الفهرس

فهرس الفصل الأول

المؤلفات

 الأخلاق والسلوك

الصفحة الرئيسية

 

العدل والنصفة

الطبائع على الأغلب ميالة إلى الظلم، حتى قال الشاعر:

والظلم من شيم النفوس فإن تجد          ذا عفـــــــة، فلعــــلة لا يظلــــــــم

إن النفس الضعيفة كالميزان المتفكك، إما تميل هذه الكفة، أو تميل تلك.. ولا تتوازيان، فهي تظلم في الحكم وتظلم في الأخذ، والعطاء والقضاء والاقتضاء والمذهب والمسلك.. لكن النفوس القوية كالقسطاس المستقيم، لا ينحرف بها زيغ، ولا يميلها هوى، وإن كان في المحكوم عليه جهة تخصه من قريب أو صديق.

قال تعالى: (وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى...)(1).

أو كان بين المحكوم له وبينه إحن وعداوات.

قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى...)(2).

إن الله عدل، خلق العالم بالعدل، وقدر أقوات الناس، ونصيبهم من السعة والضيق بالعدل، ولا يأمر إلا بالعدل، ولا يجازي بالجور.

(قل أمر ربي بالقسط)(3)، (وأمرت لأعدل بينكم...)(4) (... واقسطوا إن الله يحب المقسطين)(5).

(لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط...)(6).

فمن لا يعدل يخرج عن قوانين الكون، وسنة الله في الخلق والرزق..

وأصعب أقسام العدل هو النصفة، إن الشخص قد يعدل ولو على قريبه أو حبيبه، لكن ان يعدل على نفسه، فيعطي الحق لذي الحق، ويحرم نفسه، فهو ثقيل ينوء به ذوو الهمم العالية، فكيف بسائر الناس؟

قال الحذاء: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): (ألا أخبرك بأشد ما افترض الله على خلقه؟ إنصاف الناس من أنفسهم، ومواساة الإخوان في الله عز وجل، وذكر الله على كل حال فإن عرضت له طاعة الله عمل بها وإن عرضت له معصيته تركها)(7).

إنها من أشد الأمور، لكنها من أفضل الأمور، ينصف الناس من نفسه، فيصرح بما لهم من حق عليه: اجتماعي أو مالي أو.. فيعطيهم الحق ويحرم نفسه، بل ويذهب ماء وجهه.

ويواسي الإخوان في الحزن والفرح والمال والجاه، انه عزيز، وعزيز جداً.

وذكر الله على كل حال، لا أن يلهج بالذكر فقط، بل أن يجعل الله أمام عينه، لا يحرك يداً ولا رجلاً، ولا تطرف له عين ولا تستشرف له أذن، ولا يتحرك له لسان، ولا يهيج له ملمس إلا في رضا الله!!! انه أشكل الأمور.

(إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر)(8).

إن ذلك هو ذكر الله، لا أن يقول: سبحان الله.. الحمد لله... لا حول ولا قوة إلا بالله.

وقد بين ذلك الإمام الصادق (عليه السلام) ـ في حديث آخر ـ قال أبو المنذر: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (سيد الأعمال ثلاثة: إنصاف الناس من نفسك حتى لا ترضى بشيء إلا رضيت لهم مثله، ومواساتك الأخ في المال، وذكر الله على كل حال).

ليس سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله فقط..!

ولكن إذا ورد عليك شيء أمر الله عز وجل به، أخذت به، أو إذا ورد عليك شيء نهى الله عز وجل عنه، تركته)(9).

والإنسان ربما يستقيم له الطبع، فيعدل في أعماله وأقواله، لكن يبقى من الالتواء في طي فؤاده شيء، يخرج به عن الاستواء في الأحوال الطارئة، كالغضب الشديد، والفرح البالغ.. فعلى الإنسان أن يراقب نفسه في مثل هذه الأحوال.. كي تصفو نفسه وتصقل روحه..

إن السيارة قد تكون مستقيمة السير إذا لم تصطدم بهضبة أو حجر.. أما السيارة المستقيمة حتى في مثل هذه الطوارئ، فيلزم لها من الضخامة واكتمال الأجهزة، ما ليس لغيرها.

وإلى هذا يلمع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

روى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عليهم السلام قال: (مر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوم يرفعون حجراً، فقال: ما هذا؟ قالوا: نعرف بذلك أشدنا وأقوانا، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): ألا أخبركم بأشدكم وأقواكم؟ قالوا: بلى، يا رسول الله، قال: أشدكم وأقواكم الذي إذا رضي لم يدخله رضاه في إثم ولا باطل، وإذا سخط لم يخرجه سخطه عن قول الحق، وإذا قدر لم يتعاط ما ليس له بحق)(10).

إنه ميزان العدل، وشارة صلاح النفس وسمة القوي قوي النفس والروح.

وما يخاف من يترك الحق إلى الجور؟ أيخاف الفقر أم يخاف الضياع؟ كلا! فالله ضمن الأمرين للقائل بالحق: الغنى والجاه، فماذا يبتغي بعد ذلك؟

قال الصادق (عليه السلام): (ما ناصح الله عبد في نفسه، فأعطى الحق منها، وأخذ الحق لها، إلا أعطي خصلتين: رزق من الله يسعه، ورضا عن الله يغنيه)(11).

ينجيه مما يخاف من كيد من لا يرضى بعدله، ان رضا الله كافٍ عن رضا الناس.!

والظلم عاقبته وخيمة، إن الله لم يسلط أحد على أحد ليظلمه، وهو للظالم بالمرصاد، ويوفر جزاء الظالم في الدنيا قبل الآخرة.

يقول الله تعالى: (ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا...)(12)، (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون)(13)، (وأعتدنا للظالمين عذاباً أليما)(14) (إن الله لا يهدي القوم الظالمين)(15).

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (إياكم والفحش! فإن الله عز وجل، لا يحب الفاحش المتفحش، وإياكم والظلم! فإن الظلم عند الله: هو الظلمات يوم القيامة، وإياكم والشح! فإنه دعا الذين من قبلكم، حتى سفكوا دماءهم، ودعاهم حتى قطعوا أرحامهم، ودعاهم حتى انتهكوا، واستحلوا محارمهم)(16).

والظلم ـ قبل كل شيء ـ دليل على عدم الخوف من الله ـ بخط مستقيم ـ انه لو خاف الله، وحذر عقابه، ورجا ثوابه لم يظلم.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (من خاف ربه كفّ ظلمه)(17).

والظالم معاقب على كل حال، فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (دعوة المظلوم مستجابة)(18).

تنام عيناك والمـــظلوم منتبــه           يدعو عليك وعيـــن الله لم تنم

وأشد الظلم: ظلم من لا يجد ناصراً غير الله سبحانه، فلا يزعم الظالم أنه غير متدارك.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (يقول الله عز وجل: اشتد غضبي على من ظلم من لا يجد ناصراً غيري)(19).

إن من يشرب الخمر تؤثر في عقبه، ومن يأكل السم يورث في أولاده، وكذلك من ظلم أحداً، انه يعاقب ولو في أولاده، هذه سنة الكون.

قال أبو عبد الله (عليه السلام): (من ظلم سلّط الله عليه مَن يظلمه، أو على عقبه، أو على عقب عقبه...)(20).

ان الله يقول: (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً)(21).

 

1 ـ سورة الأنعام: الآية 152.

2 ـ سورة المائدة: الآية 8.

3 ـ سورة الأعراف: الآية 29.

4 ـ سورة الشورى: الآية 15.

5 ـ سورة الحجرات: الآية 9.

6 ـ سورة الحديد: الآية 25.

7 ـ وسائل الشيعة: ج11، ص226.

8 ـ سورة العنكبوت: الآية 45.

9 ـ الكافي: ج2، ص144.

10 ـ بحار الأنوار: ج68، 28.

11 ـ وسائل الشيعة: ج11، ص227.

12 ـ سورة يونس: الآية 13.

13 ـ سورة الشعراء: الآية 227.

14 ـ سورة الفرقان: الآية 37.

15 ـ سورة المائدة: الآية 51.

16 ـ بحار الأنوار: ج68، ص309.

17 ـ الكافي: ج8، ص24.

18 ـ وسائل الشيعة: ج4، ص1164.

19 ـ وسائل الشيعة: ج11، ص341.

20 ـ مستدرك الوسائل: ج12، ص98.

21 ـ سورة النساء: الآية 9.