الفهرس

فهرس الفصل الرابع

المؤلفات

 الأخلاق والسلوك

الصفحة الرئيسية

 

الكسل

من آفات الفرد الكسل، إنه يهدم الشخصية، ويذوي زهرة العمر النضر، ويؤدي بصاحبه إلى الهلاك، والتأخر في ميدان الحياة الفسيح! والكسالة حلق متعاقبة، تتبع بعضها بعضاً، فمن كسل عن شيء، لا ينفك حتى يكسل عن آخر.. وهكذا دواليك، حتى يلتحق بالأموات وهو يمشي على ظهر الأرض، فهو حطام آدمي لا ينتفع ولا يُـنتفع به، وحطام النبات أفضل منه، إنه ينتفع به في إيقاد النار..

وعكس ذلك النشاط فهو حياة وحياة.. وعمل وعمل.. فالنشيط كالنبت في الأرض الخصبة، لا يزال ينمو حتى يورق، ويزهر، ويثمر متعة للعين، ولذة في الروح، وفيض للحياة، ودفء وضياء.

وما الآثار التي نراها محيطة بنا، من عمران ودور وجنات، وأنهار ومدن، ومصانع ومدارس، وآلات وأدوات.. إلا آثار النشاط.

قال الإمام الصادق (عليه السلام): (إياك وخصلتين! الضجر والكسل، فإنك إن ضجرت لم تصبر على حق، وإن كسلت لم تؤد حقاً)(1).

إن الكسلان يعجز عن نفسه، فكيف لا يعجز عن الحقوق؟!

وهو يحس بعبءٍ ثقيل، يمر عليه الليل وكأنه سنة، والنهار وكأنه عام.

وغريب جداً أن يمر النهار على النشيط مرور الطائرة في نهر السماء الجاري، حيث يزيد دفع النهر على دفع المحرك، فيرى وكأن أعوامه ساعات، يلتهم الوقت إلتهام القمر الفضاء، وينعكس الأمر عند الكسلان! فيرى ساعاته أعواماً، يلبث ويلبث.. حتى تمضي دقيقة!!!

وهكذا.. الساعة، ثم... اليوم، ولا تُحِّدث عن الأسبوع والشهر والعام!!

إن أقل وصف للعام عند الكسلان: (يومٌ كان مقداره خمسين ألف سنة)(2).

الكسلان لا يضيع نفسه فقط، بل يضيع حقوق الآخرين، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (إياكم والكسل، فإنه من كسل لم يؤد حق الله عز وجل)(3).

لا حق الله فحسب! بل الحقوق أجمع، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (من أطاع التواني ضيع الحقوق، ومن أطاع الواشي ضيع الصديق)(4).

وليست عاقبة الكسالى إلا الإثم، فإن الكسلان لا يؤدي الطاعة، فإنها تستهلك النشاط والكسلان لا نشاط له، قال الإمام الصادق (عليه السلام): (قال لقمان لابنه: للكسلان ثلاث علامـــات: يتواني حتى يـــفرط، ويفـــرط حتى يـــضيع، ويضيع حتى يأثم)(5).

والكسول ـ في الحقيقة ـ حمل ثقيل على المجتمع، إذ هو يصرف حيوية الآخرين، ولا تصدر منه حيوية، ولا يلبث إلا ويلفظه المجتمع لفظ الفم للنواة، فيهون عليهم، وإن ضربت عليه سرادقات الأموال والأنساب قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (العجز مهانة!)(6) انه ليس مهانة فقط، بل مرض عام يشمل جميع الجسد، ولذا قال (عليه السلام) في حكمة أخرى له: (العجز آفة..)(7).

وأية آفة أعظم من آفة تترك حيوية العين والأذن واللسان.. والقلب والدماغ والفكر.. شللاً، لا تتحرك بخير، ولا تدفع سوءاً؟ إنها آفة عجيبة!!

وقد كان نبي الإسلام وعترته عليهم التحية والسلام، من أروع الأمثلة للنشاط والحيوية، هدماً وبناءً، حياة وعملاً، جهاداً وعبادة!!

فهم خير أسوة حسنة لمن تبعهم.

 

1 ـ مستدرك الوسائل: ج12، ص65.

2 ـ سورة السجدة: الآية 5.

3 ـ مستدرك الوسائل: ج12، ص65.

4 ـ نهج البلاغة: ج4، ص53.

5 ـ بحار الأنوار: ج66، ص159.

6 ـ بحار الأنوار: ج66، ص159.

7 ـ بحار الأنوار: ج66، ص160.