الفهرس

المؤلفات

 الأخلاق والسلوك

الصفحة الرئيسية

 

على موائد الخلفاء

جاء في التاريخ انّ أحد علماء العامة ويدعى (شريكاً) كان معاصراً للخلفاء العباسيّين وكان من أشدّ الأعداء لهم بحيث لم يكفّ عن معارضتهم أبدا، وكان الخليفة المعاصر يخشى من تأديبه لمكانته في الناس، فتحيّر الخليفة في أمره، وأخيراً فكّر في إحتوائه وإغرائه عبر المقام والجاه.

فطلبه ذات مرّة، فأبى أن يلبّي طلبه، وبعد إصرار من الوسائط وافق على الحضور، فحضر مجلس الخليفة، فرحّب به الخليفة وأكرمه وقال له فيما قال: انّك تعلم انّ القضاء هو الأساس المقوم للناس والسبب لإيصال كلّ ذي حقّ إلى حقّه، ومن المعلوم: انّ القضاة غير الأكفاء يفسدون أكثر ممّا يصلحون، ولذلك فإنّي رأيت إنقاذ الأمّة بعرض منصب قاضي القضاة عليك.

فأبى (شريك) قبول ذلك وقال: كلاّ فإنّي لا أفسد بإصلاح غيري.

قال الخليفة بعد أن فكّر مليّاً: إذن فهذان إبناي أدّبهما فإنّ الأمر يؤل إليهما، ولو أدّبتهما كانت الاُمّة بمنجى من غوائل الخلفاء.

قال شريك: انّ الأمر كما تقول ولكنّي غير مستعدّ لذلك.

وكلّما حاول الخليفة إقناعه لأن يوافق على أحد الأمرين لم يزدد (شريك) إلا إصراراً في الرفض.

عندها قال الخليفة: إذا كنت لم تقبل شيئاً من ذلك، فكن إذن في منصب مشاور الخليفة، وأنت خبير بدور المستشار وأثره في تقويم الخلافة وتطبيق العدالة في المجتمع.

فأبى (شريك) من قبول هذا المنصب الثالث أيضاً.

وأخيراً قال له الخليفة: إذن فكن ضيفنا هذا اليوم وإبقَ عندنا لتناول طعام الغداء، فقبل (شريك) ذلك بعد إصرار كبير، وأمر الخليفة بإقامة الضيافة على شرفه، كما وأمر خادمه بأن يقدم له من طعامه الخاص به، ففعل الخادم ذلك، ولما ذاق شريك من الطعام إستساغه، فما رفع يده عنه حتّى أكله بالتمام وأتى عليه كاملاً، ولما جاء الخادم ولم ير من طعام الخليفة أثراً سأل بعض الحاضرين عمّا فعل (شريك) بالطعام؟

فقيل له: أكله تماماً.

قال الخادم لما سمع ذلك: إذن لن يفلح واللّه بعد أكله هذا أبداً.

وكان كما ذكر، فإنّ (شريكاً) لم يقم من مجلسه هذا حتّى قال للخليفة: لقد فكّرت فيما قلت فرأيت كلامك حقّاً، وقد قبلت تعليم الأولاد، ومنصب قاضي القضاة وأن أكون مستشاراً لك.

ففرح الخليفة فرحاً عظيماً من موافقة (شريك) على ما عرضه عليه، وأمر بإسناد المناصب الثلاثة إليه فوراً، وبعد ذلك إنتهت معارضته إطلاقاً، وصار موافقاً ومدافعاً.

وفي الأيام الأولى كان مرتبه الشهري يقدم إليه على باب داره، ثمّ كان يذهب هو بنفسه لاستسلامه، لكن كان يراعى ويقدّم له مرتبه بسرعة واحترام، وبعد فترة جاء شريك ذات مرّة ليأخذ مرتبه، فلم يسرع المأمور بدفع الراتب إليه.

فغضب (شريك) من التأخير وصرخ في وجه المأمور ليعجّل له بمرتبه قائلاً: هات حقّي.

فقال له المأمور بامتعاض: وهل بعتنا شيئاً تريد منّا قبض ثمنه؟

قال (شريك) ببرودة: نعم بعتكم أغلى شيء أملكه وهو ديني.

وهكذا تباع الضمائر والأديان على موائد الخلفاء والحكّام، وهكذا أيضاً تفعل المغريات بالنفوس الضعيفة.

أوحدي زمانه

يقال: أنّه لما دخل (نادر شاه) العراق فاتحاً، توجه إلى النجف الأشرف لزيارة الإمام أمير المؤمنين (ع) فزاره علماء النجف غير واحد منهم لم يزره.

فظن الملك ان ذلك العالم الذي غاب عن زيارته قد تكبّر عليه، فأمر وزيره بإحضاره، وقال: إذا إمتنع عن الحضور فهدّده بالقتل.

بلّغ الوزير رسالة الملك إلى ذلك العالم.

فأبى العالم ان يأتي لزيارته وقال: قل للملك يفعل ما يشاء.

فلما وصل هذا الخبر إلى الملك استطار غضباً وعزم على تنفيذ ما هدّده به من القتل.

لكن الوزير قال له - وهو يحاول زحزحة الملك عن تهديداته والنزول عن غضبه-: ان هذا العالم هو الأوحدي في زمانه، ومن خصائص هكذا علماء الابتعاد عن الدنيا وأهلها، وملوكها وسلاطينها، والعزوف عنهم، فلو شئت زرته أنت بنفسك.

وافق الملك على قول وزيره وعزم على أن يزور ذلك العالم بنفسه، فلما دخل عليه في بيته المتواضع ووقعت عينا الملك عليه، أكبره ووقّره، واحترمه وتواضع له، ثمّ قال له بكل تواضع: لو كانت لكم حاجة فأمروني بتنفيذها.

فأجابه العالم: ليست لي إليك حاجة، وإنّما أرجوك ان لا تمس الناس وخاصة أهالي النجف الأشرف بسوء وأذى.

فقال الملك بانكسار: سمعاً وطاعة: ثمّ ودعه ورجع القهقري حتى خرج من عنده.

فتعجب الوزير من ذلك، فإلتفت إليه - عندما خرجا -: كم الفرق بين السيرتين: التهديد بالقتل، والتواضع له والانكسار إلى هذا الحد؟

فأجاب الملك: إني لما عزمت على فتح العراق رأيت الإمام أمير المؤمنين (ع) في المنام ورأيت هذا العالم إلى جنبه.

التحدي الجريء

يحكى أنّه لما أراد البريطانيون إحتلال العراق، واجهوا مقاومة العراقيين لهم بكل شدة، ورأوا أنّ جذر المقاومة التي تمد الناس بالقوة والمعنوية هي مراكز العلم والعلماء وفي مقدمتهم: النجف الأشرف وكربلاء المقدسة.

ولذلك لما فرضوا سيطرتهم على العراق بالكامل، فكّروا في الإنتقام، فبدأوا بالنجف الأشرف، فبعثوا الحاكم البريطاني إلى السيد محمّد كاظم اليزدي صاحب العروة (قدس سرّه) ليقول له: ان الحكومة البريطانية تطلب من سماحتكم مغادرة النجف الأشرف.

قال السيد: ولماذا؟

أجاب: لأنا نريد الإنتقام من الأهالي.

قال: أخرج وحدي أم مع عائلتي وأسرتي؟

أجاب: بل مع عائلتكم وأسرتكم.

قال: فإنّ أهالي النجف الأشرف كلهم أسرتي وعائلتي، وإنّي لن أخرج منها مهما كلف الأمر، وسوف أبقى وليصيبني فيها ما يصيبهم.

وبذلك ردّ الحاكم البريطاني خائباً، وتراجعت الحكومة البريطانية عن نواياها بالنسبة لأهالي النجف الأشرف على أثر مقاومة السيد اليزدي وشجاعته، ووفائه وإخلاصه.

مصاحبة الخلفاء والملوك

كتب أحد الخلفاء إلى أحد العلماء، يطلب منه ان يرافقه لينصحه ويرشده.

فكتب إليه العالم في جوابه: الذي ينصحك لا يصحبك والذي يصحبك لا ينصحك.

وربما نسب هذا إلى أحد الأئمّة الطاهرين عليهم الصلوة والسلام مع أحد خلفاء بني العباس(1).

على مائدة الملك

قيل عن أحد الملوك: انه دعى العلماء والقضاة إلى الإفطار في ليلة من ليالي شهر رمضان المبارك.

فامتنع أحدهم من الإجابة، وكان قصد الملك من الضيافة هو ذاك الممتنع وإنّما أضاف الباقين لأنّ يشبّهه الأمر عليه، علّه يجيب.

فأصرّ الملك على قبولـه، وأخيراً قبل العالم بشرط ان لا يأكل من طعام الملك، وإنّما يحضر مجلس الضيافة مصطحباً معه طعام فطوره يأكل منه لكن على مائدة الملك.

فقبل الملك شرط العالم، فحضر العالم على المائدة وبسط منديله وأخذ يأكل لقيمات بجنب الملك، فمدّ الملك يده الى منديل العالم وأكل منه لقمة ليفتح على نفسه طريقاً إلى إجبار العالم على الأكل من طعامه بحجة المقابلة، ولكن فوجئ الملك بقول العالم: الحمد للّه رب العالمين، وجمع المنديل مؤذناً بتمام افطاره.

قال الملك وهو آيس من نجاح خطّته: أنا أكلت من طعامك فأرجو أن تأكل من طعامي.

قال العالم: اني شبعت وقد نهى الرسول (ص) عن الأكل على الشبع(2).

وبعد ذلك سئل من العالم عن سبب ما فعل؟

قال: عرفت ان مقصود الملك من أكله من طعامي هو إجباري على أن آكل من طعامه ولذا إستعجلت في الأكل ولما ان أكَلَ من طعامي، جمعت المنديل ليعرف اني أنهيت الأكل فلا يبقى له محل في الإصرار على ان آكل من طعامه، علماً بان الأكل من طعام الخلفاء والملوك - عادة - يقسي القلب وينسي الآخرة ويجرّ الإنسان الى المداهنة والغض عن ظلمهم على العباد والبلاد.

الملوك على أبواب العلماء

يذكر عن كافي الكفاة الصاحب بن عباد، الذي هو أحد كبار شخصيات الشيعة في عصره وزمانه، وكان عبقرياً نحريراً وشاعراً أديباً، ولغوياً بارعاً، وقد ولي منصب الوزارة في حكومة البويهيين أعواماً طويلة، وأفاض أيام وزارته على البلاد والعباد تقدماً ورُقياً وجوداً وحساباً وأدباً وأخلاقاً.

يذكر عنه: أنّه سافر إلى إحدى المدن النائية ليلتقي فيها بأحد العلماء القاطنين هناك وينال زيارته من قريب، فلما وصل إليها، بعث بأبيات شعرية إلى ذلك العالم يطلب منه فيها إذنَهُ بملاقاته وزيارته إيّاه في داره، وعندما وصلت الأبيات الشعرية إلى ذلك العالم وإطلع على مضمونها، كتب في جوابه - وهو يرفض لقاء الوزير بلا مبالاة به ولا خوف منه أو تملق له - البيت التالي:

أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعه وقد حيل بين العير والنزوان

نعم، لما يكون الملوك على أبواب العلماء، فنعم الملوك ونعم العلماء، وإذا إنقلب الأمر إلى العكس وكان العلماء على أبواب الملوك، فبئس الملوك وبئس العلماء.

قال علي (ع): (الملوك حكام على الناس والعلماء حكام على الملوك)(3).

مع صاحب الفصول

يقال: انّ (فتح علي شاه) الملك الإيراني رغب في أن يزوج ابنته من العالم الجليل صاحب الفصول (قدس سره)، فأبى صاحب الفصول ذلك.

فقيل له: لم رغبت عن مصاهرة الملك، مع ان الملك مسلم، ملتزم بأحكام الدين، ومعلوم ما يناله صهر الملك من العزّ والشأن، وأنت بأشدّ حالة من الفقر.

قال: لانّ مواصلة الملوك تدخل الإنسان في الدنيا، وتبعّده عن الآخرة، ولا حاجة لي في عزّ وغنى يبعّدني عن الآخرة.

من مواقف المرجعية

يقال: ان البهلوي الثاني جاء بعد سفرة له إلى الهند، إلى قم المقدسة وأراد أن يلتقي بمرجع عصره السيد البروجردي الحاج آقا حسين (قدس سره)، وكان يتم اللقاء بينهم في كل مرة في حرم السيدة فاطمة المعصومة (ع).

لكن السيد (قدس سره) أبى في هذه المرة عن الاجتماع به في حرم السيدة المعصومة (ع) - كالمرات السابقة - فجاء وسائط الشاه وأصروا على إقناع السيّد بأن يكون اللقاء في الحرم كما كان عليه سابقاً، فلم يتمكّنوا من إقناعه، وأخيراً قالوا له: نقول للشاه ان السيد مريض، ولا يتمكّن من الخروج إلى الحرم، فيزورك الشاه في دارك، وقد كان الشاه مصرّاً على زيارته.

فلم يقبل السيّد وقال مغضباً: كيف أجتمع بمن يدعي الشاهنشاهية على بلد إسلامي وشعب مسلم، ثمّ يذهب إلى الهند، ويُركِب زوجته وهي سافرة على الفيل يطوف بها في البلاد على أعين الناس بما يوجب خزي المسلمين وذلّهم؟ ورفض بكل صلابة اللقاء به تأديباً له، وهكذا استطاع السيّد بموقفه الصلب من أن يصدّ الشاه عن ارتكاب مثل هذه الموبقات والفضائح.

المرجعية قوّة عظمى

قالوا: ان البهلوي الثاني كان ينوي إجراء بعض القوانين غير الإسلامية في إيران، لكن السيد البروجردي (قدس سره) وقف صامداً ضد نواياه الشريرة، فأرسل الشاه رئيس وزرائه لكسب رضا السيّد.

فقال فيما قال له، وهو يتكلّم عن لسان الشاه: فإنّ هذه القوانين قد أجريت في البلاد المجاورة ونحن مجبرون على إجرائها.

فقال السيّد: قولوا للشاه: لكن تلك البلاد قد تبدّل نظام الحكم فيها من الملكيّة إلى الجمهوريّة، ثم أجريت القوانين، فألقم الوزير حجراً ولم يتمكّن أن يتكلّم بعدها بشيء، لأنّ هذا كان أكبر تهديد للملك، ولم يتمكّن الشاه من إجراء تلك القوانين غير الإسلامية في إيران مادام كان السيّد البروجردي (قدس سره) حيّاً.

من كياسة المرجعيّة الشيعيّة

قيل: ان البهلوي الثاني أصرّ ذات مرّة على إجراء قانون التساوي بين الذكر والأنثى في كل شيء، وهو قانون مخالف للقرآن، فصمد السيّد البروجردي (قدس سره) في قبال ذلك واعترض على القانون وأعلن خلافه له بكلّ قوّة.

فأرسل الشاه إلى السيّد من يستميله ويسترضيه، فجاء إليه ودارت بينهما مباحثات حادة، لكن أحدهما لم يتغلب على الآخر ولم يستطع استمالته واسترضاءه، وأخيراً قرّر الشاه إجراء القانون متحدّياً كلّ الضغوطات والاعتراضات الموجودة والتي ستوجد ضدّه، ولكن فور ما علم السيد البروجردي (قدس سره) بذلك، أعلن عن عزمه على مغادرة إيران، وأمر بجمع أثاثه وشدّ رحاله، ولما عرف الشاه ذلك انصرف عن عزمه، لأنه كان يعرف جيّداً انّ معنى هذه الهجرة إيجاد ثورة عارمة عليه، لا يُحمد عقباها.

المراجع والأنظمة العسكرية

جاء عبد السلام عارف رئيس الجمهورية العراقية الذي قفز إلى الرئاسة عبر إنقلاب عسكري إلى كربلاء المقدّسة وكان من عزمه أن يلتقي بالسيّد الحكيم (قدس سره)، لكن السيد أبى عن استقباله، وعلّق ذلك على استجابته لشرط واحد وهو: أن يعلن في بيان رسمي عبر الإذاعة - وقبل حصول اللّقاء - عن إلغاء كل القوانين المخالفة للإسلام مثل قانون الأحوال الشخصيّة، وقوانين الإشتراكية، وقانون التأميم وما أشبه ذلك.

لكن الرئيس المغرور، الذي جاء إلى الرئاسة على عجلة الدبابات، وزئير قاذفات الصواريخ، ولهيب نيران الرصاص، وبإنقلاب عسكري، بلا موازين صحيحة، ولا مقاييس دولية معترف بها، كان أبعد من أن يعرف مقادير الرجال، ومن أن يضع الأمور في مواضعها، ولذلك بقي وهو يصرّ على عدم الإجابة، وحرم نفسه من الإلتقاء بالسيّد وكان ذلك قبل احتراقه في الطائرة بما يقارب الشهر، كما لم يجتمع به أحد من علماء كربلاء المقدّسة مع أنهم كانوا قد دعوا للالتقاء به في روضة الإمام الحسين (ع) المباركة، وكان لهذا الرفض المجمع عليه من قبل العلماء الأثر الكبير في ابتعاد الناس عنه.

المرجعية ومواقفها المشرّفة

أول يد معتدية إمتدّت لخرق القانون الشرعي والعرفي الــسائد وفتحت ثغرة الإنقلابات العسكرية في العراق، هي يد عبد الكريم قاسم، لذلك لم يستجب السيّد الوالد ولا السيّد الحكيم (قدس سرهما) لطلبه اللقاء بهم حينما أراد أن يزور كربلاء المقدّسة والنجف الأشرف، واشترطوا عليه مقدمة لزيارته لهما أن يغيّر ما جاء به من القوانين المخالفة للإسلام، والتي من أهمّها إلغاء قانون الاعتراف بالحزب الشيوعي وإلغاء قانون الإصلاح الزراعي المزعوم، وإلغاء قانون الأحوال الشخصية.

لكنه على أثر ما أصابه من غرور، وسكرة المقام والملك، وعدم تقديره موقف مراجع الدين، أصرّ على عدم إجابته لهم، وأصرّوا هم أيضاً على عدم استقباله، فلم يتمّ اللقاء، ولم يمض على الحادث أكثر من ستّة أشهر إلا وقد قامت الثورة ضده مما أودى بحكومته وحياته، وهذا مصير كل من يستهين بالحوزات الشيعيّة، ولم يعبأ بمطاليبهم الشرعية، ولم ير مالها من المنزلة المرموقة في قلوب الجماهير.

تنازل مقابل رفعة

قيل: انّ علاّمة دهره، ونابغة عصره الشيخ البهائي (قدس سره) جاء بصحبة الملك الصفوي إلى النجف الأشرف، واتّفق أن اجتمع بالمقدّس الأردبيلي (قدس سره) وجرى بينهما بحث علمي بحضور من الملك، وبعد نقاش طويل أخيراً كان الغلب ظاهراً للشيخ البهائي (قدس سره).

ولمّا انفضّ المجلس وأراد العلمان الافتراق، أخذ المقدّس الأردبيلي بيد الشيخ البهائي وإنتحى به ناحية البيت، وأورد على مطالبه بما بيّن له خطأه وسقم نظره، وذلك بكلّ قوّة ومتانة.

عندها قال له الشيخ البهائي: فلماذا لم تبيّن هذه المطالب والإيرادات في المجلس وبحضور الملك؟

قال المقدّس الأردبيلي: لأنّك شيخ الإسلام في إيران وينظر إليك الملك نظر إكبار وعظمة، فإذا غلبتك أمامه، سقطت من عين الملك وذهب بهاؤك عنده، أمّا إذا غلبتني فإنّ ذلك موجب لعظمتك في عين الملك أكثر من ذي قبل، ممّا ينتهي بالأخرة إلى عزّة العلم وأهله وإجلال العلماء وإكرامهم، بينما لم يكن عليّ بأس، أن اُغلب أمامه، فإنما أنا طالب من طلاّب النجف الأشرف، ورفعة مقامي العلمي وضعته لا تنتجان أمراً، ولذا لم أبيّن ما يرد على كلامك أمام الملك وإنّما بيّنت لك الآن المطلب لإظهار الحقّ.

نعم هكذا نفوس طيّبة وقلوب طاهرة تتأهّل لنصرة الإسلام ونشر التشيّع المذهب الحقّ، وتتشرف بزيارة الإمام المهدي (ع) ولقائه.

المرجعية رأفة ورحمة

كان السيّد الوالد (قدس سره) إبان سيطرة الشيوعيين على العراق واشتغالهم بالنهب والهتك وسفك الدماء البريئة - يقول: ان دم البريء لغم موقوت يتفجر فيدك عروش الظالمين، ويزيل حكمهم وملكهم، واني أتمنّى أن لو كنت أقدر على أن أكف القتل عن الجميع وأكون أنا المقتول على أيديهم مكان من قتلوا فيحدث قتلي ضجة في الأوساط ويكون ذلك سبباً لزوال سيطرتهم وخلاص الشعب العراقي المسلم من ظلمهم، وكان يحز ذلك في قلبه إلى أن استطاع على عقد الإتّفاق مع علماء النجف الأشرف في النهوض ضد الشيوعيين، وقد توفقوا للقضاء عليهم بإذن اللّه تعالى، فزال عن صدر العراق المسلم كابوسهم المرعب، والحمد للّه ربّ العالمين.

المكافأة على الأعمال

قال لي أحد أعلام قم المشرّفة: انه على إثر اشاعة البهلوي الفحشاء في العاصمة طهران، ترك السفر إليها طويلاً، فلم يذهب إلى طهران مدة اثنتي عشرة سنة.

قال: ثم صارت لي حاجة في طهران فسافرت إليها اضطراراً، وفي يوم من الأيام وأنا ذاهب إلى حاجتي في أحد شوارع طهران رأيت ما أهمنّي فإنّ (البهلوي الأول) كان قد حكم برفع الحجاب عن النساء حكماً جبريّاً، وفرض عقوبات صارمة على المتحجّبات، وكان عمّال الشاه يطبّقونه بكلّ عنف، فرأيت امرأة محجبّة كانت قد خرجت بالعباءة لبعض حوائجها، وإذا بأحد عمّال الشاه أخذ يلاحقها، فلمّا وصل إليها صفعها صفعة شديدة على رأسها.

قال: فدهشت لهذه الحالة المؤلمة وصُعقت من هذا العمل القاسي وأخذت أجود بنفسي من وقع الحادث الأليم، وأفكّر كيف ينتقم اللّه من هذا الظالم، وبينا أنا كذلك وإذا بسيارة تقف بالقرب من الحادث وينزل منها السيّد أبو القاسم الكاشاني (قدس سره) ويصفع الموظّف صفعة شديدة على رأسه ثم يركب عربته ويذهب، وذهل الموظّف عندما رأى السيّد الكاشاني هو الذي صفعه، ولم يستطع أن يتكلّم بشطر كلمة.

قال: ففرحت بذلك فرحاً شديداً وشكرت اللّه تعالى على أن أراني كيف جعل الدنيا تكافيء الناس على أعمالهم، ولعذاب الآخرة أخزى وأشدّ، ثم غادرت طهران راجعاً إلى قم المقدّسة.

مع الملوك والرؤساء

كانت العادة في سابق الأيّام قد جرت على انّ ملوك المسلمين، إذا زار أحدهم العتبات المباركة في النجف الأشرف وكربلاء المقدّسة، زاره بعض العلماء في محلّ نزولهم، وحيث انّ الملوك كانوا يحتفظون بظواهر الإسلام لم يكن ذلك شيناً للعلماء.

حتى زار (ناصر الدين شاه) النجف الأشرف، فزاره العلماء آنذاك في محل نزوله بإستثناء الميرزا المجدّد الحاج السيد محمد حسن الشيرازي (قدس سره)، وكلّما حاولت حاشية الشاه ترتيب ما يقنع الميرزا على زيارة الشاه، أو زيارة الشاه له، أبى ولم يقبل، وأخيراً قرّر أن يتزاور هو والشاه في الحرم الشريف بقصد نصيحة الشاه، ومنذ ذلك الحين جرت عادة العلماء بزيارة الملك في الحرم المطهّر دون الذهاب إلى محلّ نزولهم.

من أجل إعادة حكم اللّه

نُقل عن المرجع الكبير الحاج آقا حسين القمي (قدس سره)انّه بعد عزل الغرب البهلوي الأول من الملوكية، غادر العراق بصحبة مراجع آخرين إلى إيران لإصلاح ما أفسده البهلوي فيها، ومن جملة مفاسده: إجبار النساء على الخلاعة والسفور، واختلاط الفتيان والفتيات في المدارس والمسابح وما أشبه ذلك، وانحراف الاقتصاد ومصادرة ممتلكات الناس، وإلى آخر القائمة.

ولما رأى (قدس سره)انّ الهيئة الحاكمة مصرّة على عدم تلبية مطالبه هددّها بالقيام عليها وأعلن قائلاً: بأنّه مستعدّ للمحاربة مع الدولة وإرغامها على تطبيق حكم اللّه ولو بإصدار فتوى توجب على الناس النفير العام لمجابهتها وعزم على ذلك، ولما رأت الدولة قيامه (قدس سره) واستعداده إلى هذا الحدّ من التفاني في سبيل اللّه، وكانت تعرف جيّداً شعبيّته في أوساط الناس وتأثيره فيهم، هابته وخافت من نفوذه وقيامه وأسرعت إلى تلبية مطاليبه.

وهذه القصّة نفسها مذكورة ولكن بشكل مفصّل وبنوع من الإسهاب في بعض ما كتبناه، وألمعنا فيها بأنّه هكذا ينبغي أن يكون العالم شجاعاً ومقداماً.

مع طاغية إيران

قيل: انه البهلوي الأول أمر رؤساء الأصناف بأن يطلبوا حضور أصنافهم وأن يأتوا إلى محل الاجتماع هم ونساؤهم سافرات، كل صنف في يوم، وابتدأ هو بنفسه، ثم الوزراء، ثم الوكلاء، ثم سائر الموظّفين، ثم الكسبة ومن إليهم، وذلك حتى يروّج السفور والخلاعة.

وأخيراً دعى البهلوي إمام الجمعة وقال له: لابدّ وأن تدعو أهل العلم بهذه الكيفيّة، فإستمهله إمام الجمعة وهو يعلم انه لو لم يُلبِّ طلبه كان نصيبه القتل، ثمّ أخذ يفكّر بأنّ خوف القتل هل يكون مبرّراً للقيام بطلب البهلوي أم لا؟

وأخيراً قرّر أن يستشير في أمره مع مرجع عصره ومعروف دهره السيّد مير محمد البهبهاني (قدس سره)، فجاء إليه سراً واستشاره في الأمر.

فقال له السيّد البهبهاني: إعلم ان للإنسان أربعة أشياء يحيى من أجلها ويموت وهي عبارة عن: المال، والحياة، والعرض، والدين، وكلّ مرتبة سابقة يفدّى بها من أجل المرتبة اللاحقة إذا دار الأمر بينهما، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يجب أن تعلم انه قد كبر سنّك وطعنت في العمر ولم يبق من حياتك إلا بضع سنوات على أحسن الفروض، فإذا لبّيت طلب البهلوي فقد اشتريت لنفسك - قبال حياة سنوات معدودة - الخزي والعذاب الأبدي، بالإضافة إلى لعنة التاريخ وشجبه لك، وإن لم تلبّ طلب البهلوي فمنتهى الأمر انّك تقتل فتشتري لنفسك - قبال فقد سنوات معدودة من عمرك - السعادة والحياة الأبدية، إضافة إلى ثناء التاريخ ومدحه لك. والعقل يوجب عليك أن تختار ما فيه السعادة الأبدية، إذن: فلا تلبِّ طلب البهلوي.

وبالفعل لمّا طلبه البهلوي للجواب، أجابه بكلّ قاطعيّة بالنفي، وأبدى عزمه على عدم تلبية ما أراد منه حتى وإن إنتهى به الأمر إلى ما لا يتحمّل عادة، معلّلاً ذلك بأنه لم يبق من عمره شيء وانه على أعتاب الآخرة، ولابدّ للإنسان من أن يموت، فليكن موته قتلاً في سبيل اللّه.

ولمّا سمع البهلوي كلام إمام الجمعة هذا، قال مغضباً: انّ هذه الجرأة على أن تكلّمني بهذا الكلام ليس منك، وإنما هو من ذلك السيّد، ويقصد به السيّد البهبهاني، وأخيراً حفظهما اللّه تعالى عن أن يصل إليهما مكروه، ونالا بموقفهما المشرف، عزّ الدنيا والآخرة، رحمة اللّه تعالى عليهما.

من وعي المرجعية

نقل لي المرحوم الوالد (قدس سره) قصة طريفة اتّفقت للميرزا المجدّد (قدس سره) قائلاً:

انه جاء جماعة من إيران إلى سامراء لزيارة الميرزا المجدّد وذلك بعد قصّة التنباك وكانوا قد أتوا معهم بالهدايا وتحف كثيرة إلى الميرزا، ثم اقترحوا عليه أن يضع منهجاً لتصحيح النظام في إيران، وقالوا: انه لا يصح أن يكون الملك مطلق العنان وأن يفعل ما يشاء بلا مشورة من العلماء الأعلام مما يسبب كثرة المظالم على العباد، وفساد البلاد، وتخريب الاقتصاد، كل ذلك في مثل هذا البلد المسلم والموالي لأهل بيت رسول اللّه (ص) فمن الجدير أن تأمروا بوضع ما يُلزم على الملك التقيّد بالمشورة في كل ما يريد أن يفعله بالنسبة إلى ما يرتبط بشؤون الناس ومصير البلاد، وأن يكون تشاوره مع جماعة من العلماء الأخيار ورجال من الأعيان المتديّنين والمطّلعين على الأوضاع، ثمّ أكّدوا ذلك وكرّروه بصيغ مختلفة وعبارات متفاوتة.

فلم يجبهم الميرزا في مجلسه بشيء وإنما أصغى لهم واستمع إلى ما يقولونه بدقّة، وكان من عادته انه يسكت إذا كان لا يروق له كلام السائل.

فقاموا وخرجوا من المجلس وطلبوا من بعض أصحاب الميرزا أن يعقّبوا الموضوع، ويأخذوا منه النتيجة ويخبروههم بها.

ولمّا عقّبوا الموضوع وأرادوا من الميرزا الجواب على اقتراح القوم قال الميرزا في جوابهم: (اني أفهم ما يريدون، ولكنّي لا أسبب الاضطراب والفوضى لإيران بسبب ما يذكرونه من المحاذير وردّ هدايا الجماعة ولم يقبلها، وتبيّن بعد ذلك ان الأمر كان مدبّراً من قبل المستعمرين الطامعين في بلاد المسلمين، وكان قد أدرك الميرزا القصّة بفراسته، وعرف أنها كلمة حقّ يراد بها باطل.

الصبر والثبات

المرجعية منصب ديني إلهي، والمرجع نموذج مثالي للأخلاق والمكارم، ومعلوم انّه بقدر أهمية المنصب وعظم الشخصية تكون المسؤوليات، وتأتي المشاكل والصعوبات، وقد عددت ذات مرة المشاكل والمصاعب التي لاقاها السيد أبو الحسن الأصفهاني (قدس سره) وصمد أمامها، فكانت كثيرة وجسيمة، مثل:

قتل ابنه بتلك الصورة الفجيعة أمام عينيه، وتبعيده من العراق حيث خالف سياسة الملك فيصل، وحمله السلاح ومحاربته للإنجليز في قصة احتلال العراق وهو حينذاك مرجع للناس قد أرجع إليه الشيخ الميرزا محمد تقي احتياطاته، وقصّة هجرته من النجف الأشرف إلى كربلاء المقدسة حينما كثر الضغط هناك حولـه واشتراكه مع الآخوند (قدس سره) في قصة المشروطة، وحمل أعبائها، واشتراكه مع القمي (قدس سره)وغيره في طرد الإنجليز من العراق، وذلك إبان الحرب العالمية، وصموده في نشر الإسلام وحفظ التشيع أيام تسلط أمثال البهلوي وأتاتورك وياسين الهاشمي على بلاد المسلمين، وغير ذلك من القضايا التاريخية المهمة.

وهكذا ينبغي أن يصمد المرجع أمام الحوادث والكوارث، والمشاكل والمصاعب، وذلك اقتداءً بالرسول (ص) والأئمة الطاهرين (عليهم السلام)، فإن العلماء هم ورثة الأنبياء(4) كما جاء في الروايات والأخبار.

مصاهرة الملوك

يقال: انه كان للميرزا القمي (قدس سره) صاحب (القوانين) ولد بلغ سنّ الرشد وحان وقت زواجه، وكان للملك المعاصر لصاحب القوانين (فتح علي شاه) بنت أراد تزويجها منه، فأرسل الملك رسوله إلى الميرزا القمي ليكلّمه في هذا الموضوع.

فلمّا جاءه الرسول وأخبره بالخبر، قال الميرزا: سوف أجيب.

ولما رجع رسول الملك، تفرغ الميرزا لمناجاة ربّه، وأخذ يدعو اللّه ويقول ما مضمونه: اللّهمّ إني أشكو إليك ما في مصاهرة الملوك من البلايا والفتن، والإقبال على الدنيا والعزوف عن الآخرة، وما لا يليق بالعلماء ورجال الدين، اللّهمّ وانّ ابني هذا ممّن سلك طريق العلم وهو يريد رضاك، اللّهمّ فإن كان نجاة ابني من هذا البلاء بالموت، فإنّي أطلب منك موته - كل ذلك خوفاً منه مما تجرّه مصاهرة الملوك على الإنسان من الدخول في الدنيا وزخارفها ونسيان الآخرة وخسرانها -.

وبالفعل فقد إستجاب اللّه دعاءه وأخذت الولد الحمى من فوره ولم تمض ثلاثة أيّام من دعاء الميرزا إلاّ وإلتحق الولد بالرفيق الأعلى.

ومثل هذه القصّة ينبغي أن تكون درساً لرجال الدين، مع العلم انّ (فتح علي شاه) كان مجازاً من قبل الشيخ جعفر كاشف الغطاء (قدس سره) في إدارة أمور البلاد ورعاية شؤون العباد، فإنّ الإجازة موجودة بنصّها في كتابه كشف الغطاء، وكان نوعاً مّا مواظباً على الأحكام الشرعيّة.

وينقل عن أحد العلماء انه قال: ذات مرّة سافرت من النجف الأشرف إلى كربلاء المقدسة وحين كنت أزور في الحضرة الحسينيّة (ع) إذ رأيت (فتح علي شاه) جاء إلى قرب الرأس الشريف ودموعه جارية على لحيته، ثم ذهب خلف الرأس ورجع، قال: فتعجّبت كيف جاء الشاه إلى العراق ولم نعلم به وكيف انه وحده يزور بلا كوكبة وحشد؟

قال: فخرجت في أثره لأحقّق الأمر فلم أجده فسألت الخدم عنه؟

قالوا: لم نجد ما قلت وأنت مشتبه، فزاد تعجّبي وسألت من حافظي الأحذية (الكشوان) وأجابوا بمثل أجوبة الخدم فخرجت من الحضرة وأرخت القصّة، ولم تمض إلا أيام حتّى جاء نعي الشاه وانه كان مصادفاً لنفس ذلك اليوم الذي رأيته في الحضرة الحسينية (ع).

شورى المراجع

كان ناصر الدين شاه - على ما قيل - يتّخذ القرارات السياسية المرتبطة بشأن البلاد والعباد وحده بلا مشورة من مراجع الأمّة الفقهاء، ولا طلب رأي من العلماء الأعلام، ولذلك كانت الإعتراضات تتوالى من العلماء والمراجع على قراراته غير الصائبة، عملاً بوظيفتي: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وكانت هذه الإعتراضات تقلّل من شخصيّة الشاه وتعرضه للسقوط في أنظار الشعب.

وتلافياً للأمر كان الشاه يضغط - ولكن بكل خفاء - على العلماء والمراجع حتى لا يتجرؤوا على معارضته بتصوّره.

وكان من جملة أولئك المعترضين المرحوم الفشاركي في أصفهان، ففكّر الشاه في طلبه وتهديده بالكفّ عن معارضته، واستقدمه لذلك.

فوصل خبر هذا الأمر إلى أحد علماء طهران وعلم بأنّ الشاه يقصد من إستقدام الفشاركي (قدس سره) تنقيصه وتهديده، ورأى انّ هذا الأمر لو توفّق له الشاه، تعرّضت كرامة كلّ العلماء والمراجع إلى الخطر، ففكّر في العلاج، فرأى انه لم يكن هناك شيء يعالج الأمر بسلام، ويصدّ الشاه عن نواياه أفضل من إتّحاد العلماء والمراجع فيما بينهم.

وإنجازاً لهذه المهمّة، إتّصل ذلك العالم الفقيه ببقيّة علماء طهران وقام بزيارتهم بنفسه ليلاً، وأعلمهم بإستقدام الشاه للعالم الفاضل: الفشاركي إلى طهران وما ينويه تجاهه، وحذرهم من مغبة الأمر، وانه إذا تم للشاه ما ينويه تجاه الفشاركي فسوف يسهل عليه التعرّض لهم أيضاً، إضافة إلى انه منكر شرعاً ويجب عليهم ردعه.

ولإتّخاذ موقف موحد عقدوا اجتماعاً طارئاً بحثوا فيه كيفيّة مواجهة الشاه، وخرجوا بإتّخاذ القرار التالي: وهو أن يعلنوا في الصباح المبكر من يوم غد عن خروجهم إلى استقبال الفشاركي، وفور ما سمع الناس هذا أغلقوا محلاتهم وتركوا أعمالهم وخرجوا بصحبة علمائهم للاستقبال خارج المدينة.

فورد الفشاركي (قدس سره)على المستقبلين بكلّ عزّ واحترام، ونزل ضيفاً على علماء طهران الذين كانوا في مقدّمة المستقبلين، ولما رأى الشاه ذلك، قال لوزيره: أرأيت كيف اتّحدت العمائم ضدّي؟

قال الوزير: والآن لا علاج إلاّ أن تزوره وتكرمه وتعتذر منه.

وقبل الشاه ما أشار عليه الوزير وفعل ذلك وانتهى الأمر بانتصار الدين ورجاله، وعظمة الإسلام وأهله ببركة ذلك الاتّحاد المنبعث عن العقل والرؤية الصابئة.

نعم انّ (شورى الفقهاء المراجع) ضرورة دينيّة ملحّة، وواجب شرعي وعقلي، وخصوصاً في هذا العصر الذي لم ينفرد شخص واحد أو جهة واحدة بالعداء ضد الإسلام، وإنما أحاط الأعداء بالمسلمين من كلّ جانب.

مع فتوى الميرزا المشهورة

يقال: انّه لما حرم الميرزا الشيرازي الكبير (قدس سره) التنباك، فكر الاستعمار البريطاني ان يقوم عبر سفارته في بغداد بنقض حكم الميرزا بسبب أحد العلماء، فحركت السفارة عبر الوسائط - بحسب عادتها - جماعة من الوجهاء فجاءوا إلى المرحوم الشيخ زين العابدين المازندراني المعاصر للميرزا الكبير وذلك في يوم كان مجلس الشيخ غاصاً بأهله ولما استقروا سأله أحدهم قائلاً: ما تقولون في هذا الحديث: (حلال محمّد (ص) حلال إلى يوم القيامة وحرام محمّد (ص) حرام إلى يوم القيامة)(5).

قال الشيخ: حديث لا إشكال فيه.

فقال السائل: أخبرني هل التنباك كان حلالاً قبل تحريم الميرزا أم كان حراماً؟

وهنا عرف الشيخ بالمكيدة، فأجاب قائلاً: كان حلالاً.

قال السائل: فبمقتضى هذا الحديث هو حلال إلى هذا اليوم وإلى يوم القيامة، ولا أثر لتحريم الميرزا؟

قال الشيخ: لا ليس الأمر كما زعمت، بل انّه حرام الآن بسبب فتوى التحريم ولا منافاة بين هذا الحديث الشريف وبين فتوى الميرزا بالتحريم، وذلك لأنّ العناوين الأوليّة، تبقى على حالها ما لم تتعارض مع عنوان ثــانوي فإذا تعارضت تغيّرت، كالصوم الذي هو واجب إلى الأبد ما لم يطرء عليه عنوان الضرر، فإذا طرء عليه عنوان الضرر صار حراماً، والتنباك حلال في ذاته لكن طروّ عنوان الضرر عليه صيّره حراماً، فأفتى الفقيه الجامع للشرائط والمرجع البصير بالأمور بحرمته، فأصبح حراماً بفتواه، فهو من اليوم حرام حتى يرجع الميرزا عن حكمه وذلك فيما إذا ذهب العنوان الثانوي...

وبهذا الكلام أكد الشيخ، فتوى الميرزا بالتحريم فسدّ طريق الإعتراض على المعترض بحيث لم يجد ثغرة يتسلل منها الى مآربه.

الحزم مع الملوك

قيل: انه كان السيد أبو القاسم الكاشاني (قدس سره) يختلف في بعض آرائه السياسيّة مع السيد البروجردي (قدس سره) ولكن السيد البروجردي لم يكن يعبأ بخلافه، ولذلك لما سمع نبأ إعتقال السيد الكاشاني من قبل حكومة الشاه، وعلم بصدور حكم الإعدام عليه، أرسل من فوره إلى الشاه من يخبره بلزوم إلغاء حكم الإعدام عن السيد وإطلاق سراحه.

جاء الرسول إلى الشاه وأبلغه رسالة السيد البروجردي، لكن الشاه تعلل عن قبولها متظاهراً بان الأمر ليس في يده وان المحكمة العليا هي التي تحكم بالسجن والإفراج وكان الشاه يريد إعدام السيد الكاشاني لأنه كان متأثراً منه في قضايا (المصدق) المعروفة.

ولما رجع الرسول وأبلغ السيد البروجردي بالخبر، غضب السيد وقال للرسول: إذهب إلى الشاه، وقل له: ان لم تأمر بالإفراج عنه لحكمت أنا بالإفراج عنه - وكان ذلك تهديداً من السيد البروجردي للشاه بأمر لا يحمد عقباه -.

ولما علم الشاه عزم البروجردي (قدس سره) على ذلك أمر بالإفراج عن السيد الكاشاني فوراً، فأفرج عنه وذلك ببركة حزم السيد البروجردي وتدبيره، وحفاظه على كرامة رجال الدين.

من غدر الإنجليز

كان المرحوم الشيخ عبد الكريم الزنجاني صديقاً مع أحد شيوخ العشائر العربية الكبار وكان من عادة الشيوخ حسن الضيافة، فكان يستضيف الشيخ الزنجاني في كل عام مرة ويكرمه غاية الاكرام ويزوده بالمال الكثير الذي كان يكفيه وطلابه مدّة من السنة.

تكررت السنين والأعوام على هذه الحالة حتى احتل الإنجليز العراق، وإذا بذلك الشيخ يتفق مع المحتلين الإنجليز للبقاء على مصالحه.

وفور ما علم الزنجاني بذلك أرسل إلى صديقه الشيخ من يحذّره عاقبة توافقه مع المحتلين الإنجليز، ويطلب منه - بنصيحة وصداقة - فسخ إتفاقه ونقض معاهدته معهم، لانّهم لا وفاء لهم ولا أمان، مذكّراً له بقوله تعالى: (ولا تركنوا إلى الّذين ظلموا فتمسّكم النار)(6).

لكن الشيخ لم يعبأ بالرسالة ولم ينزل إلى ما عرضه عليه الزنجاني.

فكرّر الزنجاني رسالته الى الشيخ وحذّره بقطع علاقاته مــعه وهدم صداقته له، فلم يؤثّر كل ذلك على سلوك الشيخ واتفاقياته، فقاطعه الزنجاني ولم يذهب لضيافة الشيخ كما كان من عادته في كل عام، فكتب إليه الشيخ يستضيفه ويطلب منه الإغماض عما وقع منه، لكن الأمر حيث لم يكن شخصياً وإنما يرتبط بالإسلام والمسلمين أجابه بالجواب التالي: فرّق بيني وبينك كلمة الإسلام والكفر.

وهكذا غض الزنجاني (قدس سره) طرفه عن صداقة الشيخ لأجل الدين، وقطع نظره من تلك المنافع الطائلة لمصالح المسلمين، ولكن الشيخ حيث لم ينزل لنصح الزنجاني وقع بالتالي فيما حذّره منه من غدر الإنجليز، فقد قتلوه شر قتلة في سجون عميلهم: البهلوي الأوّل في إيران.

أهمية الوحدة الاسلامية

حكي عن بعض ملوك السلسلة الصفوية انه كان ذكياً وحريصاً على نشر الإسلام وترويج التشيع مذهب أهل البيت (عليهم السلام) وكان قد عرف مدى نفوذ المرجعية الشيعية ومحبوبية الفقهاء المراجع في قلوب الشعب الشيعي المسلم، فرأى ان يتوسّل بالمراجع ليكونوا هم الآمرين والناهين.

وذات مرة خرج بصحبة السيد الداماد والشيخ البهائي (قدس سرّهما) - وكان هذان المرجعان يعرفان بوزيريه ومشاوريه - فأراد ان يقوم بعملية إختبار حتى يزداد إيمانه بهما ويقوى اطمئنانه إليهما، وكان أحدهما قد تقدم به فرسه وهو الشيخ، والآخر وهو السيد قد تأخر به مركبه، فأقبل إلى الشيخ وقال له: إنّك رجل متواضع خالٍ عن الكبر ولذا تسرع في المشي، أما السيد ففيه شيء من الكبر حيث انّه قد تأخر لأنّه لا يمشي إلا بخيلاء وتكبّر.

قال الشيخ وهو يردّ عليه: كلا بل بالعكس انّه يلازم السكينة والوقار، واني لأتعجب من فرسه كيف لا ترسخ أقدامها في الأرض من جهة ما تحمله على ظهرها من تمثال العلم والإيمان.

شكر الشاه الشيخ وإعتذر منه، ثمّ تثاقل في مشيه حتى وصل إلى السيد فأقبل عليه وقال له: إنك تمشي كما ينبغي للعالم الوقور والمتّزن ان يمشي في طريقه، لكن الشيخ خفيف النفس غير وقور ولذا تراه كيف يسرع في مشيه ولا يراعي الآخرين.

قال السيد في الردّ عليه: كلا ان الأمر بالعكس انّ الشيخ متواضع وليس بمتكبر ولذا لا يمشي مشي المتكبرين واني لأتعجب من فرسه كيف لا تطير فرحاً مما تحمله على ظهرها من مجسمة الإيمان والعلم.

شكر الشاه السيد وإعتذر منه، ثمّ نزل عن فرسه وسجد للّه شكراً على ما رآه في هذين العَلَمين من الإتحاد والإتفاق والصفاء، والتقوى والإيمان.

وهنا لا بأس بذكر بعض قصص الإتحاد وآثاره البنّاءة، وعرض بعض قصص التفرقة وويلاته المدمّرة، للإشارة إلى أهمية الأوّل وخطر الثاني، فإنّ من أولى الضروريات الحفاظ على وحدة الكلمة والإجتناب على اختلافها، مهما كلف الأمر، ولا يكون ذلك إلا بالاستشارة بين الكبار في السطوح العالية وخاصة بين الفقهاء والمراجع.

*يقال: انّ ملكاً إقترب موته فجمع أولاده وكانوا اثني عشر شخصاً، فأمر بحزمة قصب وشدت بعضها الى البعض فأعطاها لكل واحد منهم وأمره بكسرها فلم يقدر أحد منهم على ذلك، ثمّ فلّها وأعطاها قصبة قصبة لواحد منهم فكسرها جميعاً، عندها إلتفت الملك إليهم وقال لهم: ان مثلكم في الحياة كمثل هذا القصب ان إتحدتم لم يقوَ على كسركم أحد، وان تفرقتم تمكن من كسركم واحد من الناس.

*وحكي عن أحد الخطباء المفوّهين: بأن خطيبا آخر حسده ولم يتق اللّه فيه، وكان الخطيب المحسود يرقى المنبر في المسجد الجامع للبلد، فقام الحاسد بتهيئة المنبر في المسجد الجامع بظن انّه سوف ينال هذا الحظ إذا منع زميله وسيكون هو الخطيب هناك، لكن هيهات، فقد منع هو أيضاً حيث دعى صاحب المجلس خطيباً ثالثاً.

*ويقال في المثل عن لسان الحيوانات: ان ثلاثة من الأبقار بألوان ثلاثة: أحمر وأصفر وأسود كانت تعيش معاً في مزرعة، فجاء أسد ليفترسها فرأى انه لا يقوي عليها جميعاً، فإحتال في أن يفرّق بينها ليسهل له إفتراسها، فأقبل نحوها وقال: لنمش معاً بأمان، فاني أحرسكم من كل عدو، ولكن هذا الثور الاصفر قد يفضحنا بلونه ويكشفنا للعدو، فلو تخلصنا منه؟ قال هذا وهو ينظر إلى الثور الأسود والأحمر كأنّه يستشيرهما، فأجاباه بدورهما: انّه كما تقول، ولكن كيف نتخلص منه؟ فقال: انّه سهل لو أحرزت موافقتكما، فقالا: نحن موافقون، فقال: أفترسه ونتخلّص منه، ثمّ أفترسه بكل راحة وسهولة وجعله لقمة سائغة، ثمّ أمضى معهما مدة حتى إذا جاع وأضرّ به الجوع إلتفت الى الثور الأسود وقال: انّي قلق وأخاف من العدو ان يكشفنا، فان هذا الثور الأحمر قد يفضحنا بلونه، فسكت الأسود، فواصل الأسد كلامه وقال: فلو تخلصنا منه كي نعيش معاً بأمان؟ فأبدى الثور الأسود رضاه ولم يقل شيئاً، فوثب الأسد على الثور الأحمر وإفترسه بكل سهولة لقمة سائغة، ثمّ بعد مدّة لما جاع الأسد وثب على الثور الأسود وأراد إفتراسه وأكلِهْ، فقال الثور: دعني حتى أتكلم كلمتي الأخيرة، ثمّ صرخ بصوت عال وقال: لقد اُكلتُ حين أكُلِ الثور الأصفر.

*ويحكى عن شخصين مسافرين مرّا في الطريق على مضيف، فأقاما هناك للاستراحة وبقيا فيه، فقام أحدهما لقضاء حاجته، فسأل الشيخ وهو صاحب المضيف من الآخر عن صديقه قائلاً: كيف صديقك؟ قال: إنّه ثور، فسكت الشيخ ولم يقل له شيئاً، حتى إذا رجع ذلك وخرج هذا لقضاء حاجته، سأله الشيخ عن صاحبه قائلاً: كيف صاحبك، قال: إنّه حمار، فسكت الشيخ أيضاً ولم يقل له شيئاً، لكنه أضمر في نفسه تأديبهما، ولذا لما حان وقت الغداء، أمر بأن يقدم لأحدهما تبناً والآخر شعيراً، فلما قدم لهما ذلك غضبا وقالا: ما هذا الذي قدّمت لنا؟ فقيل في جوابهما: انه بحسب إعتراف كل منكما في حق صاحبه، فان أحدكما قد قال في الجواب لما سألته عن صديقه: انه ثور، وهل طعام الثور إلا التبن؟ وقال الآخر في الجواب لما سألته عن صاحبه: بأنّه حمار، وهل طعام الحمار إلا الشعير؟ فسقط في أيديهما، وعلما أنهما قد عوملا بما في أنفسهما من سوء نية بالنسبة لكل واحد منهما.

*ويقال: انّ ثلاثة أشخاص ذهبوا معاً يتنزهون فدخلوا في طريقهم بستاناً وأخذوا يأكلون منه بلا إذن من صاحبه، فجاء صاحب البستان فلما رآهم يعثون بالفواكه ويسرفون في إقتطافها وأكلها فكّر في تأديبهم، لكن رأى انّه لا يقدر على مقاومة الجميع لانّه واحد وهؤلاء ثلاثة، الا ان يُلقي التفرقة بينهم، ولذلك جاء وأقبل على إثنين منهم وقال: كأني أراكما من معارفي فاهلاً بكما، وهنيئاً لكما، ولكن أخبراني عن هذا الثالث بأنّه بإذن من دخل البستان وبإذن من أكل ما أكل فإني لا أعرفه؟ فقالا في جوابه: ونحن أيضاً لا نعرفه. فقال: إذن هو متجاوز ويجب تأديبه، ثمّ إلتفت إليهما وقال: أعينوني عليه، فشدوه بنخلة من نخيل البستان ثمّ أوجعه ضرباً، وبعد برهة من الزمان إلتفت إلى واحد من هؤلاء الإثنين وقال: أخبرني من أنت لأعرف هل أنت كمن ظننت من معارفي أم لا؟ فقال: اني فلان ابن فلان الكذائي، فقال صاحب البستان: عجيب اني اذن مشتبه في ظني، فلست انت من تخيلت انّه من معارفي، ثمّ إلتفت إلى الآخر وكأنه يحرّضه عليه وقال: إذن صاحبك هذا متجاوز فأعنّي على تأديبه، ثمّ شدّه بنخلة ثانية من نخيل البستان وأوجعه ضرباً، وبعد فترة أخذ صاحب البستان أهبته وأقبل على الأخير وقال له: وأنت أيضاً كصاحبك أتصور انّي مشتبه فيك، ولما أراد أن يعرّف هذا الأخير نفسه، فاجئه صاحب البستان بالقبض عليه ثمّ شده بنخلة ثالثة في البستان وأوجعه ضرباً، وهكذا استطاع تأديبهم جميعاً لما فرّق بينهم.

إلى غير ذلك من القصص الكثيرة الواردة بهذه المضامين في هذا المجال وربما لا يقدر الإنسان على حفظ الوحدة وإتحاد الكلمة لعنف طرفه وشدة خُرقه فاللازم عليه ان يسكت من ناحيته ويتحلى بالرفق والحلم تجاهه حتى يقلّل من حدة التوتر وشدة الخلاف.

القاضي الوحيد

يشترط في إجراء الحدود، والقوانين الجزائية في الإسلام، شروطاً من أهمّها:

تطبيق كل أحكام القرآن والإسلام تطبيقاً صحيحاً كاملاً وذلك في الأوساط الاجتماعية والشخصية، والأبعاد السياسية والاقتصادية وغيرها، فإذا طبق كل ذلك وفي كل المجالات، وصار الجوّ والمناخ جوّا ومناخاً إسلامياً عندها يأتي في آخر المطاف دور تطبيق الحدود الإلهية والقوانين الجزائية في الإسلام مع رعاية شروطها الخاصة.

والظاهر: انّ هذه الشروط كانت متوفرة كلها في زمن المرحوم البهبهاني نجل العلامة الوحيد البهبهاني (قدس سره)، مما جعله يفتي بإجراء الحدود في عصره وزمانه ويقيمها على المستحقين في بلده ومكانه.

وذات مرة جاؤوا اليه بساحر قد ثبت عليه إرتكابه للسحر وقتله لإنسان بري، فلما أراد إجراء الحد عليه، قال له الساحر: انك لو أجريت الحدّ عليّ لم تبق حياً أكثر من إسبوع واحد، وكان الساحر يقصد من قوله هذا التهديد له بسحره والقضاء على حياته بالسحر في مدة إسبوع.

فأجابه البهبهاني بكل صراحة: ان الحدود الإلهية لا تعطّل بمثل هذه التهديدات، ثمّ أمر بإجراء الحد عليه.

مع الناحية المقدسة

من المعروف ان الميرزا الشيرازي الكبير (قدس سره) صاحب فتوى تحريم التنباك - رغم تشاوره مع علماء عصره ومراجع وقته، وعقده لشورى الفقهاء المراجع - لم يكتب فتوى التحريم إلا بعد ان استأذن الإمام الحجة (ع) في الأمر، ويؤيد ذلك انّه كتب في فتواه: استعمال التنباك اليوم في حكم محاربة إمام العصر (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).

وللتنباك قصة طويلة ومفصلة كتبها أحد معاصري الميرزا في كتاب كبير رأيته مخطوطاً عند المرحوم الشيخ ميرزا محمد الطهراني (قدس سره) فحرضته على طبعه ونشره فقال: أردت طبعه لكن الحكومة منعت ذلك.

نعم لم يكن هذا الأمر خاصاً بالميرزا الشيرازي: بل نقل عن بعض علمائنا الأعلام أيضاً ذلك، وأنّهم كانوا يتلقون المهام عن الناحية المقدسة مباشرة، كما يحكى عن الشيخ المفيد والسيد بحر العلوم، والمقدس الأردبيلي، والسيد ابن طاووس وغيرهم رضوان اللّه عليهم جميعاً.

 

1 ـ كتب المنصور إلى جعفر بن محمد (ع) لم لا تغشانا كما يغشانا سائر الناس؟ فأجابه (ع): ليس لنا ما نخافك من أجله، ولا عندك من الآخرة ما نرجوك له، ولا أنت في نعمة فنهنّيك ولا تراها نقمة فنعزيك بها، فما نصنع عندك؟ قال: فكتب إليه: تصحبنا لتنصحنا. فأجابه (ع): من أراد الدنيا لا ينصحك، ومن أراد الآخرة لا يصحبك. فقال المنصور: والله لقد ميّز عندي منازل الناس من يريد الدنيا ممّن يريد الآخرة وانه (ع) ممّن يريد الآخرة لا الدنيا. مستدرك الوسائل: 13 / 128 ب 27 ح 14979.

2 ـ وسائل الشيعة: 1 / 399 ب 40 ح 4.

3 ـ مستدرك الوسائل: 17 / 316 ب 11 ح 21455.

4 ـ مستدرك الوسائل: 17 / 299 ب 8 ح 21400.

5 ـ راجع الكافي: 2 / 17 ح 2. ومستدرك الوسائل: 12 / 217 ب 14 ح 13924.

6 ـ هود: 113.