الفهرس

المؤلفات

 الأخلاق والسلوك

الصفحة الرئيسية

 

الدنيا سجن المؤمن

كان المرحوم الحاج الشيخ مرتضى الطالقاني (قدس سره) أحد علماء النجف الأشرف ومن الأساتذة البارعين في الأخلاق، وقد تربى على يديه جماعة من كبار العلماء، وإني كنت قد التقيتُ به قبل خمسين عاماً تقريباً، وذلك عندما كانت له غرفة في مدرسة السيّد فرأيته ممتازاً، وكانت إحدى ميّزاته أنه كان يعيش ببساطة بالغة، وكان في عين بساطته نزيهاً جداً.

وقد نقل عنه أنه لما حضرته الوفاة وصار في حالــة الاحتضار وقد احتفّ به جماعة من العلماء، اُغمي عليه ودخل في غيبوبة الموت، ثم لمّا أفاق التفت إلى من حضر عنده وقد عرق جبينه عرق الموت وقال: لو كان المؤمن يعلم بما يخصّه الله سبحانه وتعالى في الآخرة، لما فضّل الدنيا على الآخرة حتى لدقيقة واحدة، وإن أعطي كل الدنيا وما فيها، ثم تشهّد الشهادات الثلاث ولفظ أنفاسه الأخيرة.

وإلى هذا وأمثاله أشار ما ورد في الخبر: أن الله تعالى يعطي الإنسان المؤمن إذا انتقل إلى الآخرة (ما لا عين رأت ولا أُذن سمعت ولا خطر على قلب بشر)(1).

كيف لا يكون كذلك ولله تعالى خزائن السماوات والأرض وهو الكريم والواسع الذي لا تزيده كثرة العطاء إلاّ جوداً وكرماً، وهو خير منزول به، وقد نزل به عبده المؤمن الذي آثر طاعته تعالى على هواه، وزمّ نفسه بزمام الإيمان بالله واليوم الآخر والكتاب والنبيّين والأئمّة المعصومين (صلوات الله عليهم أجمعين)؟

حذيفة الصحابيّ الوفي

إبّان الحكم الملكي في العراق خضع قبر حذيفة الذي كان من أصحاب رسول الله (ص) للتخريب بسبب جواره لنهر دجلة، وبما أنه كان مزاراً للناس اضطرّ النظام أن ينقل القبر إلى جوار قبر سلمان الفارسي (رضي الله عنه) عبر الوسائل الحديثة مثل رافعة الأثقال وما أشبه.

ولكن القبر حين نُقل من مكانه تهدّم فظهرت جثّة حذيفة وهي طريّة وغضّة، وكذلك كفنه غضّاً جديداً رغم مرور ما يقرب من أربعة عشر قرناً على دفنه.

فلمّا نظروا إليه ليشاهدوا ملامحه فإذا به أسمر اللون شديد السمرة، في سمات أهل الحجاز وشمائلهم، نحيف البدن هزيله، يحيط بوجهه الأسمر لحية بيضاء كأنّها هالة قمر، لم يأكل التراب شيئاً من بدنه ولا من كفنه، ولم يغيّر شيئاً من محاسنه وسماته، وبذلك تجلّت معجزة الله تبارك وتعالى للناس، حيث رأوا في جثمان حذيفة خرقاً لقانون الطبيعة وتحدّياً لموازين التراب والأرض اللذان يأكلان كل جسم ويبليانه، ولا يدعان منه شيئاً.

فلما وصل النبأ إلى الناس وجماعة من العلماء انهال الجميع على المكان لرؤية المنظر ثم كفنوه بكفن ثان لينالوا به ثواباً وشرفاً، ثم شيّعوه في موكب ضخم ودفنوه في جوار سلمان الفارسي (رضي الله عنه)، وأصبح قبر هذا الصحابي الوفي وما زال إلى اليوم مزاراً للمؤمنين (رضوان الله تعالى عليه).

الفرق بين التعاملين

اليهود كما وصفهم القرآن الحكيم هم الأعداء الألدّاء للمسلمين، وقد حملهم على عدائهم هذا أمور:

منها: جهلهم بالحقّ، ومن المعلوم أن الجاهل بشيء يتّخذ موقفاً معادياً له.

ومنها: غرورهم، والمغرور لا يذعن للحقّ.

ومنها: أنانيتهم، والأنانية لا تسمح لصاحبها قبول الحقّ، بل ولا الاستماع إلى صاحب الحقّ، لأنه يرى نفسه فوق الآخرين، فلا يأذن لنفسه أن يتنازل إلى مستواهم، ولذلك ادّعى اليهود لأنفسهم أنّهم أبناء الله وأحبّاؤه، وأنهم شعب الله المختار وما أشبه ذلك.

لهذه الخصال وغيرها عادى اليهود المسلمين أشدّ عداوة وكادوهم كل كيد، وتربّصوا بهم الدوائر، متغافلين حسن معاملة الرسول (ص) لأسلافهم يهود المدينة وأطرافها مع ما نقضوا معه من العهود والمواثيق ومع كثرة ما غدروا به وحاربوه، ومتجاهلين إسلام أسلافهم عامة يهود الحجاز عندما أعلن الرسول (ص) قانون الضمان الاجتماعي في الإسلام وقال ما مضمونه: من مات وترك شيئاً فلورثته، ومن ترك دَيناً فعلى الحاكم الإسلامي أداؤه، فلما سمع اليهود ذلك أعجبهم دين الإسلام فدخلوا فيه. كما في رواية(2).

نعم يهود اليوم تناسوا كل ذلك وتجاهلوه، فعادوا المسلمين أشدّ العداء، والقصّة التالية نموذج من عدائهم الدفين:

نقل لي أحد علماء طهران أنه كان في طهران طبيب يهودي يخالط المسلمين كثيراً ويعاشرهم حتى تعلّم كثيراً من الآيات القرآنية والروايات الدينية، وظنّ الكثير من الناس أنه قد أسلم، ولذلك أصبحت له علاقات واسعة مع الناس، وحيث كان تعامله الظاهري مع الجميع بشكل حسن توهّم حتى عائلته بإسلامه.

وعندما اقترب أجله وأشرف على الموت جمع عياله وقال لهم: لقد غررتُ المسلمين بحسن ظاهري حتى أصبح كثير منهم يتصوّرون بأنني مسلم لأنّي كنت أقرأ كواحد من المسلمين كثيراً من آيات القرآن والروايات الدينية المعروفة عند المسلمين، ولكن اعلموا أني مازلت يهوديّاً معتقداً ومتمسّكاً بيهوديتي وسأموت يهودياً، ثم اعلموا بأن ما تظاهرت به من الإسلام إنما كان من أجل كسب توجّه الناس إليّ لأني في بداية حياتي اطلعت على تاريخ يهود خيبر وانتصار المسلمين بعد مقتل جمع من اليهود، فحقدتُ على المسلمين وفكرتُ في الانتقام منهم لأسلافي، وتمهيداً لذلك عزمتُ على التظاهر بالإسلام وتقديم الخدمة للمسلمين بالتطبيب والمعالجة، حتى أتمكّن من أن أكسب ثقتهم وأنتقم منهم، وذلك بأن أقتل في مقابل كل يهودي قتل في معركة خيبر ثلاثة من المسلمين وخاصّة ممّن يدّعي أنه من شيعة علي بن أبي طالب الذي تمّ على يديه فتح خيبر.

فلمّا استطعتُ عبر مجاملاتي من كسب ثقتهم وجلب توجّههم واطمئنانهم، وتقاطر عليّ المسلمون من كل مكان بدأتُ بالانتقام منهم فكنتُ أعالج بعضهم بأدوية ليست هي دواء مرضهم، وذلك لكي يشتدّ مرضهم، وفي النهاية وعندما يشتدّ بهم المرض كنت أصف لهم دواءً فيه حتفهم وموتهم، وهكذا كنتُ أقضي على حياتهم دون أن يشعر بي أحد منهم، وبهذا الأسلوب تمكّنتُ من قتل أضعاف من قتل من أسلافي اليهود في معركة خيبر.

ثم التفتَ إلى عائلته وقال: إني آمركم أن تبقوا كما بقيت على اليهودية، وأن تحيوا عليها وتموتوا عليها، ثمّ مات.

ولعلّه لدفع هكذا أمور ردّ رسول الله (ص) الطبيب غير المسلم الذي أهداه ملك الحبشة إليه، معتذراً بأنّنا لا نمرض لأنا لا نأكل طعاماً إلاّ ونحن نشتهي الطعام، ولا نقوم عنه إلا وعن اشتهائنا للطعام، فردّه (ص) ليكون درساً للمسلمين بتوفير الاكتفاء الذاتي لأنفسهم أوّلاً، والحذر من غير المسلمين على أنفسهم ثانياً.

وكيف كان فإن هذه القصّة بالإضافة إلى دلالتها على جهل هذا الطبيب اليهودي بتاريخ خيبر وما جرى فيها، تدلّ على شدّة عداوته للمسلمين، وذلك لأن النبي (ص) وباعتراف من التاريخ لم يتعدّ على يهود خيبر بل عفى عنهم ومنّ عليهم ولكن اليهود هم الذين كانوا يتجاوزون حدودهم ويعتدون على المسلمين ممّا يضطّر المسلمون للدفاع عن أنفسهم.

وقد سجّل التاريخ في صفحاته: بأن قتلى تلك المعركة كانوا قليلين جدّاً مع أن الرسول (ص) كان بإمكانه القضاء عليهم جميعاً، وذلك بحسب دلالة بعضهم على منبع مائهم وطلبه منه قطع الماء عن خيبر، ولكنه (ص) لم يفعل ذلك، وأبدى تذمّره من طلبه ورأيه، وبعد انتهاء الحرب عفى (ص) عنهم وأجاز التعامل معهم وترك لهم أرضهم يزرعون فيها، وديارهم يسكنون فيها، وأموالهم يفعلون فيها ما يشاؤون، وهذه الأمور ليست مجرّد ادّعاء وإنما هي أمور مشهورة في التاريخ.

بل وأكثر من ذلك فقد سجّل التاريخ زواج النبي (ص) بصفيّة اليهوديّة بنت رئيس اليهود وكبيرهم، والتي كانت أسيرة بيد المسلمين، وهذا ما لا يفعله أحد الرؤساء الفاتحين بأحد من الأسرى، لما فيه من الاحترام الكبير لصفيّة نفسها ولقومها وعشيرتها، لكن الرسول (ص) فعل ذلك حيث أطلق سراحها وتزوّجها بموافقتها وجعلها من أمّهات المؤمنين(3).

وعليه، فهل يا ترى كان عمل هذا الطبيب اليهودي بالمسلمين مع ذلك الوصف منطقيّاً يرضى به الوجدان والضمير، ويقرّه العقل والطبع السليم؟! كلاّ، فإن من راجع تاريخ خيبر بشكل خاص، وتاريخ اليهود بشكل عام، وعرف معاملة الرسول (ص) معهم ـ تلك المعاملة الطيّبة التي أمر بها الله والإسلام ونفّذها رسول الإسلام (ص) فيهم، ولم يكن ذا تعصّب وعناد، وإنما كان ذا وجــدان ونصفة ـ لآمن بالله وبرسول الإسلام الذي بشّر به نبيّهم موسى كــليم الله، ولاعتنق الإسلام كما اعتنقه أسلافهم حين عرفوا الحقّ في الإسلام وعلموا أنه هو ذلك الدين الذي يصدّق بموسى (ع) ويكمّل دينه.

 

1 ـ بحار الأنوار: ج 8 ص 61 ح 82 وفيه: على بال بشر.

2 ـ حول تعامل الرسول (ص) مع اليهود راجع كتاب (ولأول مرة في تاريخ العالم) ج 1 - 2 للإمام المؤلف (دام ظله).

3 ـ من أجل التعرّف على تاريخ خيبر راجع كتاب (ولأول مرة في تاريخ العالم)، لسماحة الإمام المؤلف.