملة |
|
ومن الواضح أن التنمية الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية أو غير ذلك، لا تصل في جميع الأحوال إلى تحقيق مثل هذه الغاية، وإنما يصل كل واحد ويساهم كل واحد في تقدم الإنسان ورفاهه، إذا قورن بالتربية، إنّ الإنسان لا يستخرج من الشيء إلاّ ما يضعه فيه، كما هو مشهور في الفلسفة (بأن فاقد الشيء لا يعطيه) فإنك إن لم تضع الماء في الحوض لا تأخذ الماء من الحوض وهكذا، ولذا لا يستخرج ما هو إنساني مما هو اقتصادي أو فني أو اجتماعي أو غير ذلك، إلاّ إذا وضع في هذه الأمور ما هو إنساني بالدرجة الأُولى، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية وغيرهما لا تصل إلى غاياتها إلاّ إذا عنيت بالجانب الإنساني وحاجاته وصحته وثقافته، وكلّ ما يتّصل بمطالبه الأساسية ولذا نرى حيث إن العالم الخاص اهتم بالمادة ونسي جانب الإنسانية، والتربية الروحية وقع في مآسي لم تكن مسبوقة على طول التاريخ المدوّن، فكل مشروع استثماري أو اقتصادي أو غير ذلك يتطلب تآزر نوعين من الوسائل، وسائل مادية ووسائل إنسانية، فقد أظهرت دراسات علم النفس أن توفير شروط العمل النفسية والمادية والاجتماعية في المعامل، يؤدي إلى كثرة الإنتاج كمّاً وكيفاً، وذلك لا يمكن إلاّ أن تكون التربية صحيحة، والتنمية الإنسانية الحاصلة من التربية الصحيحة إن وجدت صبّت كل الأنشطة الاجتماعية والفردية في مصب واحد، ممّا يثمر أفضل الثمر، فليس الإنسان أمام تنمية اقتصادية وأُخرى اجتماعية وأُخرى ثقافية وأُخرى وغيرها، وإنما الإنسان أمام تنمية واحدة: اقتصادية اجتماعية وثقافية وغيرها، بشرط أن يتوفر الجو التربوي الصحيح، وإذا كانت الصلة واجبة بين ما هو اقتصادي وما هو اجتماعي وما هو ثقافي، لأنها كلّها أوجه لشيء واحد لا تكمل أحداهما إلاّ بالأُخريات، كذلك من الطبيعي أن تكون الصلة بين كل ذلك وبين التربية، بل نسبة التربية إلى جميعها، كنسبة الأُبوّة إلى أولادها أو كنسبة الصلة بينها بعضها مع بعض، فإن ما هو تربوي ألصق بالاجتماع مما هو اقتصادي، وكذلك ألصق بالاقتصاد مما هو اجتماعي إلى غير ذلك. |