الفهرس

فهرس الفصل الأول

المؤلفات

 الأخلاق والسلوك

الصفحة الرئيسية

 

المشورة

الاستبداد لا يوضع على شيء إلا شانه، والمشورة لا توضع على أمر إلا زانته.

إن الحق ليس نصيب كل أحد، فإن الله يقسم كل شيء حتى معرفة الحق، والواحد ليس نصيبه منها إلا في بعض الأحيان، وكلما ارتفع عدد الآحاد، ارتفعت نسبة وجه الحق.

فلو كان نصيب رجل واحد معرفة الحق في كل عشرين عملاً مرة يكون نصيب العشرين من الأفراد، معرفة الحق عشرين مرة.

والمشورة تبدي الحق، ولذا يمدح الله تعالى المؤمنين بكون أمرهم شورى، قال تعالى: (ما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون..)(1) (وأمرهم شورى بينهم)(2).

إنه ليس عمل المؤمن فحسب، بل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو المتصل بالوحي، المعصوم عن الزلل، يأمره الله تعالى بالتشاور، ليتأسى به المسلمون (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)(3).

قال تعالى: (وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله ان الله يحب المتوكلين)(4) وقد كان ديدن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك، فقد كان يشاور المسلمين في أعماله.

والمستبد يعرض نفسه للهلكة، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (خاطر بنفسه، مَن استغنى برأيه)(5).

وإن كانت الأمور تحتاج إلى المشورة، فالرياسة أولى الأمور بها، فإنها ملتقى الأعمال.

ولذا قال الإمام الصادق (عليه السلام): (لا يطمعن القليل التجربة المعجب برأيه في رياسة)(6) انه لا يملك زمامها ـ إلا وسرعان ما يفلت من يده ـ بالاستبداد والاستقلال.

والمشورة ليست حيث وقعت تجلب الخير، فرب شخص تكون استشارته أضر، وخصوصاً من جبل على صفة لئيمة، فمشورة الجبان في الحرب، والبخيل في العطاء، والسفيه في التصرف.. لا تزيد إلا خبالاً..

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (يا علي، لا تشاورن جباناً، فإنه يضيق عليك المخرج، ولا تشاورن البخيل فإنه يقصر بك من غايتك، ولا تشاورن حريصاً، فإنه يزين لك شرهاً، واعلم يا علي، ان الجبن والبخل والحرص غريزة واحدة، يجمعها سوء الظن)(7).

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (بعثني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى اليمن، فقال لي ـ وهو يوصيني ـ يا علي، ما حار من استخار، ولا ندم من استشار..)(8).

فمن طلب الخير وجده، ومن شاور الناس عرف وجه الصواب.

والمشورة إنما هي مع أصحاب العقول الرزينة، والأحلام الصحيحة لا كل رذل أو ساقط.

عن جعفر بن محمد، عن أبيه (عليهما السلام)، قال: (قيل يا رسول الله ما الحزم؟ قال: مشاورة ذوي الرأي واتباعهم)(9).

وعنه (عليه السلام) قال: (في التوراة أربعة أسطر: من لا يستشر يندم، والفقر الموت الأكبر، كما تدين تدان، ومن ملك استأثر)(10).

وللمشورة شرط أساسي، وهو أن يكون المستشار، ممن يحسب لله حساب، ويخاف المعاد، وإلا أشار بما لا يرضى الله، ويكون عاقبة أمره خسراً.

قال الإمام الصادق (عليه السلام): (قال علي (عليه السلام) ـ في كلام له ـ: شاور في حديثك الذين يخافون الله)(11).

والمستشار مؤتمن، فيلزم أن يقول الحق، ولو على نفسه.

قال الصادق (عليه السلام): (من استشار أخاه، فلم ينصحه محض الرأي سلبه الله عز وجل رأيه)(12).

 

1 ـ سورة الشورى: الآية 36.

2 ـ سورة الشورى: الآية 38.

3 ـ سورة الأحزاب: الآية 21.

4 ـ سورة آل عمران: الآية 159.

5 ـ وسائل الشيعة: ج8، ص425.

6 ـ بحار الأنوار: ج68، ص98.

7 ـ بحار الأنوار: ج63، ص386.

8 ـ بحار الأنوار: ج71، ص78.

9 ـ وسائل الشيعة: ج8، ص424.

10 ـ وسائل الشيعة: ج8، ص424.

11 ـ وسائل الشيعة: ج8، ص426.

12 ـ وسائل الشيعة: ج8، ص427.