الفهرس

الاخلاق والسلوك

المؤلفات

الصفحة الرئيسية

 

الصداقة

كانت في مزرعة أحد الريفيين قطط كثيرة تزعجه، فاصطادها وجمعها في كيس، وذهب بها إلى البر ليلقيها فيه، لكن القطط ظلت تتنهاش وتتنازع، غافلة عما يراد بها بعد دقائق.

وشرّد أخوان كان بينهما نزاع عائلي إلى بلد آخر، فأخذ كل واحد منهما يشي إلى الدولة ضد أخيه، حتى أُلقي القبض عليهما، وحُكم بالسجن على أحدهما ثلاث سنوات وأُعدم الآخر شنقاً.

إن بعض النازحين، لابد وأن يحملوا معهم بعض المنازعات من بلادهم، فإنهم يجب أن يفكروا في أن المنازعات عاقبتها الويلات بكل الأطراف.

فاللازم عليهم أن يغسلوا ما في قلوبهم من أحقاد، وما في أدمغتهم من أفكار سوداء، ليعيشوا بسلام.

أليسوا يحبون أنفسهم؟

قال عيسى المسيح (عليه السلام): (أحبوا أعداءكم)[1]. وقال الشُراح: إنه (عليه السلام) أراد خير المحب قبل أن يريد خير المحبوب.

وفي القرآن الحكيم: ((وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ))[2].

وقال سبحانه: ((وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً))[3].

يقول الشاعر:

إذا أحببت نفسك فاتخذها***صديقة كل من عاداك جهرا

فإن عاديتهم كنتم سواءً***وأعدمك العدا مدحاً وأجرا

الاندماج

أراد أحد رجال المال في بعض البلاد ترشيح نفسه للمقعد النيابي، فاستشار محاميه عما يضمن له النجاح في الانتخاب؟

فقال له المحامي: إن الطريق الوحيد للنجاح، هو الاندماج في المجتمع حتى يشعر المجتمع بأنك منه، وأنه منك، فإن ذلك كفيل بأن ينتخبوك حين الاقتراع.

وإذا بالناس يرون الثري الذي لا يأبه بالناس ينزل إلى مستواهم، فيعود مرضاهم، ويحضر ولائمهم، ويشيّع جنائزهم، ويستقبل القادمين، ويحزن في أحزانهم، ويفرح لأفراحهم، حتى إذا جاء يوم الانتخاب، صوّتوا باسمه، وصار نائباً عنهم.

إن النازحين يجب عليهم أن يندمجوا في البلد الذي نزحوا إليه، حتى يكونوا جزءاً منه، ليشعر أهل البلد بأنهم منهم، يشعرون بالوحدة معهم، كأنهم بعض أعضاء جسم البلد، وبذلك تذهب عنهم وحشة الغربة، ويذهب عن أهل البلد الشعور بثقلهم.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، فسعوهم بأخلاقكم)[4].

وقال الشاعر الفارسي ما ترجمته:

(بنو آدم كأعضاء في جسم واحد، فهم في أصولهم من عضو واحد، فإذا آلم الدهر عضواً ذهب الاستقرار من سائر الأعضاء، فإن كنت في غفلة عن ألم الآخرين، لا ينبغي أن تسمّى إنساناً)[5].

وفي الحديث: (المسلمون كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمّى)[6].

وإذا لم يحصل الاندماج الكامل استوحشت النفس، وبذلك تتولد العقد النفسية، وتؤدي إلى الأمراض النفسية والجسدية.

اللسان

ذهب لص إلى دار احد الحاكة، ليسرق ما فيها، فإذا بالحائك يحوك قماشاً جميلاً، فانتظر اللص أن يتم حياكته ليسرقه فرأى الحائك يحوك ويقول:

(اللهم احفظ رأسي من شر لساني).

حتى صار الصبح، وأخذ الحائك القماش، وتبعه اللص، حتى وصل إلى دار الأمير، فقدم الحائك القماش إلى الأمير، فاستحسن الأمير القماش، وسأل الحاضرين عما إذا كان القماش يصلح لأي شيء.

قال كل واحد منهم شيئاً، لكن أحدهم قال: اسألوا نفس الحائك!

قال الحائك: إنه يصلح أن يلقى على تابوت الأمير.

فغضب الأمير من هذا الجواب، وأراد أن يضرب عنقه.

وهنا تدخل اللص وقال: دعوه فإن لسانه ليس بيده، ونقل لهم ما سمعه البارحة، فعفا عنه الأمير.

إن النازحين يجب عليهم أن يحفظوا ألسنتهم، عن سوى الخير وما يعنيهم.

وفي المثل: (لسانك حصانك إن صنته صانك وإن هنته هانك).

يقول الشاعر:

لسانك لا تبدي به سوءة امرئ***فكلّك سوءات وللناس ألسن

وعينك إن أبدت إليك معايباً***من الناس قل يا عين للناس أعين

وفي الحديث:

(وهل يكبّ الناس على مناخرهم في النار إلاّ حصائد ألسنتهم؟)[7].

الانزلاق

كان شاب جميل يخشى عليه أبوه من الانزلاق، ونصحه مرات ومرات محذراً إياه من أن يستهويه الفساد، ولكنّه كان واثقاً من نفسه، فيجيب أباه: إن عاقبتي إلى خير. وأخيراً وقع ما حذّر منهُ الأب، فقد وقع الشاب في أحبولة فتاة، فصرف عليها ما عنده من المال، وأصابته عدوى مرض قبيح، وازداد الألم حتى أدخله المستشفى، لكن المرض كان أكثر من أن يطارده الدواء، فلزم الفراش. وذهب شبابه ضحية إفساده بعد ستة أشهر، وإذا بهم يجدون الشاب على خشبة المغتسل!!!

إن النازح الشاب يجب أن يقاوم الإغراء أكثر من غيره... وكثيراً ما يكون الشباب آفة وبلاءً، والجمال عناءً وانهياراً.

إن الانزلاق الجنسي، والحضور في المحاضر المحظورة، واستعمال المخدّرات، وما إلى ذلك.. تهدم الحياة والسعادة.

فليحافظ النازح على ماله، وسمعته، وشبابه، وصحته.

يقول الشاعر:

إذا انزلقت فأنت اللائم الآثم***فكم شباب من اللذات قد حرموا

ويقول الشاعر الفارسي ما ترجمته:

لو عرفت لذة ترك اللذة***لم تسمّ لذات الدهر لذة[8].

وفي الحديث: (ربّ أكلة تمنع أكلات)[9].

التحنّن

في الحديث: إن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) كان يتحنّن على الصغير، ويتفقد الكبير، ويسعف العاجز، ويساعد الضعيف، وينفق على الفقير، حتى قال الله سبحانه له: ((وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ))[10].

حتى أنه ربما أتت إليه المرأة برضيعها ليؤذن في أذنه، أو يدعو له، فكان الرضيع يبول في حجر الرسول (صلّى الله عليه وآله) فتزرمه أمه، فكان الرسول (صلّى الله عليه وآله) يقول (لا تزرموه وأما ثوبي فأغسله)[11].

وربما نزع ثوب جلده وألبسه المحتاج وبقي بلا ثوب.

وشرب ذات مرة خادمه لبناً كان يتعشى به، لم يقل له: لم؟ وبات بلا عشاء.

يجب على النازحين أن يتحننوا على بعضهم، ففي الآية الكريمة: ((وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ))[12].

فاللازم أن يتحنن كبيرهم على صغيرهم، وقويهم على ضعيفهم، وثريهم على فقيرهم، وقادرهم على عاجزهم، وصحيحهم على مريضهم.

وفي الحديث القدسي: (أنا عند المنُكسرة قلوبهم، والمنُدرسة قبورهم)[13].

إنّ التحنن يوجب ثواب الآخرة، وخير العاجلة.

فالأمة التي يتحنن بعضهم على بعض، أمة في أسمى مراقي الكمال.

وفي الحديث: (من كف يده عن الناس، فإنما يكف عنهم يداً واحدة، ويكفون عنه أيادي كثيرة).[14]

يقول الشاعر:

إذا شئت أن تستقطب الناس فاتخذ***من النفس مرقاة لما كنت تهدف

قريب إليهم من يحنّ وإنما***بعيد عن الخلاّن من يتعجرف

الثقافة

تأخرت (اليابان) تأخراً هائلاً قبل قرن من الزمان، فانعقد المجلس الأعلى للدولة يسألون بعضهم بعضاً عن سبب التأخر؟ وقال كل واحد منهم جواباً، حتى وصل الدور إلى أحدهم ـ كان حكيماً مجرباً ـ فقال: لقد قرأت في كتاب المحمديين (يقصد القرآن) أن أسباب التقدم تتخلص في شيئين:

الإيمان والعلم؛ حيث يقول تعالى: ((يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ))[15] وحيث إننا واجدون للإيمان فالذي نفقده هو العلم، فاللازم علينا أن نتخذ العلم وسيلة للتقدم، وبرهن الحكيم على ذلك، واستحسن الجميع رأيه، وقرروا نشر الثقافة والعلم، وعلى أثر ذلك قفزت (اليابان) قفزتها الصناعية في أقل من قرن.

إن النازحين يجب عليهم أن يثقفوا أنفسهم بالثقافات العلمية والعملية، حتى يصبحوا كباراً، فقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (قيمة كل امرئ ما يحسنه)[16]، وفي شعر منسوب إليه (عليه السلام): (الناس موتى وأهل العلم أحياء)[17].

ولا فرق في الثقافة بين الثقافة التجارية، أو الصناعية، أو الزراعية، أو الاجتماعية، أو العلوم التي تدرّس في المدارس وتنتهي إلى كون الإنسان طبيباً، أو مهندساً، أو جيولوجياً، أو غيرها.. وحتى النساء الكبار في البيوت يتمكنَّ من تحصيل العلوم المنزلية كالخياطة، وحياكة السجاد، وما شابههما.

الأمانة

كان أحد التجار لا يراعي الأمانة حتى اشتهر بهذه الصفة عند الناس، وسحبوا منه ثقتهم، فانكسر التاجر ومات غصة، فتعلم ولده منه الأمانة، ففي المثل: (تعلم الأدب ممن لا أدب له)، وذات مرة جاءه قائد من قواد الجيش، وأعطاه مإلاّ كثيراً، وقال: إني ذاهب إلى الحرب، فإن لم أرجع ادفع المال إلى ورثتي، ولم يرجع القائد، ولم يعرف ابن التاجر بمقتله، وافتقر أهل القائد، فشكوا حالهم إلى الخليفة عبد الملك، لكن عبد الملك أهمل الجواب، وبعد مدة عرف ابن التاجر بمصرع القائد، فذهب وسلم المال إلى أهله، وبينما عبد الملك يفتش في الأوراق القديمة عثر على كتاب أهل القائد، فطلبهم ليعطي لهم مالاً، لكنهم أبوا قبول المال، معتذرين بأن الله وسّع عليهم بواسطة الأمانة التي تركها لهم القائد المقتول، وعرف عبد الملك بأمانة الولد فأعجب به، وطلبه، وجعله وزير المالية،وهكذا أفادته الأمانة فائدة جليلة.

إن النازحين لابد لهم أن يدخلوا في معاملات الناس، فمن الضروري عليهم استشعار الأمانة حتى يعرفوا بأنهم أُمناء، وبذلك: يرفعون مستوى النازح في الأعين، ويرغب في التعاون معهم، ويتقدمون إلى الأمام بخطوات سريعة، والأمانة إنما تكون في العمل، وفي المال، وفي العرض، قال الله تعالى: ((إِنَّا عَرَضْنَا الأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً))[18]، وفي الحديث: (ما بعث الله نبياً قط إلاّ بصدق الحديث، وأداء الأمانة)[19].

يقول الشاعر:

أقل النصح كي تكن في زيادة***كن أميناً إذا أردت السعادة

[1] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج10، ب186، ص155.

[2] سورة الأنفال، الآية 46.

[3] سورة آل عمران، الآية 103.

[4] الفقيه، ج، ص394، ب2، ح5839.

[5] بني آدم أعضاي يكديگرند***كه در آفرينش ز يك گوهرند

چو عضوي به درد آورد روزگار***دگر عضوها را نماند قرار

تو كز محنت ديگران بي غمي***نشايد كه نامت نهند آدمي

[6] راجع بحار الأنوار، ج58، ص150، ب43، ح29، وفيه: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (مثل المؤمنون في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى بعضه تداعى سائره بالسهر والحمى).

[7] الكافي، ج2، ص115، ح14.

[8] اگر لذت ترك لذت بداني***دگر لذت دهر لذت نخواني

[9] مجموعة ورام، ج2، ص242.

[10] سورة القلم، الآية 4.

[11] مثير الأحزان، اللهوف (يراجع).

[12] سورة الحشر، الآية 9.

[13] راجع منية المريد، ص 123، وفيه: (أنا عند المنكسرة قلوبهم) ودعوات الراوندي: ص 276، وفيه: روي أن داود (عليه السلام) قال: إلهي هل يذكر أحد الأموات حين درست قبورهم؟ قال: يا داود إني لم أنسهم أحياء مرزوقين، فكيف أنساهم أمواتاً مرحومين! كلما قطعت لهم إرباً غفرت لهم ذنباً وأغفر لهم بكل شعرة سقطت وبكل عظم بلي وأنا أرحم الراحمين.

[14] الخصال، ص17.

[15] سورة المجادلة، الآية 11.

[16] بحار الأنوار، ج1، ص165، ب1، ح4.

[17] الديوان المنسوب للإمام علي (عليه السلام): قافية الهمزة المضمومة:

فقم بعلم ولا تبقى له بدلاً***فالناس موتى وأهل العلم أحياء

[18] سورة الأحزاب، الآية 72.

[19] مستدرك الوسائل، ج14، ص7، ب1، ح15942.