الفهرس

المؤلفات

 الأخلاق والسلوك

الصفحة الرئيسية

 

الدعاء والمصالح الإلهية

ينقل عن سماحة آية اللّه العظمى الميرزا الكبير السيّد ميرزا محمد حسن الشيرازي (قدس سره) أنه أصبحت له ـ بعد قصّة التنباك ـ شخصية عالمية بارزة، بحيث كان السلطان عبد الحميد(1) يثني عليه ويحترمه، فلمّا مرض الميرزا مرضه الأخير الذي توفّي فيه، أقام المسلمون لشفائه ـ وفي كل أنحاء العالم الإسلامي ومنها البلاد العثمانية ـ مجالس الدعاء ووضع القرآن على الرؤوس تضرّعاً إلى اللّه سبحانه وتعالى ليعافيه.

ومع هذا كانت صحّة الميرزا تتدهور يوماً بعد يوم نحو الأسوأ إلى أن حضرته حالة الاحتضار فإذا به يفتح عينيه فتوجّه من كان حوله وقالوا له: لقد وصلتنا من غالب البلاد الإسلامية مثل إيران والعراق والقفقاز والبادكوبة وطاجيكستان وبعض مدن أفريقيا وغيرها اتّصالات وبرقيّات كثيرة تعبّر عن صدق دعوات أصحابها بالشفاء العاجل لسماحتكم، وقلق الجميع عمّا أصابكم.

فلمّا سمع الميرزا ذلك أجابهم بكلمة خالدة سجّلها التاريخ قائلاً: (يا مَن لا تبدّل حكمته الوسائل)(2) ثمّ غمض عينيه وردّد الشهادات الثلاث وفارقت روحه الطاهرة الحياة (قدس اللّه سرّه).

ومن الواضح: إنه يلزم بنا شرعاً أن ندعوا ونتضرّع ونتوسّل إلى اللّه تعالى ونطلـــب منه حوائــجنا بإلحاح ـ كمـــا في الروايات(3) ـ وفي نفس الوقت نفوّض إليه أمرنا، لأنّه تعالى هو الأعرف بمصالحنا، فإن شاء أجابنا، وإن شاء عوّضنا، ولكن الحكمة ـ كما قال الميرزا نفسه ـ: قد اقتضت باستضافة الميرزا إلى رحاب رحمة اللّه ورضوانه، فجرى القضاء وانتقل سماحته إلى جوار أولياء اللّه وأصفيائه محمّد (ص) وآله الطاهرين (صلوات اللّه عليهم أجمعين) وعلى أثره لبس العالم الإسلامي أبراد العزاء وراح يموج بأهله في مجالس الفاتحة إلى روحه الزكيّة ويقيم محافل التأبين إحياءً لذكراه.

التجلّي في سرداب الغيبة

نقل لنا أحد علماء قم المعمّرين وكان قد رأى والدنا(4) وعاشره: بأنّ المرحوم والدنا قد تشرّف بلقاء الإمام الحجّة (عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف) مرّتين:

مرّةً: في سرداب الغيبة، والثانية: في هور صالح في النجف الأشرف. ولكن لم ينقل لنا والدنا المرحوم من ذلك شيئاً.

قال المتحدّث المذكور في تفصيل قصّة تشرّف والدنا بلقاء الإمام الحجّة (ع) في سرداب الغيبة:

إنّ والدنا (أيّام تشرّفه في سامراء) كان يذهب في الليل لزيارة السرداب المقدّس ويبيت فيه إلى الصباح مشتغلاً بالعبادة وقراءة الأدعية وتلاوة القرآن، وفي أيّام الجمعة كان يبقى لقراءة دعاء الندبة ثمّ ينصرف بعدها إلى منزله، وحيث كانت سامراء خالية من الزوّار في أكثر أوقاتها، ولم يكن هناك من يأتي لزيارة السرداب المقدّس قال المتحدّث المذكور نقلاً عن والدنا أنه قال له:

كنت مطمئنّاً بعدم مجيء أحد لزيارة السرداب المقدّس، ولذلك كنتُ عند تشرّفي للزيارة أغلق الباب على نفسي من الخلف لأكون فارغ البال كامل التوجّه إلى اللّه تعالى في دعائي وتوسّلي بوليّه صاحب العصر والزمان (عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف).

وفي صباح يوم جمعة وأنا مشتغل بقراءة دعاء الندبة وقد أغلقتُ الباب على نفسي، وصلتُ في الدعاء إلى هذه الفقرة: (وعرجت بروحه إلى سمائك) وإذا أنا بسيّد جليل وهو جالس إلــى جنبي يشير إليّ بيده ويقول: (وعرجت به إلى سمائك) مكان: (وعرجت بروحه إلى سمائك).

فأعدتُ الفقرة كما أشار عليّ السيد الجليل وواصلتُ قراءتي للدعاء وأنا غافل تماماً عن عمق الواقع، وعن الحقيقة التي اتّفقت لي، وعن إشارة السيّد في تبديل الفقرة، وعن شخصيّة السيّد نفسه، حتّى إذا مضيتُ في مواصلة الدعاء، وانقضت مدّة يسيرة، وإذا بي ألتفتُ إلى نفسي متسائلاً: يا ترى من كان هذا السيّد الجليل؟ ومن أين دخل السرداب المقدّس؟ ألستُ قد أغلقتُ الباب على نفسي بحيث لا يستطيع أحد الدخول إليه؟ ألم أطمئنّ بعدم وجود أحد في السرداب المقدّس؟

وأخذت هذه الأفكار تساورني وتدور في رأسي وتقودني إلى معرفة الواقع وكشف الحقيقة، هذا وقد أخذت مني القشعريرة كل مأخذ وتركت أعضائي ومفاصلي ترتجف بشدّة، وقلبي يدقّ باضطراب وقوّة، وما إن استطعتُ أن اُحوّل وجهي إلى المكان الذي كان السيّد الجليل يجلس فيه لأرى محيّاه، لم أرَ أحداً، وكلما فتشتُ عنه لم أجد في السرداب المقدّس لأحد شخصاً، فاطمأننتُ إلى أنه لم يكن إلاّ سيّدي ومولاي صاحب العصر والزمان (أرواحنا له الفداء).

هذا ولا يخفى أن الفقرة في دعاء الندبة منقولة بالوجهين: (وعرجت بروحه)... و(وعرجت به...).

أمّا وجه: (وعرجت به...) فواضح وعليه اتّفاق الإماميّة، إضافة إلى اعتراف العلم الحديث به وإثبات وقوعه، لأن اللّه تعالى عرج بنبيّه روحاً وجسماً إلى سمائه، إذ المعراج كان معراجاً جسمانيّاً وروحياً وليس معراجاً روحيّاً فقط كما يتّفق للنائم الذي يرى الأحلام في منامه.

وأمّا وجه: (وعرجت بروحه) ـ لو كان النقل صحيحاً ـ فليس معناه: العروج بالروح دون الجسم، بل معناه: العروج بالجسم والروح معاً، لكن تلك الروح الخاصّة التي خصّها اللّه تعالى بنبيّه والمعصومين من أهل بيته (صلوات اللّه عليهم أجمعين) وبتلك الروح القدسيّة استطاع رسول اللّه (ص) أن يعرج بجسمه إلى السماء وأن يرى ملكوت السماوات والأرض.

هذا إضافة إلى أنّ المتعارف عند أهل اللغة العربية أنهم أحياناً يطلقون كلمة (الروح) ويريدون بها الجسم والروح معاً، كما ويطلقون (الجسم) ويريدون به الجسم والروح معاً أيضاً، فمثلاً لو اتكأ شخص على أخر يقول له: لا تجعل روحك عليّ، أو يقولون: أنا جئت بروحي، أو: ذهبتُ بروحي وهكذا.

مع هدية الإمام الكاظم (ع)

ينقل عن المرحوم السيد عبد الله شبّر (قدس سره) الذي عاش قبل مائتي عام تقريباً، وله مؤلفات كثيرة ومفيدة، أنه قبل بدئه بالتأليف وعلى أثر إخلاصه ومعنوياته، وطيب نفسه وتوسّله بأهل البيت (ع) وخاصّة بالإمام موسى بن جعفر (ع) رأى ذات ليلة الإمام موسى بن جعفر (ع) في المنام وقد أعطاه قلماً وأمره بالتأليف.

فلما استيقظ من نومه رأى ذلك القلم الذي أعطاه الإمام (ع) في النوم موجوداً في يده، فلبّى أمر الإمام (ع) واشتغل بالتأليف.

وحيث كان مرعياً بنظر الإمام موسى بن جعفر (ع) استطاع أن يؤلّف بذلك القلم مؤلفات كثيرة من ذلك الوقت إلى آخر حياته، ويخلّفها صدقة جارية من بعده، وهذه من كراماته العجيبة (رحمة الله عليه).

وقيل: إنه حتى في اللحظات الأخيرة من حياته كان مشغولاً بالتأليف، حيث وجدوه ميتاً، وفي قلمه آثار من رطوبة الحبر.

من بركات الدعاء والتوسل

نقل المرحوم السيد علي شبّر (قدس سره) أنه كان في النجف الأشرف بيتاً مشهوراً بالشؤم، حيث إنه لم يسكنه أحد إلا أصيب فيه ببلاء: من فقر، ومرض، وموت عزيز، وما أشبه ذلك.

ولهذا السبب كان ثمن إيجار هذا البيت رخيصاً جداً بحيث يرغب فيه كل من لا سعة له من المال، ولكن ما أن يسكنه مدّة إلا ويندم على سكناه فيه ويسرع في تركه والانتقال عنه.

يقول السيد: وحيث كنّا ممّن لا سعة له من المال فكّرنا من باب الاضطرار في استيجار هذا البيت وعلاج شؤمه بواسطة الدعاء والتوسّل بالله والرسول وأهل بيته الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين) وتلاوة آيات القرآن الحكيم آناء الليل وأطراف النهار، والتعويذات المجرّبة في هذا المجال.

ثم استأجرنا ذلك البيت وفعلنا كل ذلك في أول يوم نزلنا فيه، وما أن جنّ علينا اللّيل وأخذنا مضاجعنا ورقدنا فيه إلا ورأيتُ في المنام سيّداً جليلاً تعلوه شيبة ووقار، وتكسوه هيبة وجلالة، وهو يُقبل إليّ، ويتجه نحوي، حتى إذا اقترب مني قال معاتباً: إني لم أكن أتوقّع منكم عملكم هذا!

فقلت له متعجّباً: وأيّ عمل صدر منّي لا تتوقّعونه؟

قال: إنكم تتخلّون على قبري.

قلت: معاذ الله أن نفعل ذلك.

قال: نعم إنكم تفعلون ذلك.

قلت: وكيف؟ وما هو دليلكم عليه؟

قال: إن قبري الذي دُفنت فيه قد اندثر، وذهبت معالمه، فاتخذتم بيت الخلاء في بيتكم وبنيتموه على موضع قبري.

فانتبهتُ على أثر كلامه ذلك فزعاً مرعوباً، وانتظرتُ مجيء الصباح كي أستطيع إصلاح الأمر، وبالفعل لما أصبح الصباح جئتُ بأحد البنائين وطلبتُ منه هدم بيت الخلاء وبناءه في مكان آخر من البيت بعيد عن هذا المكان

فاشتغل البنّاء بالعمل، فلمّا هدم الموضع وإذا بقبر قد ظهر، وعليه اسم شخص فلمّا رفعنا حجر القبر وجدنا تحته جسداً طريّاً سالماً لم يتغيّر أبداً، ولم يتغيّر حتى كفنه الذي كفّن فيه، وإن الناظر إليه ليراه كأنّه قد مات الآن.

فبنينا القبر من جديد وأظهرنا معالمه، وأعدنا إليه حرمته وكرامته، ثم بقينا في البيت بعد ذلك مدّة طويلة من الزمن دون أية مشكلة، وذهب والحمد لله ببركة الدعاء والتوسّل شؤم البيت نهائياً.

وهكذا تبيّن لي سبب شؤم البيت وحصول تلك المصائب على ساكنيها من قبل، وقد شاء الله سبحانه أن يدفع ذلك البلاء عنّا بسبب تلك التوسّلات والأدعية.

ثم إن السيد المذكور قال في نهاية قصّته: وبعد ذلك التقيتُ بالعلاّمة النحرير الشيخ آقا بزرك الطهراني صاحب (الذريعة) وسألته عن هذا الاسم الذي كان مكتوباً على ذلك القبر؟

فأخبرني أن هذا الشخص كان من علماء الشيعة وأحد مصنّفيهم، ونقل لي بعض ميّزاته ومواصفاته.

ذكر الله وآثاره

جاءني يوماً ـ وأنا في الكويت ـ شابّ وسيم المنظر من أهل السنة، وكان على وجهه آثار المضاضة والألم، فاستأذنني في بيان قصّته.

فلمّا أذنت له قال: إنني موظّف في أحد فنادق الكويت ومنذ زمن غير بعيد أصبت ببلاء أليم أثّر على نومي وأكلي وكلّ شؤوني حتى أخذ مني مأخذاً عظيماً، وذلك بسبب فتاة من الجنّ تأتيني في نومي وتؤلمني حتى الصباح لكما وضرباً، وعضّاً وقرصاً، فتسلبني نومي.

ثم كشف عن رجليه ويديه وأراني ما عليها من آثار ذلك العضّ والقرص، واللكم والضرب.

ثم أضاف قائلاً: إني راجعتُ كل الأطبّاء والدكاترة في هذا الشأن، فلم يكن جوابهم إلا قولهم: إنك متوهّم.

فلما يئستُ منهم راجعتُ الفوّالين والرمّالين حتى يئستُ منهم أيضاً، ثم فكّرتُ في مراجعة رجال الدين وقلت في نفسي: إنه إن يكن شيء ينفع فهو عندهم.

فأمرته أن يحمل معه بعض التعويذات والأدعية لتكون معه دوماً، وأمرته أن يستغفر الله كثيراً، وأن يلهج بذكر لا إله إلا الله، وأن يقرأ في كل يوم القلاقل الأربعة وهي المعوّذتان والتوحيد والكافرون، وبعض الآيات القرآنية الاُخرى، مثل قوله تعالى: (يُرسل عليكم شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران)(5).

ولمّا أراد أن ينصرف قلت له: أخبرني عن نتيجة أمرك.

قال: حتماً، ثم انصرف.

وبعد شهر تقريباً من تلك القصّة، جاء الشابّ ذاته مستبشراً فرحاً على ثغره بسمة الانتصار، وعلى وجهه آثار الصحّة والسلامة، فأقبل عليّ وحيّاني وشكرني كثيراً لنجاته وخلاصه من ذلك البلاء العظيم، ثم أراد تسليمي مبلغاً من المال فرفضت ذلك وقلت له: نحن لا نعمل شيئاً مقابل المال.

قال: إني منذ تلك الليلة التي راجعتكم في صبيحتها وأعطيتموني تلك التعليمات النافعة، أخذتُ مضجعي بكلّ راحة وفراغ بال، فإنّه لم يزاحمني بعد ذلك أحد والحمد لله.

نعم، يقول الله تعالى في كتابه الكريم: (ألا بذكر الله تطمئنّ القلوب)(6)، ويقول تعالى أيضاً: (إنّ الذين اتّقوا إذا مسّهم طائف من الشيطان تذكّروا فإذا هم مبصرون وإخوانهم يمدّونهم في الغيّ ثمّ لا يُقصرون)(7).

دعوة مستجابة

لأتباع مذهب أهل البيت (ع) تاريخ مشرق، فقد ثبت على طول التاريخ إنهم متى ما وقع الحكم بيدهم عدلوا، ومتى ما قدروا عفوا، ومتى ما ملكوا سجحوا، بينما التاريخ قد أثبت معاملة العكس للآخرين.

فهذا أحد ملوك الأفغان ويدعى محمود شاه أفغاني، من حقده على الشيعة وشدّة عدائه لهم قد جَنّد قبل قرن تقريباً جيشاً جرّاراً باتّجاه إيران وخلّف الدماء والدمار في أرجائها ومن أقبح جرائمه هو أنه أمر جنوده بانتهاك الحرمات واقتحام البيوت وإرعاب الآمنين، كما وأمرهم أن يأتوا إليه بكل بنت جميلة وفتاة وسيمة يجدونها في البيوت.

وذات مرّة وجد جلاوزته بنتاً جميلة من العلويّات فهمّوا بأخذها ولكن البنت أبت وامتنعت عليهم، فلما يئست من مقاومتها لهم استعطفتهم بطريق البكاء والتوسّل، فأجهشت هي وأبوها العجوز بالبكاء والنحيب، وتوسّلا بالجلاوزة بأن يخلّوا سبيلها، لكن دون جدوى، لأن الجلاوزة لا يفكّرون إلا في إرضاء الطاغية والنزول عند رغباته الدنيئة، ونزواته الوضيعة، مهما كلّفهم الأمر وأعقبه من ويلات ودمار، وبذلك يجعلون من أنفسهم جسراً لوصول الطاغية إلى مآربه وشهواته، ولم يجلبوا لأنفسهم سوى اللعنة والعار، والعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، بعد أن يسجلوا أنفسهم مع من باع آخرته بدنيا غيره، ولذلك على أتباع السلطان وكل من يعيش على مائدته أن يقدّروا أنفسهم ولا ينزلوا بها إلــى حضيض الذلّ والعار، وهوان جهنّم ودركاتها.

وكيف كان، فإن أولئك الجلاوزة لم يعبأوا ببكاء البنت ولم يحنوا على ضعف أبيها العجوز، بل أخذوا يسحبونها ويقولون: نحن مأمورون، والمأمور معذور، وهذا أيضاً من تحريفات الطواغيت ومن تسويلات النفس والشيطان، فإن المأمور في هكذا أمور ليس كما هو المعروف على الألسنة بأنه (معذور)، بل هو كما في الحديث الشريف: (مأزور) يعني عليه الوزر والعقاب من الله تبارك وتعالى.

نعم جرّ الجلاوزة الفتاة العلويّة أمام عيني أبيها واقتادوها للطاغية، فلم يملك الأب العجوز ما يدفع به عن نفسه وما يستنقذ به ابنته منهم، إلا أن رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم إنك تعلم حالنا وما نزل بنا، فخلّصني وابنتي من هؤلاء الظالمين، ومن العار والشنار، ثم أرخى عينيه بالبكاء.

ولم ينفك يبكي ويدعو ولم تطل المدّة على هذا الأب الوالد حتى استجاب الله تعالى دعاءه، وفرّج عنه وعن ابنته، فبينما هو كذلك إذ دخلت عليه ابنته العلويّة وهي فرحة مستبشرة.

فقام إليها أبوها العجوز وعيناه تجريان دمعاً من الفرح والسرور، فاعتنقها وهو يبكي ويقول: أأنتِ ابنتي؟!

فتجيبه: نعم، يا أبة أنا ابنتك، وقد فرّج الله عنّي استجابة لدعائك لي.

فقال: وهل لك أن تقصّي عليّ قصّتك؟

قالت: نعم يا أبة، لما أخذني الجلاوزة إلى السلطان الطاغية، ولم أكن وحدي، بل كانت هناك فتيات كثيرات أُخذن إلى الطاغية قهراً، فأمر الطاغية أن يجعلونا في إحدى غرف قصره ويهيّئونا له، ونحن نبكي ونتوسّل إلى الله في خلاصنا منه، وإذا بالطاغية يصاب بألم شديد في بطنه يسلبه قراره ويفقده لبّه ونظامه، فعمّ القصر اضطراب شديد، وعلا كل من في القصر قلق وخوف أدّى بالطاغية أن يأمر بإطلاق سراح كل الفتيات والإفراج عنهنّ. فخرجنا فرحين وأتينا بيوتنا سالمين والحمد لله.

وهكذا ظهرت آثار دعوة هذا الأب العجوز، التي كانت عن توجّه خاص وانقطاع صادق إلى الله تعالى، واضحة جليّة.

وفي رواية عن أمير المؤمنين (ع) قال: إن الله تبارك وتعالى أخفى أربعة في أربعة: أخفى رضاه في طاعته فلا تستصغرنّ شيئاً من طاعته، فربما وافق رضاه وأنت لا تعلم، وأخفى سخطه في معصيته فلا تستصغرنّ شيئاً من معصيته، فربما وافق سخطه في معصيته وأنت لا تعلم، وأخفى إجابته في دعوته فلا تستصغرنّ شيئاً من دعائه، فربما وافق إجابته وأنت لا تعلم، وأخفى وليّه في عباده فلا تستصغرنّ عبداً من عبيد الله، فربما يكون وليّه وأنت لا تعلم(8).

وهذه الرواية وأمثالها تفرض على الإنسان العاقل ناهيك عن المؤمن بأن يلتزم بهذه الأمور الأربعة: من المواظبة على الدعاء والتوسّل الدائم بالله وبرسوله وأهل بيته الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين)، واجتناب كل ذنب ومعصية، واحتساب كلّ حسنة وطاعة، واحترام الآخرين وتوقيرهم وإن كانوا أقلّ منه شأناً ومقاماً.

لا تبع آخرتك بدنيا غيرك

كان هناك عالم آخر من علماء (كرمان شاه) وهو المرحوم الشيخ فرج الله الموموَندي، وكان أيضاً من أصدقاء المرحوم والدنا ومن تلاميذ المرحوم الميرزا محمّد تقي الشيرازي (قدس سره) وقد نال على يديه درجة الاجتهاد.

وكان من امتيازات هذا الشيخ (رحمه الله) أنه كان ملتزماً أشدّ الالتزام بقوانين الشريعة وأحكام الدين الإسلامي الحنيف، وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ولا يخشى أحداً حتى أصبح مطارداً من قبل النظام الجائر، نظام البهلوي، ومطلوباً للقبض عليه.

فلما ألقي القبض عليه يقول: جاءوا بي إلى ضابط من ضبّاط النظام ولم أعرف هل أنه كان مسلماً أو أنه لم يكن له دين أصلاً، فإنهم لمّا أدخلوني عليه رأيته مستلقياً على كرسيّ له وبيده جريدة يطالعها، فلمّا سلمتُ عليه لم يرد سلامي وإنما ردّ عليّ بالسباب والكلمات القبيحة، وليس هذا عجيباً لأنّ الناس على دين ملوكهم.

والموقف كان مزرياً إلى درجة جعلني أتأثّر بشدّة، فأخذتُ اُتمتم مع نفسي وأقول: يا صاحب الزمان إني جمدي لك وهذا جندي للبهلوي، سيّدي أنت تعرف بأنّي أطلب العلم لإصلاح نفسي، ولهداية الأمة، هذه الأمّة التي أصبحت تعاني من الانحرافات التي أشاعها البهلوي والمبادئ الضالّة التي روّجها نظامه، سيّدي إنك لا ترضى بإهانة أحد جنودك على يد واحد من جنود البهلوي.

وأخذتُ أتوسّل بالإمام الحجة (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بتوجّه وانقطاع، وذلك الضابط ما زال يسبّني أيّما سبّ، ويقع فيّ أيّما وقيعة، شتماً وقذفاً بلا هوادة ولا رحمة، وبينا هو كذلك وإذا بعقرب كبيرة تقع من السقف وبلا سابق إنذار على صدره وتضطرّه إلى أن يتركني ويلوذ بالفرار ذليلاً خائفاً وجلاً مرعوباً، وهكذا تخلّصتُ والحمد لله من شرّه متيقّناً من أن هذا الخلاص هو بلطف الإمام الحجة (صلوات الله عليه).

كان هذا ما أغاثني به مولاي صاحب الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بالنسبة إلى هذا الضابط وتداركني بالخلاص من ظلمه وشرّه، ولكن لم يكن آخراً، فقد انصبت على هذا الضابط سلسلة من المشاكل والمصائب أودت أخيراً بحياته وتركته فريسة للموت وعبرة لمن اعتبر.

وقد رأيته في أخريات أيامه ضعيفاً نحيفاً مصفرّ اللون شاحب الوجه، فتحقّقتُ عن سبب ذلك، فتبيّن أن جماعة من أهل تلك المنطقة قد ضاقوا من ظلمه وجوره، وثقل عليهم سوء سلوكه وتصرّفاته، فأخذوا يتربّصون به الدوائر، ويترصّدونه للانتقام منه ومن أعماله العشوائية، ويتحيّنون الفرصة لمجازاته على وحشيّته وسوء أدبه.

وبالتالي عثروا عليه في مكان وحده، فأخذوه من دون أن يعلم بهم أحد من جلاوزة النظام، ومن دون أن يراهم أحد حتى يغيثه أو يخلّصه من أيديهم، أو يخبر عنهم أجهزة النظام وأعوان السلطان، ولذلك أخذوه بكل بساطة إلى مكان مجهول، ليذيقوه بعض الذي عمله تجاه الناس الأبرياء، ويًرَونه شرّ ما يصنعه بالآخرين من بني نوعه.

وبالفعل فقد ذهبوا به خارج البلد وفي مكان مستور عن أعين الناس وغلّوا يديه ورجليه وتركوه وحده، ثم جاءوا بدبّ وحشي صغير وربطوه بالقرب منه، والدبّ هذا وإن كان صغيراً لا يمكنه افتراس الإنسان، إضافة إلى إنهم كانوا قد قيَّدوه بما لم يتمكّن معه من الافتراس، لكن شكله المخيف وصورته الموحشة قد يفرغ قلب الإنسان ويملأ جوفه خوفاً ورعباً.

وبالفعل فقد امتلأ قلب هذا الضابط رعباً وذعراً، كلما رأى الدبّ ينظر إليه شزراً، ويعضّ عليه نواجذه حنقاً، وهو يتصوّر أنه يريد افتراسه وتمزيقه، ولّما مضت على هذه العمليّة فترة أيقن فيها هؤلاء الجماعة الذين أخذوه للتأديب بأنه قد تأدّب بهذا، جاءوا إليه وفكّوا الأغلال عن يديه ورجليه وأطلقوا سراحه بعد أن توعّدوه بأشدّ منــها لو لم ينقلع عن سوء أعماله وشراسة تصرّفاته مع الأبرياء من الناس، لكن هذا التأديب كان له الأثر الكبير في كسر غروره وتحطيم روحيته الشريرة، وزرع الخوف والقلق في قلبه، والاضطراب الدائم في نفسه وفكره ممّا أدّى به إلى حالته المزرية تلك التي رآه الشيخ بها.

يقول الشيخ (رحمه الله): لما سمعتُ الخبر ورأيتُ ما أدّى إليه حال ذلك الضابط تأثّرتُ له كثيراً، وتأسّفتُ عليه، لماذا أصبح آلة بيد الظالم كالبهلوي وباع من أجله ليس آخرته فحسب بل دنياه أيضاً، حيث وقع في مثل هذا البلاء الذي اكتسبه لنفسه وبيديه، وفقد بذلك أمنه وسلامة روحه وفكره، كما واعتبرت من قصته أيضاً حيث رأيت أنه قد جوزي من قبل أولئك الجماعة بما يرتكبه هو بنفسه في حقّ الآخرين، فإنه عندما كان يهاجم الذي قبض عليه بتلك الشراسة، ويقذفه بوابل من السباب والشتائم، كان أشبه شيء بهذا الدبّ الوحشي الذي قرنوه إلى جنبه، حيث كان من شكله المخيف وكلامه العنيف يتصدّع قلب الإنسان ويمتلئ جوفه خوفاً ورعباً.

طبعاً هذا جزاؤه في الدنيا، وأمّا في الآخرة فإنّ في الحديث: (من أعان على مؤمن بشطر كلمة لقى الله عزّ وجل وبين عينيه مكتوب: يائس من رحمة الله)(9) هدانا الله جميعاً وأعاذنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.

 

1 ـ السلطان عبد الحميد هو أحد حكّام الدول العثمانية.

2 ـ الصحيفة السجادية: الدعاء الثالث عشر.

3 ـ بحار الأنوار: ج 77 ص 42، ط ـ طهران.

4 ـ المرحوم آية الله العظمى السيد ميرزا مهدي الشيرازي (قدس سره).

5 ـ الرحمن: 35.

6 ـ الرعد: 28.

7 ـ الأعراف: 201 ـ 202.

8 ـ الخصال: ج 1 ص 209 - 210 ح 3.

9 ـ آمالي الطوسي: ج1 ص 201 ب 7 ح 40.