الفهرس

المؤلفات

 الأخلاق والسلوك

الصفحة الرئيسية

 

الرسول (ص) يكرم شاعره

ينقل أن أحد الشعراء المعروفين أنشأ قصيدة في حقّ الرسول الأعظم (ص) يمدحه وآله (صلوات الله عليهم أجمعين) فيها، وحيث إن الرسول الأكرم (ص) وأهل بيته الطاهرين (ع) يكافئون بالإحسان في الدنيا والآخرة كل من قدّم لهم خدمة مهما كانت تلك الخدمة صغيرة ومتواضعة، ولا ينسونه ولا يجهلون حقّه أبداً، لم تمضِ مدّة على ذلك الشاعر المعروف، حتى أنه رأى ذات ليلة وهو في المنام رسول الله (ص)، فلمّا وقع عليه نظره قال له: أنت الذي مدحتنا بقصيدتك؟

أجاب ذلك الشاعر: نعم يا رسول الله، ثم أضاف قائلاً: وما ذلك من حقّكم إلا كقطرة من بحر لجي، بل هو كالعدم.

عندها التفت إليه رسول الله (ص) وقال له: أحسنت وأجدت على قصيدتك.

ثم أخذ (ص) بردته التي كانت على عاتقه وأهداها إليه وساماً له، وجزاءً لخدمته.

فرح ذلك الشاعر فرحاً كبيراً، وسرّ سروراً عظيماً، حيث رأى النبي (ص) يقبل منه قصيدته ويهدي له بردته، وازداد فرحه وتضاعف سروره عندما استيقظ من نومه وهو يرى البردة التي أهداها إليه رسول الله (ص) في المنام موجودة عنده.

وهذه معجزة للرسول الأعظم (ص) وكرامة لذلك الشاعر المخلص في ولائه وحبّه للرسول وأهل بيته الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين)، ومن أجل ذلك اشتهرت قصيدة هذا الشاعر فيما بعد بـ(قصيدة البردة).

من شأن الدنيا

على ما نقل ظاهراً كان في وسط طهران ـ وذلك قبل ما يقرب من مائة عام ـ مقبرة يدفن فيها الموتى، وكانت هذه المقبرة حسب ما يقال مخيفة في الليل، بحيث لا يجرأ أحد على اجتيازها ليلاً، ولهذا السبب كان الناس لا يمرّون بها أثناء الليل.

هذا بالإضافة إلى القصص التي كانت تتناقل عبر الأفواه بشأن الأرواح الشريرة التي كانت تطوف في هذه المقبرة ليلاً وتزيدها وحشة ورهبة ممّا كان يُزيد الناس تجنّباً وبُعداً.

وكان أحد رجال الدين يسكن في بيت استئجار في طهران وقد انقضت مدّة إجارته، وطلب منه المالك تخلية البيت.

وحاول رجل الدين المذكور في الحصول على بيت استئجار آخر وسعى في الطلب، لكن دون جدوى فاضطرّ في الليلة الأخيرة من المهلة التي استمهلها من المالك أن يخرج من البيت يائساً يبحث عن مكان يلجأ إليه ويُسكن فيه عائلته.

فوقع طريقه على تلك المقبرة الموحشة، وبينما هو يسير بين القبور وإذا بشابّ جميل وسيم عليه ثياب تفوح منها رائحة طيّبة يمتثل بين يديه ليحيّيه ويقول له متسائلاً ومسلّياً في نفس الوقت: سيّدي مالي أراك مغتمّاً غارقاً في همومك؟ هوّن عليك، فإن الدنيا لا تستدعي ذلك، انظر إلى هذه المقبرة التي أنت فيها، فإنها على ما أعلم كانت يوماً منطقة آهلة بالسكّان، ثم تحوّلت تدريجياً إلى مقبرة، ثم أصبحت بعد ذلك مسكونة شيئاً فشيئاً، ثم تحوّلت مرّة أخرى إلى مقبرة، وهكذا إلى أن عادت ـ بعد ستّ وعشرين مرّة من عمرانها وازدهارها بالسكّان ـ مقبرة كما تراها الآن، فهذا شأن الدنيا فلا يهمّك شيء من مصاعبها، فإن الدنيا تمرّ والله كريم، ثم غاب ذلك الشابّ عن نظره.

يقول رجل الدين المذكور: لما غاب ذلك الشاب عن عيني، رجعتُ إلى نفسي والتفتُُ وإذا بي وحيداً في هذه المقبرة الموحشة، ففكرتُ أنه من كان هذا الشاب الذي كلّمني، وبعث فيّ روح الأمل، وسلاّني عن مشكلتي؟

هل كان ملكاً من ملائكة الله تعالى، أو روحاً من الأرواح الطيّبة؟

لست أدري، إلا أن المهم إنه أعاد روح الأمل إليّ، وأنقذني من همومي ومشكلتي.

ثم إنه واصل طريقه حتى اجتاز تلك المقبرة الموحشة، وفي الطرف الثاني حصل على ما كان يبحث عنه من بيت للسكن وانتقل إليه.

لا تستصغر أحداً

كانت كربلاء المقدّسة ولا تزال تزدحم بالزائرين الكرام الذين يؤمّونها بمناسبة الزيارات الخاصة بالإمام الحسين (ع)، وفي ليالي الجمعة أيضاً كانت كذلك، وفي ليلة من تلك الليالي حيث كان الزائرون يملأون شوارع كربلاء وأزقّتها كنّا جالسين بالقرب من المخيّم، وكان يحدق بنا جمع من هؤلاء الزوّار الكرام وأكثرهم بزيّ أهل القرى والأرياف الذين يعيشون بعيدين عن الأجواء الدراسية والعلمية، وهم ينصتون إلينا ويسمعون حوارنا، وبينا نحن كذلك إذ وصل البحث إلى هذا السؤال وهو: ما هي تلك الأوزان الأربعة التي يمكن أن توزن بها الأشياء من الكيلو الواحد حتى الأربعين كيلو؟

فدخل الجميع في التفكير لحلّ هذا السؤال: وإذا بأحد هؤلاء الزوّار وكان يعلوه مظهر الأُميّة والبداوة، وإنه لا يحسن شيئاً من اللغة الفارسية ولا الحساب وقف وقال: هذا السؤال لا يستحقّ التفكير كثيراً، فإن الأوزان الأربعة هي عبارة عن: (1 و 3 و 9 و 27).

وكان الجواب صحيحاً، وذلك لأنّا بهذه الأوزان الأربعة نتمكّن أن نزن ما نريده من الكيلو الواحد إلى الأربعين بلا حاجة إلى الوزن، فمن أجل وزن كيلوين - مثلاً ـ نضع الوزن ذا الثلاثة كيلوات في إحدى كفّتي الميزان، ونضع الوزن ذا الكيلو الواحد في كفّته الأخرى ونزن كيلوين من المتاع، وهكذا حتى وزن أربعين كيلو من المتاع، حيث نجعل الأوزان الأربعة كلها في إحدى كفّتي الميزان.

إذن، فكيف يمكن للإنسان أن يحتقر الناس مع أن بعضهم قد يكون من أولياء الله، أو ذو دعوة مستجابة، أو شخصية علمية، رغم ظاهره العادي؟!

وعليه، فإنّ علينا أن نسيء الظنّ بأنفسنا، وأن نحسن الظنّ بالآخرين، وأن نمارس ذلك من أنفسنا ممارسة عملية ونطبّقه تطبيقاً خارجيّاً، حتى تصبح لدينا ملكة احترام الآخرين وتوقيرهم، وإضمار حبّهم وإرادة الخير لهم قوية ومنيعة.

المصاعب تصنع الرجال

نقل المرحوم الشيخ محمد حسن الهرسيني ـ الذي كان من أصدقاء والدنا (قدس سره) وكان من الأجلاء ومن العلماء الأبرار ـ قائلاً:

كانت منطقتنا (هرسين)(1) بحاجة إلى التبليغ والإرشاد، فقد كان المنحرفون يروّجون أفكارهم المنحرفة في أوساط مجتمعنا وليس هناك من يمنعهم عن ذلك، ولا من يروجّ الأفكار الصحيحة في المقابل، فقررت المجيء إلى النجف الأشرف لتلقّي الدروس الدينية والتفقّه في الأحكام، ومعرفة الحلال والحرام والعودة إلى البلدة بغية التبليغ.

وكان والدي يبعث لي مبلغاً متواضعاً إلى النجف الأشرف أتقوّت به، وأصرفه في إدارة أموري، وبعد فترة من الزمن انقطع عنّي ما كان يبعثه إليّ والدي من المساعدة، ونفذ ما كان عندي أيضاً من المال ولم يبق لي شيء أسدّ به رمقي حتى أخذ الجوع منّي مأخذاً عظيماً.

فقمت يائساً من كل شيء وتوضّأت للزيارة ثم ذهبتُ إلى حرم أمير المؤمنين علي (ع) وقلت له: سيّدي أنت تعلم أني لم أقصد الدنيا بمجيئي إلى النجف الأشرف، وإنما جئتُ للتشرّف بالزيارة ولطلب العلم للخدمة في سبيل الله والتبليغ لمذهب أهل البيت (ع)، والآن ومنذ فترة أصبحت في ضيق من العيش، وقلّة من الرزق، وبقيت أطوي جائعاً ولم أتحمّل الجوع أكثر من هذا، ولا أريد أن أسأل من أحد شيئاً حفاظاً على ماء وجهي وإني كما تعلم يا سيّدي متقشّف قنوع، أقضي الحياة على ماء البئر المالح، وإذا لم يكن لي شيء أسدّ به جوعي، أضطرّ إلى العودة إلى بلدي دون أن أحقّق شيئاً من هدفي.

ثمّ تضرّعت إلى الله سبحانه وتعالى وصلّيتُ ركعات وبعد الزيارة والصلاة ودّعتُ الإمام أمير المؤمنين (ع) وخرجتُ من الحرم الشريف متوجّهاً إلى الدرس، وفي الطريق التقى بي شخص في زيّ الأعراب لم أعرفه ولم أره من قبل، فسلّم عليّ وصافحني ووضع ظرفاً في يدي عند المصافحة ثمّ ودّعني وذهب.

ولمّا ذهب وصرتُ وحدي فتحتُ الظرف فوجدتُ فيه مقداراً كبيراً من المال، فصرفته على نفسي وإدارة شؤوني في فترة من الزمان حتى انتهى.

ولمّا انتهى وبقيتُ مدّة بلا شيء وأمضّ بي الجوع جئتُ مرّة أخرى إلى الحرم الشريف وقلتُ للإمام أمير المؤمنين (ع) بعد الزيارة والصلاة، والدعاء والتضرّع ما قلته في المرّة السابقة ثمّ ودّعته وخرجت، ولما خرجت من الحرم الشريف وصرتُ في بعض الطريق التقى بي نفس الرجل الذي التقيت به آنفاً فصافحني وسلّمني ظرفاً آخر ثم ودّعني وانصرف، فذهبتُ فلما وصلتُ إلى المدرسة ودخلتُ في حجرتي فتحت الظرف، فوجدتُ فيه مالاً كثيراً، فأخذته وشكرتُ الله تعالى عليه ثم صرفته في شؤوني حتى انتهى وعادت همومي من جديد.

ولكن للمرة الثالثة ذهبتُ إلى حرم الإمام أمير المؤمنين (ع) وقلت له ما قلت كالسابق وجرى لي ما جرى من الالتقاء بالرجل وتسليمه المال إليّ.

وفي هذه المرّة لمّا انتهى المال جاءني نجل السيّد أبو الحسن الأصفهاني (قدس سره) واسمه السيّد حسن الذي استشهد في ما بعد وقال لي: أن السيد الوالد يسأل عن صحّتك ويحبّ لقاءك.

فقمت وتهيّأتُ لزيارته، فلمّا وفدتُ عليه رحَّب بي كثيراً، وأخذ يتفقّدني ويسأل عن حالي حتى وصل إلى السؤال عن حالتي المعيشيّة.

فقلت له: أنّ والدي يبعث لي شيئاً من المساعدة ولم أشرح له بقيّة قصّتي ولا ما وقع لي بعدها.

ثم لما أردتُ الانصراف أعطاني السيّد ظرفاً فيه شيء من المال، وأجرى لي بعده من ماله ما يكفيني، وبذلك أمضيتُ أيّام دراستي الدينية ورجعتُ بعدها إلى بلدي للتبليغ والإرشاد، ولكن لم ألتق ـ بعد تعرّفي على السيّد أبو الحسن الأصفهاني (قدس سره) وإسعافه لي ـ بذلك الرجل الذي كان يسعفني وهو في زيّ الأعراب.

ويظهر من هذه القصّة بوضوح أنه ـ عادة ـ متى ما توفّر السبب الظاهري انقطع السبب الخفيّ في الأمر، كما أنه يظهر منها أيضاً كيف يكابد الحياة ويتحمّل مشاقّها أصحاب النفوس الكبيرة، وذووا الهمم العالية، وأولوا الأهداف النبيلة، فيجدّون ويجتهدون من أجل التوصّل إلى إصلاح أنفسهم وهداية الآخرين.

الكياسة من صفات المؤمنين

هناك قصّة أخرى طريفة حدثت للمرحوم الشيخ فرج الله الموموَندي أيضاً، وهي:

إن المرحوم حيث كان يبعــث في المسلمين اليقظة والوعي من خلال محاضراته وخطاباته، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر كان قد أصبح في نظر حكومة البهلوي عنصراً غير مرغوب فيه، وموجوداً مزاحماً ومخلاً بأمن النظام، ولذلك بعثوا إليه ضابطين لإلقاء القبض عليه.

ولكن الضابطين حيث كانا يجهلان المنطقة لم يعثرا على الشيخ كلّما بحثا وفتّشا عنه، حتى دفع بهم الأمر إلى أن يدخلا مسجداً كان في طريقهم فيسألا المصلّين عنه.

فلمّا دخلا المسجد كان وقت الصلاة، وقد أُقيمت فيه الجماعة واصطفّ الناس للصلاة والإقتداء بإمام جماعتهم، فتريّثا حتى إذا قضيت الصلاة جاءا إلى إمام الجماعة الذي كان يحتفّ به كثير من الناس وسألاه عن الشيخ الموموندي.

ولمّا سألاه عنه عرف إمام الجماعة أنّ هذين الضابطين من جلاوزة البهلوي ويريدان إلقاء القبض على الشيخ، كما وعرف من سؤالهما أنهما يجهلان الشيخ ولا يعرفانه، ولذلك فكّر في أن يجيبهما بجواب يلقي في قلبيهما هيبة الشيخ وعظمته، ممّا يجعلهما ينصرفان عن مهمّتهما.

وكذلك فعل، حيث إنه تجاهل سؤالهما وأخذ يستوضحهما في السؤال عن الشيخ، وهما يقدّمان له التوضيحات في ذلك، ويذكران له مواصفات الشيخ ومشخّصاته، حتى إذا أوضحا مرامهما ولم يدعا على ما يريدانه من غبار، صاح إمام الجماعة بهما فجأة: تقصدان آية الله الشيخ فرج الله؟! ثمّ قام ووضع يديه على رأسه وأخذ يرعد بهما كالصاعقة وهو يقول: سماحة آية الله... سماحة آية الله...

ولما رآه أصحابه المحتفّون به وهو يفعل ذلك قام الجميع ووضعوا أيديهم على رؤوسهم وفعلوا كفعله، مما أثار دهشة الضابطين، وجعلهما يحتاران في أمرهما، ويفكّران في الانصراف عن مهمّتهما، لما ألقي من الرعب في قلبيهما، والخوف في نفسيهما.

عندها التفت إليهما إمام الجماعة وقال لهما: إني من تلاميذه فإذا كان هناك أمر فقولا لي حتى أخبره به، فإنه لن يمكنكما مواجهته، لأنّ أهل هذه المنطقة يحبّونه حبّاً عظيماً ويحدقون به دائــماً يحفظونه من كل سوء وخطر، وإذا أحسّوا بأنّكما تنويان السوء في حقّه لن يؤمنكما من بطشهم أحد.

نظر أحد الضابطين إلى الآخر وقالا في جوابه: نسأل عن أحواله، ثم اعتذرا من إمام الجماعة وخرجا من المسجد وعادا إلى محلّهما خائفين خائبين.

ثم أبرقا إلى المركز بأنّ الشيخ الذي أمرنا بإلقاء القبض عليه مهمّ إلى درجة ما أن يسمع الناس اسمه ـ كأنهم قد سمعوا اسم الإمام الحجة (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ـ يقومون له تعظيماً واحتراماً، ويضعون أيديهم على رؤوسهم إجلالاً له وإكراماً، وإلقاء القبض عليه يعني تفجير الوضع وإشعال الفتنة والحرب، فألغت الحكومة قرار القبض عنه.

وهكذا استطاع إمام الجماعة بفطنته وكياسته أن يحفظ الشيخ من الوقوع في يد الطاغية الديكتاتور، وأن يخلص المنطقة نفسها من نار الحرب والدمار.

الإمام (ع) يعزل قاضيه

للقضاء في الإسلام أحكام خاصّة تشدّد على القاضي لئلاّ يُرتشى ويجور في الحكم، وتسهّل على المتقاضين لئلاّ يضيع حقّهم ويتلف وقتهم، والقصّة التالية مثال على ذلك:

ورد في كتاب (مستدرك الوسائل)(2): أن الإمام أمير المؤمنين (ع) كتب إلى أحد قضاته، وهو أبو الأسود الدوئلي، كتاباً يعزله فيه عن منصب القضاء.

فلمّا وصل الكتاب إلى أبي الأسود الدوئلي واطّلع على عزله تأثّر كثيراً، لأنّ عزل القاضي عن منصبه معناه: سقوطه عن مؤهّلات القضاء وعن مكانته الاجتماعية، ولذلك جاء إلى الإمام أمير المؤمنين (ع) مسرعاً وقال: يا أمير المؤمنين لِمَ عزلتني عن منصب القضاء وما خُنتُ وما جنيت؟

فقال له الإمام (ع): نعم، إنّك لم تخن ولم تجن، ولم ترتكب ما يسقطك عن عدالتك، ولكن بلغني عنك ما يسلب منك مؤهلات القضاء.

فقال أبو الأسود متسائلاً: وما هو ذلك الذي بلغك عنّي يا أمير المؤمنين (ع)؟

فقال أمير المؤمنين (ع): بلغني عنك أن صوتك يعلو صوت الخصمين! وهذا ممّا لا يليق بالقاضي الإسلامي ويسقطه عن أهليّته لتصدّي القضاء.

وبالفعل فإن الإمام أمير المؤمنين (ع) عزله عن القضاء لأجل ذلك، مع أنّ أبا الأسود كان من تلامذة الإمام أمير المؤمنين (ع) ومن أصحابه، وهو الذي أعطاه الإمام أصول النحو العربي وأمره بأن يُتمّه ويشرحه بتفصيل وقد فعل، لكنّه لأجل هذه الخصلة فقط يعزله الإمام عن منصبه، ليقول للمسلمين وللأجيال الصاعدة: أن الحكم في الإسلام مسؤولية كبرى تهدف خدمة الناس، وتوفير حقّهم عليهم، وتقدير عواطفهم ومشاعرهم، وليس كما هو في عالمنا اليوم، استهتار بالناس، وتضييع لحقوقهم، وإتلاف لعمرهم ووقتهم، وتلاعب بشؤونهم ومقدّراتهم، حتى أن المتخاصمين أحياناً يموتون ولم تفصل بعد قضيّتهم، وإلى أمثال ذلك من الاستخفاف بالناس وبحقوقهم.

التقاعس عن العمل

الإسلام بمقدار ما يهتمّ بالآخرة يهتمّ بالدنيا أيضاً، ففي نفس الوقت الذي يأمر بالصلاة والصيام، يأمر بالمعاش وتحصيل الرزق، وقد دأب المسلمون الأوائل على ذلك. وقد ورد في أحوال أبي الأسود الدوئلي الذي اضطلع بعلم النحو وشرح أصوله وقواعده بأمر الإمام أمير المؤمنين (ع) ـ كما سبق ـ أنه كان يملك دكّاناً في الكوفة يكتسب فيه هو وأولاده، وفي أواخر حياته حيث أصابه الضعف والكبر، واشتعل شعر رأسه ووجهه شيباً، زاره في بيته واحد من الناس، فلمّا دخل عليه رآه من شدّة الضعف قد تمذّد في فراشه، فأقبل عليه يتفقّده ويسأل عن أحواله وأبو الأسود يحيّيه ويرحّب به ويطيب مجاملته ويحسن ضيافته.

قال: وبينا أنا كذلك وقد قضيت وطراً من زيارته وهممتُ بالانصراف إذ أقبل إلى أبي الأسود غلامان حدثان فحيّوه وأخذا تحت إبطيه وهما يعتذران منّي وهو كذلك يقدم اعتذاره.

فقلت له: إلى أين يا أبا الأسود؟

قال: إلى الدكّان، من بعد إذنك.

فقلت له متعجّباً: أنت مع كبرك وشدّة ضعفك ووجود أولادك إلى جانبك غنيّ عن العمل والتكسّب، فلماذا تتجشّم عناء الذهاب إلى العمل؟

فأجاب: إني لو لم أذهب إلى الدكّان لكسب العيش وطلب الرزق، وأبقى جالساً في البيت أو مستلقياً في الفراش، يذهب جلالي، وينسلخ عنّي بهائي، ويستصغرني كل أحد حتى هذه السخلة ـ وأشار بيده إلى معزة هناك ـ مبالغة منه (رحمه الله) في التأكيد على أنه ينبغي للإنسان أن يعمل ويكتسب ويكون عنصراً نافعاً في المجتمع، ولا يترك الكسب والعمل مع قدرته عليه فيكون كلاًّ على الناس ولو كان يعيش لحظاته الأخيرة.

وهذا درس منه (رحمه الله) للذين يتقاعسون عن العمل بحجج واهية مثل التقاعد أو الشيب وما أشبه ذلك، بل ينبغي للإنسان أن يعمل مادام في الحياة، ولو كان عمله مجرد الحضور في الدكّان والجلوس فيه.

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى:

يحثّ الدين الإسلامي ويؤكّد كثيراً على توطيد العلاقة بين أفراد الأسرة الواحدة الذين يشكّلون لبنات المجتمع، بل أن الأسرة في نظر الإسلام هو المحيط الاجتماعي الصغير الذي يتكوّن منه المحيط الاجتماعي الكبير، فسلامة محيط الأسرة له الأثر الكبير في سلامة محيط المجتمع، كما أن فساده له الأثر البالغ في فساد المجتمع، وانطلاقاً من هذه النظرة الثاقبة، يحبّذ الإسلام أن تعيش الأسرة في حالة يسود بين أفرادها المحبّة والعاطفة، ولا ينتهي الأمر بهم إلى أنه لو أصاب أحدهم الشيب يتركونه وشأنه دون أن يهتمّوا به أو يتعاطفوا معه، فإنهم إن فعلوا ذلك ترتّب عليه أثران سيّئان أحدهما أسوأ من الآخر:

الأول: إنه بحسب القاعدة المطّردة في الحياة، والمعروفة لدى الجميع، والثابتة عبر التجارب اليومية، قاعدة (كما تُدين تُدان)(3)، سيتعرّض الشباب الذين يتعاملون مع كبار السنّ بهذه المعاملة إلى المكافأة بالمِثل يوماً مّا، فإنهم سيكبرون وسيتعامل معهم أولادهم بنفس المعاملة، وهل يفعل عاقل مثل ذلك؟

الثاني: إنه بحسب القاعدة النفسية الثابتة في علم النفس، والمسلّمة عند علماء الإنسان والاجتماع قاعدة (المؤانسة والمؤالفة، والتعاطف والتحبب) ربما يتعرض كبار السن ـ الذين تشتد فيهم هذه الحالة النفسيّة أيّام كبرهم وذلك عندما يحسّون بأنهم فقدوا من يؤانسون ويؤالفون، ولم يجدوا من يبادلونه مشاعرهم وعواطفهم ـ إلى أن يقيموا علاقات عاطفيّة مع ما لم يكن مشروعاً ألفته ومؤانسته لا دينياً ولا إنسانياً، كالألفة مع الكلاب والقطط وما أشبه ذلك مما هو شائع في المجتمعات الغربية، حيث يألفون أمثال هذه الحيوانات، لإشباع عواطفهم وأحاسيسهم الجيّاشة.

وهذا مما يترتّب عليه آثار مؤسفة، مثل الابتلاء بالأمراض الجسدية والنفسية، وربما يصل الأمر بهؤلاء أو غيرهم من الشباب إلى أن أحدهم لا يكتفي بتبادل العواطف والمشاعر مع هذه الحيوانات التي يألفونها، بل يستبدّ بهم حسّ النقص العاطفي إلى إشباع حتى غرائزهم الجنسيّة معها ممّا يجرّ عليهم بلاء الأمراض المعدية والفتّاكة والتي تودي أخيراً بحياتهم وتقضي بقساوة وضراوة عليهم، وذلك بسبب ذويهم الذين هجروهم وحرموهم من تبادل عواطفهم ومشاعرهم مع بني نوعهم بصورة مشروعة.

ومن الطبيعي للإنسان وإن كبر سنّه وطال عمره أن يشبع عواطفه وغرائزه، فإذا لم يجد إشباع ذلك عن طريق الأساليب المشروعة فرّبما يحاول التشبث بالأساليب اللامشروعة، وهنا يمكن الخطر.

إذن، فمن اللازم على كل إنسان له شمّة من الإنسانية والعقل، بل ومن العاطفة والمحبّة أن يراعي عواطف الآخرين ويقدّر مشاعرهم وخاصّة كبار السنّ منهم، وذلك:

أولاً: وقاية لمستقبلنا فإنه كما تدين تدان.

وثانياً: ضماناً لسلامة مجتمعاتنا من الأمراض الجسدية والنفسية، وهذا ما أكده الدين الإسلامي في مجالات شتّى.

وهذا آخر ما أردنا إيراده في هذا الكتاب.

سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

قم المقدسة  

محمد الشيرازي

 

1 ـ هرسين منطقة تقع في أطراف مدينة كرمان شاه في إيران.

2 ـ مستدرك الوسائل: ج 17 ص 359 ح 21581.

3 ـ نهج البلاغة: الخطبة 153.