الفهرس

فهرس الفصل الأول

المؤلفات

 الأخلاق والسلوك

الصفحة الرئيسية

 

أدب العبادة

عبادات الشريعة الإسلامية، وإن ظهرت ـ بادي النظر ـ أموراً روحية لا علاقة لها بالفضيلة فهي صلاة لله، وحج لبيت الله، وزكاة تعطى قربة إلى الله، وصوم يراد به وجه الله..

إلا أنها لدى الدقة من أسمى الأخلاق.

وقد عـيـّن النبي (صلى اللــــه عليه وآله وسلم) صبــغتها العامة التـــي شرعت لأجلها يوم قال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)(1).

فهي عبادة إلى جنب كونها من مكارم الأخلاق، بل أزيد من ذلك: هي تطهير روحي، وعبادة، وتنظيم للاجتماع.. كما هي الطابع العام لكل ناحية من نواحي الإسلام حتى يصعب التفكيك بين النواحي المختلفة المنصبة على حكم أو أمر ونهي..

وإن كانت السمة البارزة لبعضها العبادة، ولبعضها الفضيلة، ولبعضها الحدود، ولبعضها تنظيم الاجتماع..

لكن نظر الإسلام إلى الكون حيث كان نظراً موحداً:

الإله واحد، والأفراد سواسية كأسنان المشط، والكتاب واحد، والرسول واحد، والمعاد إلى الله واحد.. كان كل تشريع من تشريعاته ملتقى لنواحي الحياة المختلفة: الروح والجسد، والدنيا والدين، والعمل والعبادة..

ولنلقي الآن نظرة خاطفة على ناحية الأخلاق ـ أو الروح، بعبارة أدق ـ من نواحي العبادة، حتى نرى أنها من مكارم الأخلاق.

إن شرائع السماء كلها تقصد شيئاً واحداً، وهو تهذيب النفس التي هي اللبنة الأولى في المجتمع وبالتهذيب، ترتقي النفس في مدارج الكمال، فينظم الكون، وبهذا التنظيم تصلح الدنيا والآخرة.

وليس التهذيب إلا تطهير الروح، وتعديل خط المسير، حتى لا تنحرف يميناً وشمالاً. وهي مكارم الأخلاق:

إن عرفان خالق الكون خلق كريم، وهو وسط بين القول بالنفي، والقول بالتعدد والخرافة.

ومعرفة سفرائه خلق كريم، وهو وسط بين النفي، والكذب بجعل من ليس بسفير سفيراً.

ومعرفة العود إليه خلق كريم، وهو وسط بين السلب، والخرافة في نحو المعاد.

أليس: نكران المنعم بُعْد عن الفضيلة والأخلاق؟ أليس عدم تقدير الوسيط في العلم والتكميل والهداية خلاف الإنسانية؟ أليس التعامي عن الجزاء ينافي الأخلاق الرفيعة؟

وهكذا شأن سائر ما جاءت به الشرائع.

فالشرائع كلها مكارم الأخلاق.

والنبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) إنما جاء ليتمم مكارم الأخلاق، ويفرغها في صيغتها الأخيرة.

يبين حدودها وأطرافها، ويهدي إلى مقاييسها وموازينها، ويرشد نحو الطريق المستقيم، الذي من زاغ عنه هوى في مهوى سحيق.

الصلاة ـ وهي من عبادات الإسلام، وعبادات سائر الأديان السابقة ـ تطهير وتهذيب، وتذكير بالفضيلة، وتنزيه عن الرذيلة.

تبتدئ بالتكبير لله المنعم، وهي فضيلة، وتنتهي بالسلام على البشر والملائكة، وهي فضيلة.

وهي تذكير بنعم الخالق: رب العالمين، الرحمن الرحيم، الذي بيده المحكمة الجزائية، مالك يوم الدين.. وتنزيه للرب العظيم الأعلى..

ومن يعلم هذا ويتوجه إلى هذا الملك القدير، فيعرفه، ويكرر اللقاء كل يوم خمس مرات: في مساه ومصبحه ووسطاً من النهار، تنصهر نفسه، وتخلص من الكدورات، وبذلك يستقيم مسلكه ويبتعد عن الآثام والرذيلة.

ولذا ورد في القرآن الكريم: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر)(2).

ومثَّلها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): بالنهر الجاري الذي يغتسل الشخص فيه كل يوم خمس مرات.

لا درن ولا قذارة، بل طهارة ونظافة، وتعديل سلوك، وعرفان حقائق.

إنها حقاً مكرمة من مكارم الأخلاق.

وفضيلة من الفضائل!

وإلى جانب ذلك كله حسّ بالوحدة الإنسانية الكبرى: إياك نعبد ـ لا أعبد غيرك ـ وإياك نستعين ـ لا أستعين إلا بك ـ، فالمصلي يرى نفسه واحداً من البشر، يطلب لهم الخير من الإله العظيم.

وحسّ بالوحدة الإنسانية الكبرى في اجتماع يضم بين الشريف والوضيع، والغني والفقير، والعالم والجاهل.. في الجمعة والجماعة.

وهذا الحس نواة للتآلف والتراحم.. وكلها فضائل بشرية، وأخلاق سامية.

وهل الأخلاق الرفيعة إلا هذه؟!

والصوم: قربة وتطهير.

قربة إلى الله، وزلفى لديه، إنه خاص به، وإلا فما يمنع الشخص من الأكل والشرب.. في الخلاء لا يراه أحد، ولا يعلم به أحد، وبذلك يتولد الشعور بالمسؤولية أمام المالك العظيم، ثم ينمو هذا الشعور حتى يسيطر على جهاز الجسم كله، وبه يبتعد عن الرذيلة، وفي الحديث القدسي: (الصوم لي..)(3).

والصوم: جهاد مع النفس ورياضة تتقوى بها على تحمل المكاره، والصبر عند الشدائد.

أليس يمتنع عن الأكل وهو يشتهيه؟ ويرتدع عن الملامسة ونفسه تتوق إليها؟

إن الصائم يشعر بالجوع والعطش.. فتطهر روحه، وتسمو نفسه، ويجتمع بفكره مع الفقراء فيحس بألمهم، ويدرك ما يدركون، فيرقّ لهم ويعطف عليهم.

ثم شهر رمضان اجتماع في الليالي بالعبادة، وتفرق في النهار بالمعاش.. كله جد وعمل دنيا وآخرة، تبادل الحب، واجتماع فوق صعيد الطهارة، وتحليق في أجواء الروح.

أليست هذه من الفضيلة؟

ويلمح إلى هذا تعقيب الآية: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم..) بقوله: (لعلكم تتقون)(4).

تقوى من الرذيلة، وتقرب إلى الفضيلة.

والحج: مؤتمر بني الإنسان، من كل الأقطار لا عرب ولا عجم، ولا شرق ولا غرب، ولا لسان ولا لون.. (جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس)(5).

فهو كالعمود الفقري الذي يحفظ الإنسان عن التضعضع والتفكك.

وهو امتناع عن الملذات وتطهير عن الذنوب، وتذكرة ليوم العرض الأكبر.

هنا علم الخير والفضيلة: الكعبة الكريمة، يطاف بها، إشارة إلى: أنا نطوف حول الفضيلة والخير، كما نطوف بأجسامنا حول بيت الله، الله الذي هو جميل وحق وعدل.. وكل خير.

وهناك علم الشر والرذيلة: الجمار أمثلة الشيطان، تُرمى، إشارة إلى: أنّا نرمي الشر ونقذف به إلى جانب، فلسنا من الشر والرذيلة، وليست الرذيلة والشر منا..

والناس يجتمعون في صعيد واحد، كلهم محرم، كلهم مجتنب عن لوازم الجسم، كلهم بلون واحد، كلهم في مكان واحد: عرفات، ومزدلفة، ومنى.. كلهم أمام رب واحد.

أتعقل فضيلة أحسن منها؟!

والجهاد: تحطيم للقيود والأغلال، وإطاحة بعروش الظالمين، وتهديم لأبنية الرذيلة والزيغ (ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم)(6).

إنه جهاد مع الأعداء الذين (لا يدينون دين الحق)(7).

وجهاد مع النفس، بتنقيتها من الرذيلة، وتنميتها بالفضيلة، كي تتخلى عن الكذب، والخيانة، والرياء، والاستعلاء، و... وتتحلّى بالصدق، والأمانة، والإخلاص، والتواضع و...

والزكاة والخمس والفطرة والكفارة.. تأليف بين الغني والفقير، وإشاعة الحب بين الطبقات، وترفيع للمستوى المادي، فيرتفع المستوى الأدبي.

يقول الحديث: (من لا معاش له، لا معاد له).

ثم هي نبذ للشح، وطهارة للنفس، وترقيق للمشاعر، وتحلية بالسخاء، وعطف على المستضعف.

وكلها أخلاق وفضائل، وتدعيم للاجتماع، ودفن للرذائل الراسية.

ولا أظن أني بحاجة إلى ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

إنها مجاهرة بالحق، وصراحة في المنطق وتهذيب للمجتمع، وشجاعة ضد الباطل.

أمر بالخير، وكفى!

ونهي عن الشر، وكفى!

وهما دعامة كل اجتماع، وعماد كل فضيلة، وامتداد كل خير.

إن المجتمع كالقصر المشيد، إذا رمم كلما انصدع منه جانب، وشيدت كل دعامة لحقها الخراب، بقى أنيقاً قابلاً للسكنى، ولو ترك بحاله، لم يمض إلا يسير وقت، حتى تناله يد الانهدام.

وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إنهما ترميم للمجتمع عن الانهيار، وحفظ له عن الخراب والفناء، فهما فضيلة، وأساس كل فضيلة.

ولاية الأخيار، والبراءة من الأشرار: تطهير للنفس، ومشايعة للفضيلة، وانقطاع عن كل شر، والمرء يعرف بمهواه، كما يعرف بمجانسه، فكل هاو يتتبع المهوى، وكل مجانس يتخلق بأخلاق المجانس: فإن (الطيور على أشكالها تقع).

وفي الحقيقة: ان التولي لأولياء الله، والتبري من أعدائه، وقاية وعلاج، وقاية عن استشراء الرذيلة، وتوسع القذارة، وعلاج لمن كمن في نفسه الشر. وتلوثت نفسه بالباطل.

هذه مقتطفات من جوانب العبادة الأخلاقية.

وبالفعل نرى كل ملتزم بها، أقل شراً، وأكثر فضلاً ونظافة.

فكل سرقة وخيانة، وإفك، وشهادة زور و... تجتمع في حقائب التاركين للفضائل، على العكس تماماً من المتعبدين الملتزمين بالفضائل الأخلاقية.

وبهذه اللمحة السريعة إلى روح العبادة، يتبين ما ذكرناه أولاً من اجتماع الفضيلة في العبادات، كما أن العبادة سارية في الفضائل.

فكل من العدل والإحسان والتعاون على الخير.. عبادة إن قصد بها وجه الله، وخلصت من نزوات النفس.

كما ظهر معنى حديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)(8).

 

1 ـ بحار الأنوار: ج64، 382.

2 ـ سورة العنكبوت: الآية 45.

3 ـ من لا يحضره الفقيه: ج2، ص75.

4 ـ سورة البقرة: الآية 183.

5 ـ سورة المائدة: الآية 97.

6 ـ سورة الأعراف: الآية 157.

7 ـ سورة التوبة: الآية 29.

8 ـ بحار الأنوار: ج64، ص382.