الفهرس

الاخلاق والسلوك

المؤلفات

الصفحة الرئيسية

 

العمل

نكب الدهر بأحد الأثرياء، وأفلس حتى باع جميع ما يملك، ولم يكن يملك حتى لقمة العيش، فسافر إلى بلد آخر لا يعرفه أهله، وأخذ هناك يعمل حمّإلاّ في مخزن، ولما جمع بضعة دراهم اشترى القلنسوات الصوفية، وكل يوم إذا بزغت الشمس كان يعرضها على أبواب الحمامات، فإذا ارتفع النهار ابتدأ من أول شارع في المدينة فيدق أجراس الدور باباً باباً، ويعرض لأصحاب الدور بضاعته، واستمرّ هكذا يعمل كل يوم إلى غروب الشمس، فلم تمض سنوات حتى رجعت ثروته، وتحسنت حالته، ورجع إلى وطنه كأعز ما يكون.

إن النازحين يجب عليهم أن يعملوا ليستعيدوا ما فقدوه، وأفضل مما فقدوه، فإن العمل عزّ وشرف مهما كان العمل متواضعاً، أليس قد ورد أن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) كان ينزح الماء ليهودي ـ كما في كتاب بحار الأنوار ـ لقاء تمرات؟ وأن الرسول (صلّى الله عليه وآله) كان يسافر ضرباً في الأرض لأجل التجارة لقاء أجرة؟

إنهم بكل صورة يجب عليهم أن يعملوا ويجدّوا ويجتهدوا، بل إذا قدرت نساؤهم على الخياطة أو ما أشبه، وأولادهم على البيع للأشياء الخفيفة في بسطة كالشخّاط[1] وما أشبه، اشتغلوا، حتى يخففوا على أنفسهم ويلات الحياة، وصعوبات المعيشة، قال الشاعر:

ومن يعمل يفز فيما اشتهاه***ومن يكسل فآخره الندامة

ترك ما لا يعني

كان أحد التجار فضولياً يدخل في كل أمر مما يعنيه ومما لا يعنيه، ويسأل عن كل شيء، سواء كان له علاقةٌ به أو لا، فنهاه أصدقاؤه، لكن النهي لم يزده إلاّ عناداً، وذات مرة اتفق أن كان يمر هو وبعض أصدقائه في منتصف الليل، من شارع وإذا بهم يسمعون جلبة وضوضاء في شارع فرعي، فقال التاجر الفضولي: دعنا نذهب إلى مصدر هذه الأصوات لنرى ماذا حدث؟ فنهاه صديقه لكن النهي لم يزده إلاّ إصراراً، فتركه الصديق ووقف مكانه، والفضولي ذهب إلى ذلك المكان، ولما طال انتظار الصديق دون أن يرجع التاجر جعل يبحث عنه، فقالوا له: لقد نقل إلى المستشفى، ولما سأل عن السبب قالوا: كان هناك صدام بين جارين، فجاء التاجر وأدخل نفسه بينهما، فجاءته ضربة في مقتل فسقط مغشياً عليه، ولم تذهب أيام إلاّ والتاجر من أصحاب القبور!

إن النازحين يجب أن يقدّروا موقفهم، وأنهم في بلد جديد على أسلوب حياتهم، وكل مكان يوجد الصالح والطالح والخيّر والشرّير، فليحفظوا ألسنتهم، وليحصروا أعمالهم فيما يعنيهم، فإن اللسان ربما أودى برأس الإنسان، والتدخل في كل أمر حاضر ربما أدخل الناس في أصحاب المقابر ولذلك: ورد عن المعصومين (عليهم السلام) في جملة الفضائل: (ترك ما لا يعني)[2]، وتكفي النازحين شغلاً، مهامهم الشخصية وحوائجهم الفردية والاجتماعية، قال الشاعر:

إن السفيه هو الذي إن عنّه أمر ركض***والعاقل النحرير عند حدود مرماه ربض

الإله

كان إنسان قد بطرته المعيشة فنسي الله سبحانه، ثم أصابته بلية ذهبت بماله وأهله وصحته، فحاول أن يقترب من الله سبحانه، وأخذ يذكر الله تعالى في كل حال، وطهرته النكبة وصفا قلبه، وإذا به تعود صحته، ويجتمع شمله، ويرجع إليه ما فقد من مال، فبقي يذكر الله ليل نهار، سراً وجهاراً، وجعل ينظر إلى الحياة نظرة العقلاء، يقدّر النعمة، ويشكر العطية، ويخاف سوء العاقبة، وبذلك مسح اسمه من ديوان الأشقياء ودخل في ديوان السعداء، فأفاد خير الدنيا العاجلة، وحسن ثواب الآجلة.

إن النازحين يجب عليم أن يذكروا الله سبحانه في كل صغيرة وكبيرة، وكل شدة ورخاء، وكل عافية وبلاء، فإن كثرة ذكر الله تحل المشاكل، تنفي الشدائد، وتطهر القلب، وتجلي الهمّ.

قال الله تعالى في القرآن الحكيم: ((الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً))[3]، وذكر الله يوجب اعتدال الإنسان واستقامته.

وقال لقمان لابنه: (لا تنس اثنين، ولا تذكر اثنين: لا تنس الله والموت، ولا تذكر احسانك إلى الناس وإساءة الناس إليك).

والإنسان الذي يذكر الله تعالى ـ دائماً ـ: قليل الهم كثير النشاط، مأمون الجانب، حسن العشرة، بادي الخير.

الطاعة

تفضل الله على عبد بنعمة، فتدرّج في مدارج الطاعة والعبادة، حتى وصل إلى درجة الزاهدين، ثم إن الامتحان شمله، فابتعد عن الطاعة قليلاً قليلاً زاعماً أنه لا يحق له أن يطيع، وكيف يطيع من لا يتفضل عليه؟!

وأخيراً آل أمره إلى أن ترك العبادة إطلاقاً، وأصبح من جملة الخارجين عن طاعة الله تعالى، يرتكب الآثام والمعاصي.

ثم شك في وجود الله تعالى، وألحد في دين الله، وحكم عليه بالإعدام لجريمة اقترفها، فلما وضع حبل المشنقة في عنقه كفر بالله، ومات الزاهد كافراً بالله تعالى، وصار من الملحدين الداخلين النار أبد الآبدين، بعد أن كان في عداد الأخيار الزاهدين المستحقين لجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.

إن النازحين يجب عليهم أن يواظبوا على طاعة الله، فلا يتركوا أوامره لأجل ما نكبوا به في وطنهم، أو في مالهم، أو لأجل ما عانوه من الأتعاب والمصائب، فإن ذلك كله امتحان، ولابد للإنسان من الامتحان.

قال الله تعالى: ((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ))[4].

وقال الشاعر الفارسي ما معناه: (ما أحسن أن يعرض الإنسان لمحك التجربة، حتى يسودّ وجه المغشوش)[5].

روح الأئمة الطاهرين (عليهم السلام)

عبد أسود، اصطيد من مجاهيل إفريقيا، كان لا يحسن حتى التكلم، ويستوحش من الناس استيحاش الوحش النافر، واتفق أن بيع من عالم رباني، وبعد مدة رؤي العبد وهو يتحلى بأسمى الآداب وأرفع الأخلاق، ويحمل العلم الكثير، والفضيلة الواسعة، فقالوا له: وكيف بلغت ما بلغت؟

قال: إن التراب إذا جاور الورد، اكتسب منه رائحة العطر.

فكيف بإنسان يعايش عالماً يشعّ نوره، ويحمل بين جنبيه أطيب من العطر وأفضل من رائحة الورد؟ والطبع يكتسب مما تمر به:

(نتناً من النتن، أو طيبا ًمن الطيب).

إن النازحين، وخاصة النازحين منهم من الأعتاب المقدسة: النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء، يجب أن يحملوا شيئاً من روحية الأئمة الطاهرين (عليهم السلام)، حتى يظهر الناس إنهم كانوا مجاورين لأفضل المثل العليا للبشرية علماً وفضلاً، وتقوى وأخلاقاً، وإصلاحاً وهدىً.

يقول (سعدي) في أبيات فارسية ما معناها:

(تربة عطرة وصلت إلى يدي ـ في الحمام ـ من يد محبوب، فقلت لها: هل أنت مسك أو عبير؟ فإن رائحتك آنستني، قالت: كنت تربة تافهة، ولكن جالست الورد مدة من الزمن فأثّر فيّ كماله، وإلاّ فأنا لا زلت ذلك التراب)[6].

[1] كما في اللهجة العراقية وهي تصحيف عن (الشحاط) بالحاء المهملة، أي: عود الثقاب أو الكبريت المصطلح اليوم، ويقال لمشابهها قداحة أو ولاعة.

[2] راجع بحار الأنوار، ج68، ص176، ب78، ح5، وفيه: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (أعظم الناس قدراً من ترك ما لا يعنيه).

[3] سورة آل عمران، الآية 191.

[4] سورة الحج، الآية 11.

[5] خوش بود گر محك تجربه آيد به ميان      تا سيه روي شود هر كه در أو غش باشد.

[6] هذه الأبيات باللغة الفارسية للشاعر الإيراني سعدي الشيرازي (1189-1291م):

گلـى خوشبوى در حمام روزي    رسيـد از دست محبوبى بدستم

به دو گفتم كه مشكى يا عبيري     كه از بوى دل آويز تو مستم

بگفتــــا من گـلــى ناچيز بودم     وليـــكن مدتى با گـــل نشستم

كمال همنشين در من اثر كرد     وگرنه من همان خاكم كه هستم.