الفهرس

فهرس الفصل الأول

المؤلفات

 الأخلاق والسلوك

الصفحة الرئيسية

 

الأمانة

من شارات استقامة الروح وسلامة النفس، أن يكون الإنسان محفظة صدق لكل ما يودع فيه أو عنده من سر أو مال.. فالصندوق الملتوي يبخل بما أودع فيه، أما الصندوق المعتدل فيفرغ كل مال أو نقد متى شاء المودع.

وقد جعل الله تعالى من سمات المؤمنين البارزة أداء الأمانة، فقال: (قد أفلح المؤمنون)(1)، (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون)(2) فلا إيمان لمن لا أمانة له، كما لا إيمان لغير راعي العهود..

والإنسان قد يظن الأمانة شيئاً طفيفاً، لكنها لدى التجربة أثقل من الجبال وأثقل، إلا لمن عصمهم الله ـ وقليل أولئك! ـ.

وليس عرضاً ما نوه به القرآن الحكيم بهذا الصدد: (انا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً)(3).

إنه تشبيه بليغ، فإن أقوى الموجودات وأرساها، تأبى عن قبول الأمانة، لكن الإنسان يقبل، ثم يخون، انه يظلم نفسه بذلك، ويجهل عاقبة الخيانة الوخيمة.

إن من تتبع أحوال الأمناء ورأى كثرة خيانتهم، أو جرب نفسه عندما تودع أمانات عنده وإن كان بمكانة من التنزه والاحتفاظ.. عَلِمَ علم اليقين ثقل الأمانة، وأنها تنوء بها الجبال الرواسي فكيف بالإنسان الظلوم الجهول؟!

وإلى هذا الثقل يشير الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: (أحب العباد إلى الله عز وجل: صدوق في حديثه، محافظ على صلاته، وما افترض الله عليه مع أداء الأمانة. ثم قال: من أؤتمن على أمانة، فأداها فقد حل ألف عقدة من عنقه من عقد النار، فبادروا بأداء الأمانة! فإن من اؤتمن على أمانة، وكّل به إبليس مائة شيطان من مردة أعوانه ليضلوه، ويوسوسوا إليه، حتى يهلكوه! إلا من عصمه الله)(4).

وأداء الأمانة ميزان الصلاح بنظر الإسلام، لا الصلاة والصيام..

روى أبو جعفر الثاني (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام)، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: (لا تنظروا إلى كثرة صلاتهم وصومهم، وكثرة الحج والمعروف، وطنطنتهم بالليل، انظروا إلى صدق الحديث، وأداء الأمانة)(5).

إن كل شيء دون المال لا يأبه به، فإنها أوراد واعتيادات، أما المال والمال وحده فهو الميزان العادل، والخط الفاصل، وقليل من ينجح في هذا الامتحان.

وقد يبرّر المؤتمن لنفسه من الأعذار ما هو أعلم بها، لكن الإسلام يأبى كل عذر، ويعتبره خيانة وغدراً..

قال الثمالي: سمعت علي بن الحسين عليهما السلام، يقول لشيعته: (عليكم بأداء الأمانة، فو الذي بعث محمداً بالحق نبياً، لو أن قاتل أبي الحسين بن علي (عليه السلام)، ائتمنني على السيف الذي قتله به، لأديته إليه)(6).

ويشبه هذا ما قاله الإمام الصادق (عليه السلام): (اتقوا الله، وعليكم بأداء الأمانة إلى من ائتمنكم، فلو ان قاتل أمير المؤمنين (عليه السلام)، ائتمنني على أمانة، لأديتها إليه)(7)، وفي حديث آخر عنه (عليه السلام): (أدوا الأمانة، ولو إلى قاتل الحسين بن علي (عليه السلام))(8).

والخائن ـ كثيراً ما ـ يخون لتوفير ماله، لكن الأقدار تعاكسه، فتفقره.

عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (الأمانة تجلب الغناء، والخيانة تجلب الفقر)(9).

 

1 ـ سورة المؤمنون: الآية 1.

2 ـ سورة المؤمنون: الآية 8.

3 ـ سورة الأحزاب: الآية 72.

4 ـ وسائل الشيعة: ج13، ص220.

5 ـ وسائل الشيعة: ج13، ص220.

6 ـ وسائل الشيعة: ج13، ص225.

7 ـ بحار الأنوار: ج68، ص114.

8 ـ وسائل الشيعة: ج13، ص224.

9 ـ بحار الأنوار: ج68، ص114.