الفهرس

فهرس الفصل الأول

المؤلفات

 الأخلاق والسلوك

الصفحة الرئيسية

 

السعي في الحوائج

المجتمع الحي هو المجتمع المبني على التعاون والتكاتف، كل فرد منه يعاضد الآخر في حوائجه، ويشاركه في أحزانه وأفراحه، فترى إذا نزلت نازلة على أحد، هب الجميع لكفاحها، وإذا احتاج فرد إلى حاجة، سعى غيره لها.

والأمر تبادل، فمن سعيت له سعى لك، ومن شاركته همومه شاركك همومك..

ومن نظر إلى أمة نظر فاحص، رأى أن كل فرد يهتم بأمور الآخرين، يهتم بأموره، وكل فرد ينفرد بحوائج نفسه، كأنه ليس منهم، نبذ كما تنبذ النواة، فلا يعار له اهتمام، ولا يسعى له في حاجة.. وكلما زاد تعاون الأمة، زاد رقيها، وبالعكس، كلما انفصلت الأواصر بينهم، كثر الخمول والانحطاط.

وعلى هذا يأمر الإسلام قال الله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان...)(1).

إن التعاون سمة الجماعة النشيطة، والتفكك طابع الأمة الخاملة..

روى الإمام الصادق عن آبائه (عليهم السلام): (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أوحى الله تبارك وتعالى إلى داود (عليه السلام): يا داود، ان العبد ليأتيني بالحسنة يوم القيامة، فأحكمه بها في الجنة (أي أجعله حاكماً: المؤلف) قال داود: يا رب، وما هذا العبد، الذي يأتيك بالحسنة يوم القيامة، فتحكمه بها في الجنة؟! قال: عبد مؤمن، سعى في حاجة أخيه المسلم: أحب قضاءها.. قضيت له، أم لم تقض)(2).

والساعي في الحوائج محبوب، كما أن الخامل ساقط، وكل خير في من يهتم بالأفراد، وقد أكد الإسلام على السعي في الحاجات، ورغّب فيه، وجعل لكل قضاء ثواباً وحسنة.

قال علي بن الحسين (عليه السلام): (من قضى لأخيه حاجته، فبحاجة الله بدأ وقضى الله بها مائة حاجة، في إحداهن الجنة.

ومن نفّس عن أخيه كربة، نفس الله عنه كرب القيامة، بالغاً ما بلغت.

ومن اُعانه على ظالم له، اُعانه الله على إجازة الصراط عند دحض الأقدام.

ومن سعى له في حاجة حتى قضاها له، فسر بقضائها، كان كمن أدخل السرور على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

ومن سقاه من ظمأه، سقاه الله من الرحيق المختوم.

ومن أطعمه من جوع أطعمه الله من ثمار الجنة.

ومن كساه من عري، كساه الله من استبرق وحرير.

ومن كساه من غير عري، لم يزل في ضمان الله، ما دام على المكسو من الثوب سلك.

ومن عاده عند مرضه، حفته الملائكة، تدعو له حتى ينصرف، وتقول: طبت وطابت لك الجنة.

ومن زوّجه زوجة يأنس بها، ويسكن إليها، آنسه الله في قبره، بصورة أحب أهله إليه.

ومن كفاه بما هو يمتهنه، ويكف وجهه، ويصل به ولده، أخدمه الله عز وجل الولدان المخلدين.

ومن حمله من رجلة، بعثه الله يوم القيامة في الموقف على ناقة من نوق الجنة يباهي به الملائكة.

ومن كفنه عند موته، فكأنما كساه من يوم ولدته أمه إلى يوم يموت.

والله لقضاء حاجته، أحب إلى الله من صام شهرين متتابعين، باعتكافهما في المسجد الحرام(3).

وقال الصادق (عليه السلام): (ما قضى مسلم لمسلم حاجة، إلا ناداه الله تبارك وتعالى: عليَّ ثوابك، ولا أرضى لك بدون الجنة)(4).

 

1 ـ سورة المائدة: آية2.

2 ـ بحار الأنوار: ج14، ص36.

3 ـ وسائل الشيعة: ج11، ص564.

4 ـ المصدر السابق: ص577.