الفهرس

فهرس الفصل الأول

المؤلفات

 الأخلاق والسلوك

الصفحة الرئيسية

 

من فضائل أهل البيت (عليه السلام)

الإمام السجاد علي بن الحسين (عليه السلام)، بعد ما قتلت بنو أمية أباه الحسين (عليه السلام)، ضربوا حوله نطاقاً ضيقاً من العيون والجواسيس حذراً من إثارته الناس على سلطانهم الموبوء.. فكان بذلك، في حبس سياسي، وإن لم يكن في السجن.

وطبعاً يمنع حينئذ عن الاتصال بالناس، ونشر الدعوة، وتبليغ الدين.

وقد اختار هو (عليه السلام) أنجع الطرق، في القضاء على الحكومة الفاسدة، مع نشر معالم الإسلام، والإثارة على قتلة والده (عليه السلام).

وكان ذلك:

1 ـ بالبكاء المستمر الذي لم يفارقه إلى أن قضى.

2 ـ واتخاذ العبيد والإماء، وتزقيقهم شرائع الدين، ثم إعتاقهم في كل سنة، واستبدالهم بغيرهم، فأصبحت داره كمدرسة للتوجيه والإرشاد.

3 ـ الجنوح إلى الأدعية، وإيداعها معارف الإسلام، ولذا ورد عنه ما ورد من الدعاء والاستكانة.

ونحن لسنا بصدد ذلك، وإنما نريد إدراج فقرات من دعائه المعروف بـ (مكارم الأخلاق) الذي هو أعظم من كل كتاب يكتب بهذا الصدد، بعبارات شيقة موجزة، ومضامين رفيعة، وأساليب بليغة، ولنختم الكراسة بهذا الختام المبارك:

(اللهم صل على محمد وآله، وبلغ بإيماني أكمل الإيمان، واجعل يقيني أفضل اليقين، وانته بنيتي إلى أحسن النيات، وبعملي إلى أحسن الأعمال، اللهم وفر بلطفك نيتي، وصحح بما عندك يقيني، واستصلح بقدرتك ما فسد مني).

أكمل الإيمان، وأفضل اليقين، وأحسن النيات والأعمال!

نية وافرة، ويقين صحيح، وصلاح كل شيء!

هل بعد ذلك من شيء؟ كلا كلا!

ولو أخذ ان داعياً بعيداً عن كل هذه دعا الله بذلك، فما معناه؟

إن معناه: أنه يرغب، والراغب لابد وأن يطلب، والطالب لابد وأن يصل إلى مطلوبه، أو بعضه، فإن من (جد وجد، ومن لج ولج).

(اللهم صل على محمد وآله، واكفني ما يشغلني الاهتمام به، واستعملني بما تسألني غداً عنه، واستفرغ أيامي فيما خلقتني له، واغنني، وأوسع علي في رزقك، ولا تفتني بالنظر، واعزني، ولا تبتليني بالكبر، وعبدني لك، ولا تفسد عبادتي بالعجب، وأجر للناس على يدي الخير، ولا تمحقه بالمن، وهب لي معالي الأخلاق، واعصمني من الفخر).

الشخص يخلق كي يعيش سعيداً، ويموت سعيداً، أما من يشقى فإنه إما من قصور في نظام المجتمع، أو قصور في نفسه، واستفراغ الأيام عن القصورين، كي يهتم الإنسان بسعادته الجسدية والروحية، من أوجب ما يطلبه العاقل من الله.

والغنى، والتوسعة، والعزة، وإجراء الخير على يدي الشخص للناس خالية عن ان يكون استدراجاً ـ كي يفسد بالمال والجاه.. ـ أو يكون مصحوباً بكبر أو من، من أفضل السعادات الجسدية.

كما أن العبادة الخالية عن العجب، خير ذخيرة لليوم الآخر.

ومعالي الأخلاق البعيدة عن الفخر، تسعد الإنسان في دنياه وأخراه على حد سواء.

(اللهم صل على محمد وآله، ولا ترفعني في الناس درجة، إلا حططتني عند نفسي مثلها، ولا تحدث لي عزاً ظاهراً، إلا أحدثت لي ذلة باطنة عند نفسي بقدرها).

الرفعة في الناس، والعز، تلازمان الكبر والاعتلاء في النفوس الضعيفة!

فحفظ التوازن لا يكون إلا بالانحطاط عند النفس وذلة باطنة، حتى تكبح النفس عن غلوائها، ولا تنظر إلى عطفها مختالة فخورة.

(اللهم صل على محمد وآله محمد، ومتعني بهدى صالح، لا استبدل به، وطريقة حق لا أزيغ عنها ونية رشد لا أشك فيها، وعمرني ما كان عمري بذلة في طاعتك، فإذا كان عمري مرتعاً للشيطان فاقبضني إليك، قبل أن يسبق مقتك إلي، أو يستحكم غضبك علي).

الهدى الصالح الراسخ، والطريق السوي إلى الخاتمة، والنية الراشدة التي لا تتلوّث بالشكوك وعمري كله خير، فضائل قل أن يظفر بها الإنسان، وهي أحق ما يطلبه الشخص من الله.

وما أجود تشبيه أعمار البطالين والمجرمين بمرتع الشيطان!

إنه يرتع فيه أنى شاء وكيف شاء، أليس مرتعه ذلك؟

والموت من أفضل الأمور لمن عمره مرتع الشر، وجرثومة الإجرام، انه لا يزال يعصي ويخرج عن الحدود، حتى يسبق مقت الله فيه، ويستحكم غضبه عليه، فيعيش شقياً، ويموت شقياً!

(اللهم لا تدع خصلة تعاب مني إلا أصلحتها، ولا عائبة أؤنب بها إلا حسنتها، ولا أكرومة في ناقصة إلا أتممتها).

كلها صلاح وإصلاح، واستقامة وإقامة.

(اللهم صل على محمد وآل محمد، وابدلني من بغضة أهل الشنآن المحبة.

ومن حسد أهل البغي المودة.

ومن ظنة أهل الصلاح الثقة.

ومن عداوة الأدنين الولاية!

ومن عقوق ذوي الأرحام المبرة!

ومن خذلان الأقربين النصرة!

ومن حب المدارين تصحيح المقة!

ومن رد الملابسين كرم الشعرة!

ومن مرارة خوف الظالمين حلاوة الأمنة!).

أهل البغي يحسدون وأهل الصلاح يظنون، واللادنون يعادون والأرحام يعقون، والأقربون يخذلون، والمدارون ينافقون، والملابسون يردون، والظالمون يخافون.

فليبدل الله ما فسد منهم صلاحاً، وما زاغ إقامة.. انه درس ودعاء..!

(اللهم صل على محمد وآله، واجعل لي يداً على من ظلمني، ولساناً على من خاصمني، وظفراً بمن عاندني، وهب لي مكراً على من كايدني، وقدرة على من اضطهدني، وتكذيباً لمن قصبني، وسلامة من توعدني، ووفقني لطاعة من سددني، ومتابعة من أرشدني).

فليس في الإسلام تحمل للظلم، حتى يجرئ الظالم، وتبعد الشقة بين القلوب والأفراد فالمظلوم المسلم لابد وان يعمل يده ولسانه حتى يظفر، ويمكر ـ أي يعرف وجه الحيلة ـ ويقدر، ويكذب، حتى يسلم، انه بالنسبة إلى العدو..

أما المسدد المرشد، فتلزم طاعته، ومتابعته..