الفهرس

فهرس الفصل الرابع

المؤلفات

 الأخلاق والسلوك

الصفحة الرئيسية

 

حب الظهور

ولنفرض أنه اعتلى، وأُشير إليه بالبنان: إنه يملك.. إنه وزير.. إنه عليم.. فماذا بعد ذلك؟

لو عمل وكد، وجد واجتهد، وحالفه القدر.. أتاه كل شيء قُبلاً، أحب أم كره، وما ينفعه حب الظهور قعد به العمل والجد، إلا اضطراباً في الفكر، وقلقاً في النفس، وسهراً وتعباً..

إن حب الظهور نبت ينمو ـ غالباً ـ في النفوس المريضة، كما ينمو الزرع الخبيث في الأراضي العفنة، وكل من أحب الظهور يجره حبه هذا إلى مفاسد ورذائل.

وكم رأينا في أيام الانتخابات في الحكومات الفاسدة، مرشحين يدأبون ليل نهار بكل وسيلة وضيعة لنيل كرسي الظهور ـ ولا أسميه كرسي الأمة ـ!

والدنيا وإن كانت موزعة بين هؤلاء وغيرهم، بل ربما كان للفريق الأول النصيب الأوفر، إلا أن الآخرة تخص الفريق الثاني فحسب..

يقول الله تعالى في الـــقرآن الكريم: (تـــلك الدار الآخرة نـــجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين)(1).

فكل من أراد علواً، أو أراد فساداً، لا نصيب له من الآخرة!!

إن حب الظهور رأس سلسلة من الإجرامات، ولو نظر الشخص إلى كثير من رؤساء الحكومات العفنة، لرأى أن كل فساد يصدر منهم من: قتل الأبرياء واعتقال الناس بغير حق، وخيانة الشعب، وابتزاز الأموال المحرمة... من آثار حب الظهور، واشتهاء كرسي الحكم والإمارة!!

وليس عبثاً أن يبالغ الإسلام في منع تطلب الرياسة، وذم طلابها.

قال أبو الحسن (عليه السلام): (ما ذئبان ضاريان في غنم قد تفرق رعاؤها، بأضر في دين المسلم من طلب الرياسة!)(2).

إن الذئبين يهلكان أغناماً معدودة ـ على أكثر الفروض ـ وطلاب الرياسة يهلكون أمماً بأكملها، ويفسدون الزرع والضرع!!!

إن الأمر لا يقف عند هذا الحد، بل ذاك أعظم بكثير!

قال الإمام الصادق (عليه السلام): (ملعون من ترأس، ملعون من هم بها، معلون كل من حدث نفسه بها!!)(3).

ولكن ليس معنى ذلك، أن يجتنب الأكفاء مقامهم، ويخلوها للمفسدين، إن هذا اعوجاج فهم في فقه الدين، وزيغ عن مقصد الأحاديث، إن معنى ذلك أن يتطلبها من ليس لها بأهل ـ كما هو كذلك في الكثرة الغالبة ممن يتبوأ مقعد الرؤساء ـ.

أما أن يطلبها من يريد الإصلاح والإرشاد، دون رياء أو شهوة سمعة.. فإنه طلب الحق لإقامة الحق، وإليه أشار الحديث: (من طلب الرياسة لنفسه هلك، فإن الرياسة لا تصلح إلا لأهلها)(4).

(قال سفيان بن خالد: قال أبو عبد الله (عليه السلام) ـ يعني الصادق ـ: إياك والرياسة! فما طلبها أحد إلا هلك. فقلت له: جعلت فداك! قد هلكنا إذاً! ليس أحد منا إلاّ وهو يحب أن يذكر ويقصد، ويؤخذ عنه؟! فقال: ليس حيث تذهب، إنما ذلك: أن تنصب رجلاً دون الحجة، فتصدقه في كل ما قال، وتدعو الناس إلى قوله)(5).

والرجل دون الحجة، هو الذي لا يليق، أما اللائق فهو الحجة الذي ينبغي أن يقتدي بأعماله.

وقد حكى الله تعالى قولة خيار عباده الصالحين الذين يقولون: (واجعلنا للمتقين إماماً)(6).

 

1 ـ سورة القصص: الآية 83.

2 ـ بحار الأنوار: ج66، ص145.

3 ـ الكافي: ج2، ص298.

4 ـ بحار الأنوار: ج66، ص154.

5 ـ بحار الأنوار: ج66، ص154.

6 ـ سورة الفرقان: الآية 74.