الفهرس

المؤلفات

 الأخلاق والسلوك

الصفحة الرئيسية

 

حافظ القرآن في حماية اللّه تعالى

هذه القصّة نقلها لنا والدنا (رحمه اللّه) علماً بأنّ سماحته كان حافظاً للقرآن، وكان ملتزماً أن يقرأ في كلّ يوم بعض أجزاء من القرآن عن ظهر القلب، فتحدّث لنا قائلاً:

نقل لي أحد الصيّادين المحترفين للصيد ذات يوم وقال: إني خرجتُ إلى الصحراء (وأظنّه قال: كان ذلك في مدينة سامراء المقدّسة) أبحث عن صيد حتى وجدتُ شيئاً يتحرّك فوجّهت فوهة بندقيتي نحو المتحرّك تصوّراً منّي أنه صيد والعجيب أنه كلّما حاولت فتح النار باتّجاه الصيد وضغطت على الزناد ما كانت البندقية تطلق النار، وحين اُغيّر الاتّجاه يميناً أو يساراً كانت البندقية تطلق النار، ثم حين أعود واُوجّه فوهة بندقيتي نحو الصيد كانت البندقية تعود وتتوقّف عن الإطلاق.

كررتُ ذلك مراراً دون جدوى، فقلتُ في نفسي إن هذا لأمر عجيب لا يخلو من سرّ، فعليّ أن أقترب من الصيد وأكتشف سرّ الأمر.

فلمّا اقتربتُ من الصيد فوجئت بأنّه إنسان وليس صيداً، فازداد تعجّبي من ذلك، فدنوتُ منه ونقلتُ له القصّة متسائلاً عن السرّ الكامن في عدم عمل البندقية مع سلامتها كلّما وجهتُ فوهتها باتّجاهه؟!

فأجاب: الحقيقة إني حافظ للقرآن وإنّ حافظ القرآن هو في حماية اللّه سبحانه وتعالى، ومن كان في حماية اللّه تعالى لا يصيبه أذى.

مقام القرآن

ذكر أحد الوعّاظ المطّلعين هذه القصّة قائلاً:

اتّفق جماعة ـ بُغية الالتزام بقراءة القرآن في كل يوم ـ على أن يقرءوا القرآن في صباح كلّ يوم (وهذا الأمر كان متداولاً في تلك الأيام ومتعارفاً حيث كان أكثر الناس يتلون القرآن في الصباح الباكر، وكانت بركات تلاوة القرآن أيضاً تعمّهم).

ولكن أحد هؤلاء المتّفقين على قراءة القرآن لم يلتزم باتّفاقه، كما أن إصرار أصدقائه عليه في الوفاء بالتزامه ـ مع ما كانوا يذكرون له من فوائد تلاوة القرآن في الدنيا وثوابها في الآخرة ـ لم يكن مجدياً في إقناعه، فأصرّ أحد أصدقائه في كشف السرّ الكامن وراء ذلك وأخذ يسأل منه عن سببه.

فأجاب بعد إصرار كثير قائلاً: إن اللّه سبحانه وتعالى قد سلب منّي التوفيق لتلاوة القرآن، وكلّما أردتُ تلاوته عرض لي ما يصدّني عنه.

فسأله الصديق: ألم تعرف سرّ ذلك؟

قال: بلى.

فقال بتعجّب بالغ: وما هو ذلك؟

فأجاب بامتعاض قائلاً: إنه كان لي مصحف جميل، وكنتُ أعتزّ به وأحتفظ به، وأتعاهده كثيراً، وأتلوه دائماً، حتّى صادف أني سافرتُ إلى الحج، فكنتُ أحمله معي وإذا فرغتُ من الطواف في المسجد الحرام قرأت بعض آياته، وذات يوم مررتُ على مكتبة فوجدتُ فيها بين الكتب المعروضة للبيع كتاب ديوان شعر ليزيد بن معاوية قاتل الإمام الحسين (ع)، فأخذتُ الكتاب وجعلتُ أتصفّحه فوجدتُ فيه أشعاراً جميلة ففكرتُ في اقتنائه فسألتُ صاحب المكتبة عن قيمته، فوقع نظره على القرآن الذي كنتُ أحمله معي فأخذه منّي وقلّبه فأعجبه ثم قال: إن كنت تريد الديوان فإني اُريد القرآن، ولا أرضى بغيره.

قلت: إنك صاحب مكتبة وقد عرضت الكتب فيها للبيع بالثمن، فبعني الديوان بالثمن.

قال: القول كما قلت لك، وأبى أن يبيعني الديوان بالثمن.

فتوقّفتُ قليلاً أفكّر في أمري وقد اُعجبتُ بالديوان، وأخيراً اعترتني فكرة تقول: أنه بإمكانك الحصول على قرآن غيره يشبه هذا القرآن، ولكن لعلّك لا تحصل على الديوان لو جزت هذا المكان، وبالتالي استسلمتُ للفكرة وقررتُ إجراء هذه المعاوضة الخاطئة والصفقة الخاسرة، فسلّمتُ إليه القرآن الكريم وأخذتُ مكانه الديوان المشؤوم، وبالفعل فقد أثر شؤمه عليّ منذ ذلك الحين، وسلبني توفيق التلاوة من يوم آثرت ذلك على القرآن وحتّى هذا اليوم.

نعم، هذه بعض الآثار السيّئة لاستبدال مادي بغير القرآن، فكيف بالآثار الوخيمة التي تعقّب الإستبدال المعنوي لقوانين القرآن بقوانين غير القرآن الذي اُبتلي به المسلمون اليوم حيث تركوا تعاليم القرآن وأحكامه إلى تعاليم الغرب وقوانينه، فتركوا قانون الحريّات الإسلامية وقانون الاُمة الواحدة وقانون الأخوّة الإسلامية وقانون الشورى وغيرها، ممّا ذكرناها في بعض كتبنا(1).

المجاهد الذي أصبح ملكاً

يقال: انّ رجلاً من المسلمين كان قد اشترك في إحدى الحروب وأبلى في ساحات الحرب بلاءً حسناً، فلمّا جنّ عليه اللّيل وقد أخذ منه العناء والتعب كلّ مأخذ قصد خيمته ليستريح فيها قليلاً وليستعيد نشاطه وقواه حتّى يعيد الكرّة على العدوّ.

فلمّا دخل الخيمة واستلقى لينام وإذا به يرى قرآناً قد علّق على عمود الخيمة، وهذا العمل كان متعارفاً آنذاك بين المسلمين حيث كانوا يعظّمون القرآن ويتلون آياته، ويعملون بأحكامه، ويهتمّون بتفسيره، ويتبرّكون به، ويطلبون النصر بسببه، والحفظ من البلايا ببركته، فكانوا ينصبونه على عمود الخيمة، وإنّي شاهدتُ ذلك في كربلاء المقدّسة أيّام شهر محرّم حين كانوا ينصبون الخيام في صحني الإمام الحسين وأخيه العباس (عليهما السلام) لإقامة العزاء في أيّام عاشوراء، فكانوا ينصبون القرآن على عمودها لضمان سلامتها، ولكن اليوم ومع الأسف قد ذهبت تلك العادات الحسنة بذهاب أصحابها وقد تغيّرت البلاد ومن عليها.

فلمّا رأى ذلك الرجل المجاهد القرآن منصوباً على عمود الخيمة وقد استلقى لينام وليزيح عن نفسه أتعاب يومه وما أصابه من نصب وإعياء، فكّر في نفسه قائلاً: لو كان القائد في الخيمة مكان هذا القرآن، هل كنت أسمح لنفسي بالنوم أمامه رغم كل ما أصابني من جهد وعناء؟

ثم قال: كلاّ، كيف والقرآن أعظم من القائد ومن الملك ومن كلّ أحد؟

ثم قام فجلس، فلمّا جلس فكّر في نفسه ثانية وقال: هب لو كان مكان هذا القرآن، القائد في الخيمة، فهل كان يحسن بي الجلوس أمامه؟ أم كان عليَّ أن أقف رغم كل ما أحسّه من تعب معظماً له.

ثم أجاب في نفسه: بل كنتُ أمتثل بين يديه تعظيماً. فقام ووقف منتصباً بين يدي القرآن.

ثم فكّر في نفسه ثالثة وقال: المثول بين يدي القائد يجب أن يكون باحترام، فكيف بالمثول بين يدي القرآن؟ فوضع يده على صدره ووقف على هذه الحالة بين يدي القرآن حتّى الصباح، وذلك رغم كلّ ما كان يعانيه من تعب ونصب ومسيس الحاجة إلى النوم والاستراحة.

وفي أثناء وقوفه ذلك أخذته غفوة فرأى في المنام هاتفاً يبشّره ويقول له: إنك وذرّيتك ستنال الحكم والملوكيّة ردحاً من الزمن جزاءً لك على احترامك للقرآن الكريم.

وهكذا كان، فقد أصبح هو ملكاً وبقيت الملوكيّة في ذرّيته وعقبه ردحاً من الزمن.

 

1 ـ راجع كتاب (الصياغة الجديدة) و (السبيل إلى إنهاض المسلمين) و (لماذا تأخّر المسلمون) و (إنقاذ المسلمين) وغيرها.