الفهرس

المؤلفات

  الإدارة

الصفحة الرئيسية

 

آثار جماعات الضغط على التربية

ثم يلزم أن تعي الإدارة، أن المجتمع مكوّن من جماعات منظمة تمارس ضغوطاً كبيرة على التربية لتمنع حصولها، فاللازم على الإدارة أن تأخذ ذلك في حسابها. فيما تبغيه من تربية الأفراد تربية صحيحة، فإن في كل مجتمع جماعات لكل منها بنيتها وأهدافها وآثارها وضغوطها، وهذه الجماعات ذات أدوار فعالة في حياة ذلك المجتمع، ولا يمكن بالتالي النظر في شؤون المجتمع وفي مطالبه وإمكانيات تطويره، والتي منها المنشأة المزمع إنشاؤها أو الاستمرار بها، إذا لم تُقِم الإدارة وزناً لتلك الجماعات ولم تدرك تأثيرها، وتدخّل ذلك التأثير في المنشأة، ومن أبرز الجماعات التي تمارس ضغوطاً كبيرة على التربية سلبيّاً، الجماعات الدينية المنحرفة، والجماعات اللغوية، والجماعات الاقتصادية، والجماعات السياسية، والجماعات المهنية، والجماعات الثقافية، والمنظمات النقابية، ومنظمات الشبيبة، ومنظمات النساء، وغير ذلك، ولا نقصد بالجماعات الدينية هي التي يجب على المجتمع السير في ركابها، فإن الإسلام بما هو دين ودنيا يجب على الذين يقومون بالدنيا، السير في ركاب الدين، حتى تصلح دنياهم، قال الحسن بن علي (عليه السلام): (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً) [1].

وقال أبو عبد الله (عليه السلام): (ليس منّا من ترك دنياه لآخرته، ولا آخرته لدنياه) [2].

بل المراد من الجماعات الدينية المتطرفة أو المتحللة أو ما أشبه، ممن يمارسون ضغوطاً انحرافية على المجتمع، والتي منها المنشأة، لحرفه إلى حيث يريدون، ومن الواضح أنّ أكثر هذه الفئات الاجتماعية المنظمة، مستمرة بصورة دائمة في أي مجتمع كان، حتى المجتمعات البدائية ونصف البدائية، بأن هذه الفئات جزء من تركيبتها، إضافةً إلى أنّها من مقومات الحياة الاستشارية الحديثة، حيث إنّ الحياة الاستشارية الحديثة تعطي لكل جماعة الحق في أن تمارس ما تراه صلاحاً، فإن أمثال هذه الجماعات: ظاهرة أو مستورة، توجّه شتى جنبات الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والصناعية وغيرها، والأكثر في أمثال هذه الجماعات أنها تسبّب تأخير المجتمع بكل منشآته، لأنهم يخافون على مكانتهم من أي تغيير.

نعم جماعة قليلة من هذه الجماعات سبب في تقدم المجتمع الى الأمام، فإن طابع الإلزام والقسر يتجلى من طرق الضغوط والتوجيه التي تمارسها مثل هذه الجماعات في كل شيء في المجتمع، وحيث إن المنشأة شيء في المجتمع سواء كانت من المنشآت الكبيرة أو المنشآت المتوسطة أو حتى المنشآت الصغيرة، فإنّ أثر هذه الضغوط تظهر بوضوح في أمثال هذه المجتمعات.

فمثلاً المنشأة الثقافية تريد تقديم الثقافة، والجماعات الاقتصادية تضغط لتقبل أفراد منها في المنشأة، وحيث إنها مزوّدة بالاقتصاد القوي تتمكن من النجاح بهذا الضغط، بينما أفراد آخرون أولى وأحرى بالتعليم والتربية، وإذا لم تأخذ الإدارة بهذا الاعتبار، تقع ضحية لمثل هذه الجماعة مما يسبب تأخير منشأتها، ولا تساهم المساهمة الفعّالة في تقدّم المجتمع إلى الأمام.

والحاصل أن الجماعات تريد تقديم المحسوبية والمنسوبية على الضوابط، بينما الواجب على الإدارة تقديم الضوابط على الروابط، وذلك لا يمكن إلاّ بالتربية الصحيحة للموظفين، حتى تتمكن الإدارة من تقديم الضوابط والموازين على المحسوبية والمنسوبية، وأكثر هذه الجماعات تعبر عن اتجاهات معينة تريد أن تجعل المجتمع والفرد والمنشأة في خطّها، فإن كل فرد في حياته يخضع لضغط المجتمع عامة ولضغط الجماعات المكونة له خاصة، ولا سيما الجماعات التي ينتمي إليها من مثل طائفته القومية أو بلده أو محلّته أو ما أشبه ذلك مما تقدم ذكره، سواء الجانب المتحرك أو الجانب الساكن في المجتمع ـ على ما تقدم ـ وهذا الضغط الذي يمارسه المجتمع عامة، والذي تمارسه الجماعات المنظمة خاصة، لا يقف عند حدود الأفراد، بل يتجاوز ذلك إلى المنشآت، وكلما كانت المنشأة أكثر تأثيراً في المجتمع كان الضغط عليها أكثر، فإن الجماعات كما تقدم تريد الوقوف في بنية المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والثقافية والمالية وغيرها.

ومن أبرز الميادين التي يتجلّى فيها أثر هذه الأفكار الجماعية، ويقوى فيها ضغطها وبأسها وصولتها وجولتها، هي ميادين المنشآت، فاللازم على المدير أن يكون لبقاً وحازماً في أن يقابل هذا الضغط بالحكمة، ما يوجب سير منشأته إلى الإمام بكل هدوء وسلام، ومن هنا كان لزاماً على الإدارة سواء كانت إدارة خاصة أو إدارة عامة ـ بسبب الحكومة ـ وإن كان هذا الشيء بالنسبة إلى الثانية أهم وأولى وألزم، أن تعلم البنية الاجتماعية بجماعاتها المختلفة المكونة للمجتمع وبالأثر الذي تمارسه هذه الجماعات، لستطيع بعد ذلك رسم الخطة اللازمة للتربية الخاصة في منشأتها، أو التربية العامة في المنشأة العامة، دون أن تصطدم بعقبات اجتماعية لا قبل لها بالتغلب عليها، وإذا أراد المدير سير الأُمور على ما يرام فعليه أن يتبع الطرق الناجحة المنسجمة مع هدفه.

ومن تلك الطرق: أن يشرك أفراداً معتدلين يمثّلون هذه الجماعات في وضع الخطة ومراحل الإنقاذ (كما سبق الإلماع إلى ذلك بالنسبة إلى الموظفين في المنشأة، لكن الكلام هنا في مسألة أعم من تلك المسألة السابقة) وكلما تمكّن من إشراك الممثلين منها في لجان تخطيطه كان أقرب إلى تمكنه من التربية المتوخاة، ولا يستهان بمثل هذه الجماعات، فإنها هي التي تكوّن الرأي العام، والرأي العام له من الضغط الشيء المهم، فإن الرأي العام إنما يكوَّن من الجماعات الضاغطة بمختلف فئاتها ومزاياها وخصوصياتها.

[1] مستدرك الوسائل: ج13، ص58، ح3.

[2] من لا يحضره الفقيه: ج3، ص156، ح3568.