الفهرس

فهرس الفصل الرابع

المؤلفات

 الأخلاق والسلوك

الصفحة الرئيسية

 

إكبار النفس

كل صغير يرى نفسه كبيراً، وذلك دليل صغر النفس، وضعة الروح!

فالنفس يصيبها ما يصيب العين ـ أحياناً ـ من قصر النظر، فيرى القريب، ولا يرى البعيد!

والإنسان مجبول على تكبير نفسه، وتزيين عمله، مهما قل وقبح.

وكلما قويت هذه النزعة في النفس، انحطت، وخف وزنها، وضعف عملها..

وكلما انعكس الأمر، فرأى الشخص نفسه صغيراً، وعمله حقيراً، ثقلت نفسه، وازدادت همتها، وبَعُد نظرها، فهو ينشد الكمال دائباً، ويطلب الرقي أبداً، حتى يصل.. (إن من جد على الدرب وصل).

ويقال: إن هذا الشعور هو سر تقدم المعاقين كمن به عرج أو عمى أو.. لأنه يرى نفسه ناقصاً أمام الناس، فيدأب لكي يثقل نفسه علماً وأدباً و... حتى يعلو نجمه، ويرتفع قدره.

وقد حارب الإسلام هذه النزعة أشد المحاربة، حرصاً منه على ترفيع المجتمع، وترقية الأفراد، وقد استغرب القرآن تزكية المرء نفسه، قال تعالى: (ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء...)(1).

ونهى المسلمين نهياً صريحاً عن تزكية أنفسهم: فقال ـ بعد ما عرض بضعفهم السابق إلماعاً إلى ضآلتهم، وتذكيراً لضعفهم ـ: (... هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن أتقى)(2).

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا تحقروا شيئاً من الشر وإن صغر في أعينكم، ولا تستكثروا شيئاً من الخير وإن كثر في أعينكم..)(3).

والحكمة في ذلك واضحة، فإن كل شيء إذا صغر في عين الإنسان أتى بما فوقه، وكل شيء إذا كبر في نفسه، لم يأت بما فوقه. فإن استصغر الشر أتى بشيء آخر، وإن استكثر الخير لم يأت بخير أكبر، وكلاهما مفسدة للدنيا والدين!!

وقد جمع الإمام الصادق (عليه السلام) كل ذلك في كلمة رائعة يحكيها عن الشيطان قال: (قال إبليس ـ لعنه الله ـ لجنوده: إذا استمكنت من ابن آدم في ثلاث، لم أُبال ما عمل، فإنه غير مقبول منه!: إذا استكثر عمله ونسى ذنبه، ودخله العجب!!)(4).

وليس العجب دائر في فلك العبادة ـ كما يرتئيه كثير ـ فإن العجب مذموم في كل مجال:

مجال العبادة والابتهال، مجال العلم والثقافة، مجال الصنعة والاختراع، مجال الزعامة والرئاسة..

ولذا أطلق الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) كلمته الرائعة: (العجب هلاك، والصبر ملاك)(5).

لكن ليعلم الفرق بين إكبار النفس والعمل، وبين علو الهمة، ان الثاني من الفضائل ويصحبه الاعتزاز بالنفس، لا اعتزاز المعجب الخوار، بل اعتزاز العامل العملاق، بخلاف الأول فإنه رذيلة مردية، طالما تودي بصاحبها، وتسقطه عن الحيوية والنشاط.

يقول الإمام السجاد (عليه السلام) في دعائه المسمى بـ(مكارم الأخلاق): (اللهم صلّ على محمدٍ وآل محمد وحلني بحلية الصالحين، وألبسني زينة المتقين، في بسط العدل، وكظم الغيظ.. واستقلال الخير وإن كثر، من قولي وفعلي، واستكثار الشر وإن قل، من قولي وفعلي..).

إنه طموح وعلو همة، وتخلية للنفس عن الشوائب الزائفة، وفرق بينه وبين الإكبار الطائش.

 

1 ـ سورة النساء: الآية 49.

2 ـ سورة النجم: الآية 32.

3 ـ وسائل الشيعة: ج11، ص246.

4 ـ بحار الأنوار: ج65، ص315.

5 ـ بحار الأنوار: ج65، ص315.