الفهرس

فهرس الفصل الأول

المؤلفات

 الأخلاق والسلوك

الصفحة الرئيسية

 

الصدق

التواء اللسان، ليس إلا أثراً من آثار القلب، كما أن استقامته من آثار استقامة القلب.

وكثير من الناس يزعم أنه يتمكن من ليّ قوله، ثم إخفائه على الناس.. لكن لو انطلى ذلك مرة ومرة.. لا ينطلي مرات ومرات..

فالكذوب لا يزال يكذب، حتى تبدو عورته بين الناس، فلا يُصَدَّق في حديث، ولا يقبل له خبر.

وليس الصدق والكذب يدوران مدار اللسان.. إن مدارهما الأفئدة، فإذا صدقت، صدق اللسان، واليد، والرجل.. وإذا كذبت كذبت كلها، إن أثم القلب الذي التاث بالانحراف يكذب، ويرائي ويحب أن يحمد بما لم يفعل، ويخلف الوعد، ويخون، و. و. وأخيراً الكذب والاجتماع طرفا نقيض.

قال الباقر (عليه السلام): (إن الكذب هو خراب الإيمان)(1).

الإيمان يأمر بالصدق، فالكذب خرابه، بلا مراء..

والكذاب تعاكس الأقدار بغيته، إنه يكذب ليكسب عزاً أو مالاً أو.. لكنه لا يلبث حتى يعرف عند الناس بالكذب، فلا يصدق له قول، ولا يوقر له حديث، بل انه يخسر فوق ذلك أحاديثه الصادقة، ووعوده التي ينوي الوفاء بها..

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (ينبغي للرجل المسلم أن يجتنب مؤاخاة الكذاب، فإنه يكذب، حتى يجيء بالصدق، فلا يصدق)(2) ان ما ظهر من كذبه مانع عن تصديق ما يأتي به من الصدق فلا ينتفع بمثل هذا الصديق: إن كذبه كذب، وصدقه مشكوك، فلا حديثه ينفع، ولا كلامه يسمع..

يقال: إن راعياً كان يكذب كلما رعى غنمه، فيصيح: أيها الناس، الذئب.

فإذا اجتمع الناس لخلاصه، تبين أمره، وظهر كذبه، فضحك على المجتمعين..!

وتصادفاً توجه نحو غنمه ذئب، فأخذ يصيح بكل حرارة وصدق، لكنه عبثاً حاول جمع الناس، فلم يأبهوا له حتى أخذ الذئب بعض أغنامه..

ويقال: إن ولداً كان إذا سبح مع زملائه، ابتعد عنهم قليلاً، ثم خدع الناس بأنه قد غرق، ويستصرخ رفاقه للنجدة، فإذا أدركوه، سبح وضحك منهم.

وصدفة أحسّ بالغرق ـ في بعض تلك الأحيان ـ فأخذ في الاستصراخ، لكنه بلا جدوى، فلم يلتفت إليه زميل.. ظناً انه يكذب، حتى قضى الأمر، وهلك.

والظريف ان الكذاب قليل الذاكرة، وهو طبيعي فإن العمل يبقى في الحافظة، أما نسج اللسان فيتلاشى في الهواء، فهو ينسى ما قال حتى يفتضح إذا استفسر.

قال الصادق (عليه السلام): (إن مما أعان الله على الكذابين، النسيان)(3).

إنه يعين على فضيحتم! وبذلك يذهب رونقه، ولا يعتمد عليه يروي الصادق (عليه السلام) ـ عن عيسى بن مريم (عليهما السلام) ـ قال: (من كثر كذبه ذهب بهاؤه)(4).

وقد يستصغر الناس هذا الكذب، لــكنه كذب على أي حال، وهو يسقط المروءة ويهين الرجل، ولذلك يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (لا يجد عبد طعم الإيمان، حتى يترك الكذب، هزله وجده)(5).

فإن للاستقامة طعماً لذيذاً شهياً، كسائر ملكات النفس، إن العلم والحلم، والإخلاص والرأفة.. لها مذاق حلو، وكذلك الصدق في كل شيء، ولعل إلى هذا تشير الآية الكريمة:

(فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون)(6).

إن الكاذب، والمخلف.. لا يمضي زمان، حتى ينقلب له التواء في القلب: ظاهر وباطن، وهذا هو النفاق، والله لم يعقبهم هذا ـ قسراً ـ كما يظن الجبريون، بل هو من الآثار الطبيعية للخلف والكذب..

وإذن فلا عجب أن يكون الكذب شراً من الخمر، الذي هو مفتاح كل شر..!

قال الباقر (عليه السلام): (ان الله عـــز وجل جعل للـــشر أقفالاً، وجـــعل مفاتيح تلك الأقفال: الشراب، والكذب شر من الشراب)(7).

الشر: زنا ولواط وسحق.. ضرب وشتم ولكز.. أكل الحرام من ميتة ودم وغصب.. رقة ونهب وغلول.. و.. وإقفال هذه المانعة عن بروزها: عقل وحياء وحق من الحق.. والخمر باذهابها للعقول تفتح الأقفال.. فالشارب يرتكب كل شيء.!

والكذب من مراتبه: الافتراء على الله، والبدعة في الدين، ودعوى ما ليس له من رسالة أو وصاية أو نحوها.. وهذه شر من تلك ـ بديهة ـ.

وأحياناً يفلت زمام اللسان من يد الإنسان، فيكذب كذبة، ثم يندم، انه ليس بكذاب ولا يترتب على فعله هذا ما يترتب على فعلة الكذاب، من ذهاب البهاء، وعدم التصديق، والعقاب، ولذا يقول الإمام الصادق (عليه السلام) بعد ما سئل: الكذاب هو الذي يكذب في الشيء؟ أجاب (عليه السلام): (لا، ما من أحد، إلا يكون ذاك منه، ولكن المطبوع على الكذب)(8).

ومن الكذب: الرياء، فيعمل الرجل عملاً يريد به وجه الناس ورضاهم ـ لغاية أو لغير غاية ـ وهو يرى أنه أراد وجه الله.!

لكن الله لا ينطلي عليه، فهو الخبير بالسرائر.. انه يخسر بذلك ود الناس، ورضا الله فالله يعلم سريرته، فلا يثيبه، ويظهر الناس قصده، فيسقط من أعينهم.

ومن الظريف انه ألفت قلبه إلى الناس، ولم يظهر على ملامحه ما نواه، لكن الناس ـ بعد لأي ـ يعلمون قصده، فتفسد دنياه كما فسد دينه.

قال الصادق (عليه السلام) لعباد بن كثير البصري ـ في المسجد ـ: (ويلك يا عباد إياك والرياء، فإنه من عمل لغير الله، وكله الله إلى مَن عمل له)(9).

وفي هذا الحديث إشارة إلى قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انه قال: (إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر..! قيل: وما الشرك الأصغر، يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله عز وجل يوم القيامة ـ إذا جازى العباد بأعمالهم ـ: إذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا! هل تجدون عندهم ثواب أعمالكم؟!)(10).

والله تعالى يرد عمل المرائي بحجة ظريفة..

قال الصادق عليه السلام: (قال الله عز وجل: أنا خير شريك، من أشرك معي غيري في عمل عمله، لم أقبله إلا ما كان لي خالصاً)(11).

أليس الشريكان في متجر أو أرض أو... إذا وهب أحد الشريكين حصته لشريكه، كان خيراً، والله له هذه المنزلة، ان العمل المشترك إن كان خيراً فالله يهب حصته لشريكه، وإن لم يكن خيراً، فالله لا يجازي إلا على الخير.!

ثم ماذا يبتغي المرائي؟ أيبتغي حسن السمعة؟ انه يحصل على ذلك إذا أخلص، فإن الله يظهر كل خير وكل شر.

قال الصادق (عليه السلام) (ما من عبد يسر خيراً، إلا لم تذهب الإيام حتى يظهر الله تعالى له خيراً، وما من عبد يسر شراً، إلا لم تذهب الأيام حتى يظهر له شراً)(12).

ومن الكذب الفضيع: شهادة الزور، انها تبتز الأموال عن أصحابها، وتهدر الحقوق عن ذويها، وتلحق الأولاد بغير آبائهم، وتثبت المناصب لغير أهليها..

وقد وصف الله المؤمنين بأنهم (والذين لا يشهدون الزور)(13).

وغالب المفاسد التي تترتب على الاستغلال تحذفها شهادة الزور، وما اغتصاب الدول القوية حقوق الضعفاء وأموالهم وبلادهم.. إلا نتيجة بواسطة هذه الرذيلة المشينة.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (تقبلوا لي بست أتقبل لكم بالجنة: إذا حدثتم فلا تكذبوا، وإذا وعدتم فلا تخلفوا، وإذا ائتمنتم فلا تخونوا، وغضوا أبصاركم، واحفظوا فروجكم وكفوا أيديكم وألسنتكم)(14).

والشاهد زوراً عليه الوزر، ولغيره المهناة، انه يجرجر إلى نفسه خطأً فادحاً ـ وعلى الأكثر ـ: لا ينتفع إلا برشاوي قليلة، فهو بذلك يحتقب إثمين: إثم الزور، وإثم الرشوة، ولا عجب من تشبيه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) له بمن يعبد الأصنام، قال: (شاهد الزور كعابد الوثن).

إن الله عيّن لكلٍ رزقاً، فمن سعى وطلب، أتاه، وعين لكل جاهاً وأصدقاء.. فمن مشى عدلاً، وقال صدقاً، سيق إليه.. فلم يملأ بطنه من سحت ويريق ماء وجهه بالزور ويكتسب صداقة خائن.

ثم ما نفع الأفاكين؟

أليس هم أقل الناس قدراً؟ وأبشعهم صورة؟ وأقلهم ثروة؟

ومن شك في ذلك فلينظر إلى أشهاد الإفك حول المحاكم الذين يتقاضون شيئاً يسيراً، لإبطال الحقوق، وهدر الأموال.. لينظر إليهم الإنسان، فكأنه ينظر إلى وجوه الشياطين، وشمائل الغيلان..!

ومن الكذب: خلف الوعد، ويقابله الوفاء بالوعد، وقد مدح الله إسماعيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بوفائه للوعد، قال تعالى: (واذكر في الكتاب إسماعيل انه كان صادق الوعد)(15).

إن الوفاء يدل على الشهامة والمروة، واستقامة العمل.. ومن لا يريد الوفاء أحرى به أن لا يعد، فإن حمل الوعد أثقل من مجابهة الرد.

والخلف من صفات المنافقين، أليس المنافق من لا يوافق لسانه وعمله ضميره؟

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (أربع من كن فيه فهو منافق، وإن كانت فيه واحدة منهن، كانت فيه خصلة من النفاق، حتى يدعها: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)(16).

وقد يقع الإنسان في وضع حرج، لا يتمكن من الوفاء ـ بعد ما نوى خيراً ـ وهذا لا يُلام، أما من يعد وهو ينوي الخلف، أو يعاهد وفي ضميره الغدر، أو لا يبالي بالمواعيد فإنه مذموم، بعيد عن الرفعة النفسية، والخلق الجميل.

وليس من العذر ان يعد الفاجر ويخلفه، ان الفاجر ينبغي ان لا يعده الشخص، لا أن يخلف ما وعده.

قال أبو عبد الله عليه السلام: (ثلاثة لا عذر لأحد فيها: أداء الأمانة إلى البر والفاجر، والوفاء بالعهد للبر والفاجر، وبر الوالدين برين كانا أو فاجرين)(17).

إن الاجتماع الصحيح يبتنى على أواصر من الوفاء، فإن المعاملات والعقود والعهود مع الدول والترابط بين البائع والشاري.. كلها تتوقف على الوفاء.

ولذا قال الإمام علي بن الحسين ـ في جواب سؤال أبي مالك: أخبرني بجميع شرائع الدين؟ ـ ( قول الحق، والحكم بالعدل، والوفاء بالعهد)(18).

إن الوفاء بالعهد، من شارات العدالة، التي هي مناط الإمامة والقضاء.. فلا عدالة لمن لا وفاء له، فإن من يخالف قوله عمله لا يؤمن على حدود الله وأحكامه.

قال الصادق (عليه السلام): (ثلاث من كن فيه، أوجبت له أربعاً على الناس: من إذا حدثهم لم يكذبهم، وإذا وعدهم لم يخلفهم، وإذا خالطهم لم يظلمهم. وجب أن تظهر في الناس عدالته، وتظهر فيهم مروته، وأن تحرم عليهم غيبته، وأن تجب عليهم اخوته)(19).

إنه ليس ميزان الصلاح في الدنيا فقط، بل الموفي بالعهد مقترب في الآخرة إلى الله زلفى، في يوم تكثر شقته، وتثقل وطأته.

قال الصادق (عليه السلام): (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أقربكم غداً مني في الموقف أصدقكم للحديث، وآداكم للأمانة، وأوفاكم بالعهد، وأحسنكم خلقاً، وأقربكم من الناس)(20).

إنها حقاً خصال جميلة، تقرب الشخص إلى الله ورسوله وإلى الناس، على حد سواء..

صدق الحديث.. أداء الأمانة.. الوفاء بالعهد.. حسن الخلق.. القرب إلى الناس.

وفي الحقيقة أنها جوامع الخير، ومجامع الأخلاق، ومشاعل طرق الإنسانية الرفيعة.

ومن الكذب: النفاق، بل هو من أسوأ أقسامه ان الكاذب يكذب، لكنه لا يجمع بين طرفي نقيض، هنا صورة ولسان، وهناك صورة ولسان.

والمنافق بعيد عن كل معنى الشرف، ولا ينافق إلا من نضب معين الحياء والأمانة والحق في قلبه، انه جماع خصال الشر، وبؤرة دنايا الصفات.

قال الباقر (عليه السلام): (بئس العبد عبد يكون ذا وجهين، وذا لسانين، يطري أخاه شاهداً، ويأكله غائباً، إن أعطى حسده، وإن ابتلى خذله)(21).

والحق: انه بئس العبد صديق وعدو! محب ومبغض!

إن باطله يذهب بحقه، وقبحه يذهب بحسنه.

فالعدو عدو، والصديق صديق، وهذا وحده عدو عند المغيب صديق عند الحضور..

(هم العدو) على حد تعبير القرآن الحكيم.

قال الصادق (عليه السلام): (من لقى الناس بوجه، وعابهم بوجه، جاء يوم القيامة وله لسانان من نار!)(22).

ثم ما ينفعه نفاقه، انه ـ عن قريب ـ يظهر وجهه الثاني، فيُجتنب من حيث أراد أن يتقرّب.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (ما أضمر أحد شيئاً، إلا ظهر في فلتات لسانه، وصفحات وجهه)(23).

يروي: انه كان فيما أوحى الله إلى عيسى بن مريم (عليهما السلام) انه تعالى قال: (يا عيسى، ليكن لسانك في السر والعلانية، لساناً واحداً وكذلك قلبك.

إني أُحذرك نفسك، وكفى بك خبيراً..!

لا يصلح لسانان في فم واحد، ولا سيفان في غمد واحد، ولا قلبان في صدر واحد وكذلك الاذهان)(24).

 

1 ـ الكافي: ج2، ص339.

2 ـ الكافي: ج2، ص341.

3 ـ الكافي: ج2، ص341.

4 ـ الكافي: ج2، ص341.

5 ـ الكافي: ج2، ص340.

6 ـ سورة التوبة: الآية77.

7 ـ الكافي: ج2، ص339.

8 ـ وسائل الشيعة: ج8، ص573.

9 ـ وسائل الشيعة: ج1، ص48.

10 ـ بحار الأنوار: ج65، ص266.

11 ـ الكافي: ج2، ص295.

12 ـ مستدرك الوسائل: ج1، ص97.

13 ـ سورة الفرقان: الآية 72.

14 ـ بحار الأنوار: ج70، ص113.

15 ـ سورة مريم: الآية 54.

16 ـ بحار الأنوار: ج65، ص261.

17 ـ بحار الأنوار: ج68، ص92.

18 ـ مستدرك الوسائل: ج11، ص316.

19 ـ وسائل الشيعة: ج18، ص293.

20 ـ بحار الأنوار: ج7، ص303.

21 ـ وسائل الشيعة: ج8، ص582.

22 ـ وسائل الشيعة: ج8، ص583.

23 ـ نهج البلاغة: ج4، ص7.

24 ـ وسائل الشيعة: ج8، ص582.