الفهرس

فهرس الفصل الأول

المؤلفات

 الأخلاق والسلوك

الصفحة الرئيسية

 

التواضع

يبني الناس ـ في الأغلب ـ حياتهم، على أسس تخالف الأسس التي هي عليها، وبعبارة أصرح: يبنون الحياة على الالتواء، لهم بطانة ولهم ظهارة.

فترى الشخص وهو دون ما يظهر، يصر على أن يظهر نفسه فوق الحقيقة، أو على الأقل يحب ذلك.

فترى ذا العلم الضئيل، أو الثروة الضعيفة، أو الجاه النكد.. يتظاهر في منطقه بمظهر العلماء الكبار، والأثرياء العظام، والوجهاء الفخام.

لكن الواقع يأبى أن يستر هذه الادعاءات الفارغة، ففي أول مرة يظهر نفسه، فينكشف الركام المزعوم، وأظرف منه أنه يقع المدَّعي إلى دون مقداره، فهو إن أصر بعلم ليس له، رأى دون ما يعلم.. وهكذا..

إن هذا الأمر أثارهُ كبر في النفس، وحب للاستعلاء، من غير طريقه المستقيم..

ويضاد هذه الصفة، صفة جميلة هي التواضع بأن يرى الإنسان نفسه على قدره ـ لا كذباً وخداعاً ـ بل ـ حفظاً على التوازن بين المقادير.

فمن علم ـ مثلاً ـ علم الأحياء فقط، فإن نظر إلى نفسه نظر معجب، استعلى وتكبر، وان نظر إليها منضماً مع النظر إلى سعة دائرة العلوم، وأنه لا يعرف منها إلا مقداراً ضئيلاً، تواضع ولم يبجح.. وهكذا..

والإسلام يمدح التواضع، فإنه بيان للحقيقة، وألفة للقلوب، مع ما فيه كسر نزوات النفس.

قال أبو محمد العسكري (عليه السلام): (أعرف الناس بحقوق اخوانه، وأشدهم قضاءً لها: أعظمهم عند الله شأناً، ومن تواضع في الدنيا لاخوانه، فهو عند الله من الصديقين..)(1).

والمتواضع محبوب عند الناس وإن كان صغيراً، والمتكبر مذموم وإن كان عظيماً.. وبالتواضع يرتفع الشخص عند الناس.

ولذا قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (ما تواضع أحد، إلا رفعه الله)(2).

وإلى هذا يلمح كلام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وما أروعه من مثال يطابق الحقيقة:

روى الصادق (عليه السلام)، عن أبيه (عليه السلام): (أن علياً قال: ما من أحد من ولد آدم، إلا وناصيته بيد ملك، فإن تكبر جذبه بناصيته إلى الأرض، وقال له: تواضع! وضعك الله!! وان تواضع جذبه بناصيته، ثم قال له: ارفع رأسك! رفعك الله، ولا وضعك بتواضعك لله)(3).

وقد كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والأئمة من أهل بيته، يتواضعون، ويعلمون الناس التواضع، في أعمالهم وأقوالهم.

كان محمد بن مسلم رجلاً شريفاً موسراً، فقال له أبو جعفر (عليه السلام): تواضع يا محمد، فلما انصرف إلى الكوفة، أخذ قوصرة من تمر مع الميزان، وجلس على باب مسجد الجامع، وصار ينادي عليه، فأتاه قومه، فقالوا له: فضحتنا! فقال: إن مولاي أمرني بأمر، فلن أخالفه، ولن أبرح، حتى أفرغ من بيع ما في هذه القوصرة! فقال له قومه: إذا أبيت إلا أن تشتغل ببيع وشراء، فاقعد في الطحانين! فهيأ رحى وجملاً وجعل يطحن)(4).

هكذا تكون القلوب العامرة بالإيمان، البعيدة عن مهاوي الكبر والاعتلاء.

وبالعكس مما ظن قوم محمد من انه سيضع بهذه الفعلة، أنه ارتفع وارتفع.. حتى أن علماء المسلمين لا ينظرون إليه إلا بالعظمة، ولا يذكرونه إلا بالتبجيل والإكرام.

والتواضع يكون بالكلام، والسلام، والمجلس، والمأكل، والمشرب والملبس والمركب..

ومن تواضع وجد طعمه حلواً عذباً، أما المتكبر فيكفيه ذلاً وصغاراً وحشة الناس منه، ووحشته من الناس.

 

1 ـ مستدرك الوسائل: ج11، ص295.

2 ـ مستدرك الوسائل: ج11، ص297.

3 ـ وسائل الشيعة: ج11، ص300.

4 ـ بحار الأنوار: ج68، ص122.