الفهرس

فهرس الفصل الثاني

المؤلفات

 الأخلاق والسلوك

الصفحة الرئيسية

 

الألفة والوحدة

بنو الإنسان بعضهم من بعض، جملتهم واحدة لا انفصام لها.

مثلهم كمثل الأعضاء في الشخص الواحد، لا يستغني أحدها عن الآخر، كما لا غنى للإنسان إلا بها أجمع.

فالأذن لا تقوم مقام العين، والرجل لا تفعل ما تفعله اليد،.. والشخص بغير لسان ناقص، وإن اكتمل من سائر النواحي..

وقد خلق الله الكون وحدة واحدة يرتبط بعض أجزائها ببعض، وإن ابتعدت الأجزاء، فالشمس وإن ابتعدت عن الأرض ملايين الكيلوات فهي تضيئها وتبعث الدفء والحياة فيها، والماء مرتبط بالهواء، والحرارة تناط بها الأحياء..

وليس الإنسان إلا أحد أجزاء هذا الكون الموحد، فليكن بعضهم دعامة بعض، وأحدهم معين الآخر.

وبالفعل لا غنى لأي فرد عن المشاركة مع بني نوعه، هذا يزرع، وذاك يحصد، وأحدهم يعجن ويخبز.. وذاك يندف، وغيره ينسج، وثالث يخيط.. وواحد يبني، وآخر يسكن..

ثم الإنسان محتاج إلى أبناء جلدته، في المشاعر والعواطف، والحب والبغض، والفرح والغضب، والتعليم والتعلم، والأنس والعطف.. كلها تحتاج إلى أطراف يجذبونها، ويتبادلون أخذها وعطاءها فهذا يحب ذاك، وذاك يعطف على الآخر..

وهناك من الأعمال والأقوال والأحوال، ما لا تقوم بنفس واحدة فالصدق والحياء والعدل والأمانة.. كلها تجري في أطراف.

إذن، فلا مفر للإنسان عن التعاون والتشارك، حتى يتم النظام، وتسير الأمور..

وهذه الغرائز هي التي أوجبت الاجتماع وبناء المدن، وازدهار الحضارات..

والاتحاد ـ بعد ذلك كله ـ قوة: قوة في النفس، وقوة في العمل.

إن من يعرف أن له معاوناً، تتقوى نفسه، وتشتد عزيمته، وتنفذ إرادته، ثم تقوى عضلاته، ويفور دمه وبذلك يكون أقرب إلى النصر ونجاح الأمر.

وقد طلب نبي الله موسى (عليه السلام) ـ وهو رسول عظيم من أولي العزم ـ من الله تعالى مشاركة أخيه هارون، في الدعوة (واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري)(1) حيث علم أن به شد الأزر، وتمام الأمر.

الذئاب ـ كما ينقل عنها ـ تدرك هذه الحقيقة، فتجتمع وتصير قطعاناً عندما تريد طلب الغذاء.

والطيور ـ كما نراها في السماء ـ لا تسير إلا أسراباً، ولا تعيش إلا مجتمعةً.

والنحل والنمل ـ وهما من صغار الحيوان، تهيئ شؤونها، وتدير أمورها بالاجتماع.

وقد ضرب أحد الملوك ـ لأولاده ـ أروع الأمثلة: طلب حفنة من القصب، وشد بعضها إلى بعض، ثم ناولها إلى كل واحد من أبنائه، وطلب منهم كسرها! فلم يتمكن أحد من ذلك، ثم نثرها وناولها أولاده، قصبة قصبة، فكسروها جميعاً، فقال: إنكم إن اجتمعتم كان أمركم رشداً، ولم يقدر عليكم أحد، وإن تفرقتم أبادكم ـ واحداً واحداً ـ كل طامع.

وقد اهتم الإسلام بالألفة والوحدة أكبر اهتمام.

فحين قدم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة آخى بين أصحابه، وكانت هذه أول طلائع النصر والقوة.

وأمر القرآن المسلمين بالوحدة فقال:

(واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا..) (فأصبحتم بنعمته إخواناً)(2).

(هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم)(3).

وبعد هذا لا وجه للعجب من حديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي يجعل استفادة الأخ تلو الإسلام.

قال الصادق (عليه السلام): (لا يرجع صاحب المسجد بأقل من إحدى ثلاث خصال: إما دعاء يدعو به يدخله الله به الجنة، وإما دعاء يدعو به فيصرف الله عنه به بلاء الدنيا وإما أخ يستفيده في الله)(4).

ثم قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (ما استفاد امرؤ مسلم فائدة ـ بعد الإسلام ـ مثل أخ يستفيده في الله)(5).

فانضمام رجل إلى رجل ـ في نظر نبي الإسلام ـ يتلو الإسلام في الأهمية، فالإسلام صلاح للدين والدنيا، والأخ صلاح للدين والدنيا، لكن على شرط أن يكون: (في الله) للصلاح والخير، لا في الشيطان، للشر والعصيان.

إن الأخ هو اللبنة الأولى في بناء الاجتماع، فهو الحجر الأول للألفة والاتحاد، وهكذا ينظر الإسلام إلى الأخ الصالح، حتى أنه يقرر ثواباً ضخماً لمجرد ذلك، مجرد استفادة أخ.

يقول الإمام الرضا (عليه السلام): (من استفاد أخاً في الله، فقد استفاد بيتاً في الجنة)(6).

أليست الجنة نصيب الصلحاء؟ وأليست الأخوة صلاحاً؟ فاستفادة الأخ استفادة شطر في الجنة.

وليست الأخوة باللسان، فحسب، انه أضعف المراتب، والإسلام لا يرضى بها، وإنما يريد الأخوة العميقة، فالأخوان كالأعضاء، ترتبط بعضها ببعض بعروق وأعصاب، ولحم ودم...

قال الصادق (عليه السلام): (المؤمنون في تبارهم، وتراحمهم، وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى تداعى له سائره بالسهر والحمى)(7).

بل وأبعد من ذلك: (لا والله لا يكون المؤمن مؤمناً أبداً، حتى يكون لأخيه مثل الجسد، إذا ضرب عليه عرق واحد، تداعت له سائر عروقه)(8). وكذا يقول الإمام الصادق (عليه السلام).

وما أجمل المثال، وأعمق غوره، وأطول جذوره: (إذا اشتكى تداعى له سائره بالسهر والحمى) ليس أنه يسوؤه، فحسب، بل يتداعى بالسهر والحمى، إنه مثال ظريف رائع، وهو يطابق الواقع تمام المطابقة.

إن كل فرد عضو الاجتماع، وهو يفقد ميزاته إذا فقد منه عضواً، أو أصابه مرض.

وكيف لا يكون كل فرد عضواً، والحال ان جسم البشرية مركب من هذه الأفراد؟

والدين حيث كان صلاحاً للدنيا، وتهيئة للآخرة، لابد وأن يجعل رصيده الأخروي من عناصره، يقول الإمام الصادق (عليه السلام): (من حب الرجل دينه، حبه أخاه)(9).

إنه من الدين بل من أعظمه.

قال الإمام الباقر (عليه السلام): (قال جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أيها الناس، حلالي حلال إلى يوم القيامة، وحرامي حرام إلى يوم القيامة، ألا وقد بينهما الله عز وجل في الكتاب، وبينتهما لكم في سنتي وسيرتي، وبينهما شبهات من الشيطان وبدع بعدي، من تركها صلح له أمر دينه، وصلحت له مروته وعرضه، ومن تلبس بها ووقع فيها، واتبعها كان كمن رعى غنمه قرب الحمى، ومن رعى ماشيته قرب الحمى، نازعته نفسه إلى أن يرعاها في الحمى، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله عز وجل محارمه، فتوقوا حمى الله ومحارمه)(10).

ألا وان ود المؤمن من أعظم سبب الإيمان!

ألا ومن أحب في الله عز وجل، وأبغض في الله، وأعطى في الله ومنع في الله، فهو من أصفياء المؤمنين عند الله تبارك وتعالى!

ألا وإن المؤمنين إذا تحابا في الله عز وجل، وتصافيا في الله، كانا كالجسد الواحد إذا اشتكى أحدهما من جسده موضعاً، وجد الآخر ألم ذلك الموضع).

والإسلام لأجل التحفظ على هذا المعنى النبيل (الألفة والوحدة) يضع نقاطاً ثلاثاً تحت النظر ـ كما هو عادة الإسلام في كل ترغيب وترهيب ـ:

1 ـ الحث البالغ على الألفة والوحدة، والاعتصام بحبل الله جميعاً، وعدم التفرق، والأخوة..

2 ـ الإرشاد إلى منابع الألفة، وما يسببها: من بر، وصلة، وهدية، وزيارة، وتحية..

3 ـ توجيه الإنسان إلى ما يبتر النظم، ويفسد التآلف: من غيبة ونميمة، وحسد، وسباب، وعقوق.. ثم ينهى عن ذلك نهياً لا هوادة فيه، كما يأمر بما يسبب الألفة أمراً مؤكداً لا يرضى به بديلاً.

والمغرور حين ينظر إلى الآثار ـ كلاً على حدة ـ تملكه الحيرة من التأكيدات الواردة في البر والصلة.. والتهديدات الصادرة على العقوق والقطيعة..

لكنها حيرة غافل، إن هذه الأمور متشابكة مترابطة، لا ينفصل بعضها عن بعض، ومن جميعها تتكون البشرية الراقية، وتخلف كل واحد يسبب الدمار والهلاك..

فهي أوصال المجتمع، وأوردته وشرايينه، فكما أن الإنسان إن فسد منه شريان أو قرض منه وريد، فسد مزاجه، وقد تكون عاقبة أمره الهلاك!!

وكما أن (الجهاز الباعث للتيار الكهربائي..) إذا تضعضع منه وتد، أو انقطع منه شيء، انطفأت المصابيح، واظلمت المدينة.

كذلك مثل الإنسان، ومثل كل فرد من أفراده...

ونذكر بعض هذه الإرشادات الإسلامية، في وجازة وتأثير..

 

1 ـ سورة طه: الآيات 29 ـ 32.

2 ـ سورة آل عمران: الآية 103.

3 ـ سورة الأنفال: الآيتان 62 ـ 63.

4 ـ وسائل الشيعة: ج3، ص477.

5 ـ وسائل الشيعة: ج8، ص565.

6 ـ مستدرك الوسائل: ج8، ص323.

7 ـ مستدرك الوسائل: ج12، 424.

8 ـ مستدرك الوسائل: ج9، ص42.

9 ـ مستدرك الوسائل: ج12، ص235.

10 ـ وسائل الشيعة: ج18، ص124.