الفهرس

المؤلفات

 الأخلاق والسلوك

الصفحة الرئيسية

 

تمهيد

هذا عرض موجز للأخلاق الإسلامية، إنتزعناه من الكتاب والسنّة المصدرين للشريعة الحنيفة، إلماعاً إلى الرصيد الضخم الذي يعتز به هذا الدين من الفضيلة البشرية، والمبادئ الإنسانية. وقد يملك الإنسان العجب حينما يرى البون شاسعاً بين القيادة المحمدية (صلى الله عليه وآله وسلم) في الأخلاق، وبين المستوى الذي انحط إليه خلق المسلمين في العصر الحاضر، وليس هذا ـ لدى التدقيق ـ إلاّ من خطوط الاستعــمار العريضة الذي سلب المسلمين كل شيء من مبدأ ودين، وفضيلة وأخلاق.. وأبعد المسافة بين الشبيبة وبين الكتاب والسنّة، حتى لا يقوم لهم عماد، ولا يتقدم أحدهم بطلب دية القتيل الذي تقطر براثنه الوحشية من دمائه، القتيل الذي كان عزهم ورفعتهم، ودنياهم وآخرتهم، واستقلالهم وسيادتهم.

حتى لقد زعم بعض المسلمين ـ وهم في أحضان الكتاب والسنة ـ أن سبب تأخرهم هو دينهم، وعلة فساد أخلاقهم هي تمسكهم بمبادئهم، وبذلك أصبح يفر المريض من علاجه، إلى حيث يكمن موته المحتوم والقوم بعد سادرون في التبعيد، والمسلمون بعد سائرون على المنهاج المصطنع، وكلما زاد المسير، ابتعدوا عن المقصد.

ومن المدهش حقاً: أن يتهافت شباب المسلمين على فتات من موائد الغرب أو الشرق، زاعمين أنه غذاء الروح وحده، فإذا ظهر كتاب (كيف تكسب الأصدقاء) هرعوا إليه، من غير علم بأن ما فيه ليس إلا جزءاً من ألف جزء من رصيدهم الثقافي الأخلاقي الضخم، الذي نثره بين أيديهم كتابهم وشريعتهم من قبل أربعة عشر قرناً، ثم لا يبالون بأن ينسبوا الرجعية والجمود إلى شريعتهم، ويدّعون خلوّها عن الفضائل!!

إن من ينصف لابد له أن يعترف بأن الإسلام أغنى شرائع السماء، وقوانين الأرض، وكلمات الحكماء، وآداب الكتاب، وقصائد الشعراء.. من جهة شمولها على كنوز الفضيلة الممتعة، ومعادن الأخلاق الغنية، بل لو أنك جمعت كل الحكم والقصائد المنثورة والمنظومة مما ورثها الأنبياء والفلاسفة و... لوجدت الإسلام أغناها جميعاً من هذه الناحية، مما نص عليه الكتاب والسنة هذا مع غض النظر عما ورثه الصالحون من علماء المسلمين.

إن الدين الإسلامي منذ أن أعلن نبيه العظيم (صلى الله عليه وآله وسلم) (بعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق)(1) أبدى شيئاً لم يكن من قبل، وهو الارتباط الوثيق بين الدين والخلق، حتى أن كل شعيرة من شعائر الإسلام متلاحمة مع فضيلة من الفضائل، فلا الدين وحده، ولا الأخلاق وحدها، بل دين وأخلاق. وسيأتي عرض النواحي الأخلاقية لطائفة من الأحكام الشرعية، مما يؤكد على أواصر القرابة المشجرة بين الإسلام والفضيلة.

فمن لا فضيلة له، لا دين له، وإن صلى وصام وزكى وحج.. ومن لا دين له، لا فضيلة له، وإن جاد وأعطى، وواسى ووفى..

وبعد: فإن مجرد العلم بالأخلاق دون الاتصاف بها غير مجدٍ ومثالها مثال الجسد بلا روح. وكذا لا يجدي العلم بمحاسن الصفات، ومساوي الملكات، وإن برع العالم بها وقدر على ترصيفها ووصفها، وتقسيمها وجمعها، ودرى أن أيها داخل في القوة الشهوية وأيها مرتبط بالحالة السبعية.

كما لا ينفع العلم بالدواء، من دون معرفة كيفية استعماله.

إن النافع هي الملكة الحاصلة من التكرر، حتى تنطبع في النفس الصفة الحميدة، وتنمحي عنها الخصال الفاسدة، ويصبح الرجل والكرم ـ مثلاً ـ منتهى أمنيته، والشجاعة نقش طبيعته، يجود في كل مناسبة، ويقدم في كل هول..

وحينذاك يمكن أن يطمئن الرجل بوجود الفضيلة في نفسه، وانعدام الرذيلة عنها، لكن دون هذا عقبات وعقبات.

وليس أجدى لتحصيل الملكة من دوام التذكر، والاستمرار في العمل، فإن النفس كالورق الأبيض، يؤثر فيها المحيط والبيئة والتربية والتعليم.. وينطبع فيها الغالب من الصفات. وليس الانطباع في النفس أمراً يسيراً، بل يحتاج إلى التكرر والمداومة. وأما لو انطبع فيها لون من ألوان الرذيلة، فالأمر أصعب بكثير، إذ يحتاج إلى إزالة تلك الملكة، وإيجاد ملكة أخرى.

ومن الجدير بالذكر أن الإنسان مهما تعب لتحصيل الفضيلة، وإزالة الرذيلة، لم يكن عمله عبثاً أو قليل الفائدة ـ كما يزعم البعض ـ إذ مدار الرقي، والذكر الحسن.. ليس إلا الفضيلة فحسب. أما سائر الأشياء كالشرف الرفيع، والجاه العريض، والمال الغزير، بل: والعلم الواسع فلا تعد شيئاً يذكر، ما دام الشخص خالٍ عن حلية الأخلاق الحسنة وإن احتاج إليه الناس، وركعوا أمام شرفه أو جاهه.. فإنه عرض زائل، لا بقاء له ولا دوام.

محمد بن المهدي الحسيني الشيرازي

 

1 ـ بحار الأنوار: ج64، 382.