الفهرس

المؤلفات

 الاقتصاد

الصفحة الرئيسية

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

لا يتقدم المسلمون إلى الأمام، ولا يتخلصون من شرور الكفار إلا إذا تقدم الإسلام، وجُعل نظام الحكم في البلاد، ولا يتقدم الإسلام إلا إذا كانت هناك مؤسسات ومشاريع ووعي جماهيري لدى المسلمين، بما يتطلبه العصر الحاضر، وإلا فالأعزل عن المشاريع، والمؤسسات، لايتمكن أن يقاوم من له المؤسسات والمشاريع فإن الغرب القابض على زمام المسلمين ــ اليوم ــ مزود بأكبر قدر من الرجال والمال والتفكير والتخطيط. والمؤسسات والمشاريع وسائر مقومات الحياة، في أدق معاني المقومات.

والمؤسسات والمشاريع والوعي لاتحصل إلا بالمال والرجال، والرجال تجمعهم المؤسسات التصاعدية، فاللازم التأسيس في أسرع وقت وبكمال الدقة والحزم، والمال يأتي به الجهد المتواصل عن خبرة وجرأة ومعرفة الحاجة وقدرة الإقناع، بما يتطلبانه من علم النفس وعلم الاجتماع وغيرهما، وإلا فلا أحد يقول:

هاكم المال خذوه واصرفوه كيف شئتم وفيم شئتم.

وهذا الكتاب موضوع لإرائة ما أرى، وللتشجيع على القيام بمستلزمات ما نرى، علّ المسلمين يتمكنون من جمع المال وتنظيمه ليكون إحدى اللبنتين في نهضة إسلامية شاملة.

(أنفقوا كي تتقدموا) اسم الكتاب، وهو حقيقة مائة في المائة، فـ (لولا سيف عليّ ومال خديجة لما تقدم الإسلام) لولا بذل الأغنياء وتنظيم المال لصرفه في المصالح العليا، لم يتقدم لا الإسلام ولا الأغنياء من المسلمين…

إن في الغرب اليوم أغنياء قد تعد ثروة أحدهم بالمليارات، فهل في بلاد الإسلام اليوم من تبلغ ثروته عشر هذه الثروة؟ كلا! ولماذا؟ لأن الإسلام إذا تأخر فالمسلمون كلهم متأخرون، ثريّهم متأخر عن ثريّ الغرب، وحاكمهم متأخر عن حاكم الغرب، وعالمهم متأخر عن عالم الغرب، وهلم جرا، فإذا بذل أغنياؤنا المال، لم يكونوا بذلك إلا مساهمين في تصعيد مستواهم، قبل كل شيء، وصدق الله سبحانه حيث يقول: (ومن يبخل فإنما يبخل على نفسه) فإن نتائج البخل تظهر أول ما تظهر في مال البخيل، بل سمعته، وآخرته.

ثم إن البلاد الإسلامية تعاني أزمة حادة، فقد كان في الماضي القريب، يستعمرهم الغرب فقط، واليوم يستعمرهم الشرق والغرب على حد سواء، وكان في السابق يضغط عليهم أقوى الأمم واليوم يضغط عليهم حتى أذل الأمم:-اليهود- وهذه الأزمة الحادة أوجبت سقوط الأغنياء واحدا بعد واحد، ومجموعة تلو أخرى، فكل بلد تقلص فيها الإسلام تساقط فيه الأغنياء تساقط الورق في الخريف. أفليس من الأفضل أن يساهم الأغنياء في بناء الإسلام لكي يحفظوا أنفسهم من السقوط، وفي المثل الشعبي (قبل الوقوع لابد من علاج الواقعة) و(قبل البلاء لابد من الشروع في الدعاء)…

إن الأمر ليس أمر مقدار من الخمس يعطى رغبة أو رهبة، ولا أمر مقدار من التبرع يدفع منة أو كراهية، ولا أمر إطعام في ليالي رمضان لأجل الثواب أو الشهرة، ولا أمر مساهمة في إعادة فقير منقطع إلى بلاده، أو إرسال مريض إلى المستشفى، أو مشاركة في زواج أعزب، أو ما أشبه ذلك، إن الأمر أكبر من ذلك وأكبر، إنه مصير أمة وثروة بلاد، ووقاية حتى الأثرياء أنفسهم من غضبة الناس، إن الإسلام إذا تأخر نُهبت الثروات كما نهبت الروس ثروات بلاد بادكوبه وتركستان، وقُتل أول من قتل من الأثرياء، بعد أن جردوا من ثرواتهم، فهل علاج ذلك أن يعطي الثري شيئا من ماله ــ بكل كراهية ــ بعنوان الخمس؟ أو أن يساهم في ضيافة، أو إرسال مريض إلى المستشفى؟ وكمثال: جاءني غني يقال أنه يملك الملايين، وقال إنني أريد الحج ولا أتمكن الآن من تصفية أموالي، وليس لي إلا أن أصفي ألف دينار، أريد الذهاب به إلى الحج، وخمسه مائتان، وإني أطلب من سيّد مائة دينار، وأريد أن تقبله من سهم السادة وأنا أريد أن أحسبه عليه، وأدفع بنفسي عشرة دنانير إلى خطيب، وهاك تسعون ديناراً… فهل بمثل هذا يمكن أن يقي الثري ملايينه؟ دعنا عن الآخرة والعمل الديني أو أي شيء أخر.

وذات يوم أرسلت إلى ثري أن يبني مشروعاً في كربلاء ــ أي مشروع أحب من مدرسة أو مكتبة أو دار أيتام أو حسينية أو مسجد أو... فقال الثري لصديقه الرسول، بلغ سلامي إلى السيد، وقل له: الآن ظروفنا حرجة، وأنا لاأقدر على تنفيذ المشروع. وكم كان يكلفه المشروع؟ خمسة آلاف أو عشرة آلاف في أبعد تقدير، ولم تمض مدة ستة أشهر إلا ومات الثري وأخذت الحكومة من إرثه ضريبة تصاعدية بمبلغ (مليون وثمانمائة ألف دينار). وذات يوم تبرع جمع من التجار لأجل شراء دار لأحد العلماء، واشتروا الدار بأقل من ألف دينار، وساهم في المشروع ثري تقدر ثروته بأكثر من مليون دينار ولكن مساهمته لم تتجاوز عشرين ديناراً. وذات يوم كنت مدعواً في دار الثريّ، فأظهر أحد الحاضرين إن نفس ذلك العالم بحاجة ملحة فله عائلة و… فاهتاج ذلك الثري الذي ساهم بعشرين دينار (من الخمس) قائلاً: هذا لا يكون، أفهل نتمكن نحن أن نبذل كل يوم؟ وأردف بكلمات أقسى، قال الثري هذا وهو على مائدة كلفته ما لايقل عن خمسين ديناراً، وكادت اللقمة أن تسقط من يدي تألماً من سوء تقدير الأغنياء للقضايا (رغم أن ذلك العالم لم يكن يمت إليّ بقرابة أو صداقة).. ورأيت أن الأفضل تجنب الزاوية الحادة، ثم رأيت ذلك الثري قد كسحته اشتراكية عبد السلام عارف، وهو يتلوى كما يتلوى الملدوغ، وسلط عليه من أقربائه من لم يرحمه، ففكرت أنه وامثاله لو كانوا يعملون ــ بصورة جادة ــ لئلا يروا هذا اليوم لما رأوه.

إنني لا أعادي الأثرياء ولا أحقد عليهم، بل أدعو ليل نهار أن يكثر الله في المسلمين من الأثرياء، فإنهم مفخرة لنا، وحتى لا يكون أثرياء الكفار أكثر من أثريائنا، فإني أحب أن ينطبق (الإسلام يعلو ولا يعلى عليه) حتى في أثرياء الجانبين، وإنما ذكرت ما ذكرت تذكيراً بالحقيقة، وإعلاماً بأن أثريائنا إذا أحبوا الحفاظ على أنفسهم يجب عليم أن يبذلوا بسخاء، وإلا تقع الواقعة، التي ليس لوقعتها كاذبة، ولابأس أن أذكر ثري آخر، كان قد قرر لمصارفه الشخصية في كل شهر (خمسة آلاف دينار) بمعدل كل سنة ستين ألف دينار وذهب جمع من التجار إليه يطلبون منه المساهمة في مشروع فأعطى ــ بعد جهد ــ مائة دينار فقط.

إن علم النفس والاجتماع يقرران إن هناك نقمة متزايدة ضد طائفتين، الحكام، والأثرياء، وهذه النقمة لابدّ أن تتنفس بعنف، ولكن يمكن امتصاص هذه النقمة، أما كيفية امتصاص النقمة ضد الحكام، فبإعطاء الحريات التي منها عدم الضغط في القانون ولا في تطبيقه، وبالاشتراك في الحكم، فإذا الناس اشتغلوا بحرياتهم لم ينكروا ما في الحكام، وإذا شاركوا في الحكم ــ بأي لون من المشاركة ــ اعتبروا الحكم كيان أنفسهم، فلا يفكرون في تقويضه. وأما كيفية امتصاص النقمة ضد الأغنياء، فبالبذل السخيّ للفقراء والمشاريع، وبعدم الاستفزاز في الإنفاق، سواء كان الاستفزاز من نوع الإسراف، أو من نوع التظاهر، أومن نوع الكبرياء، أو من نوع الفساد …

إن حكام بلاد الإسلام بحاجة ــ اليوم ــ إلى الأخذ بالنصيحة الأولى، وأثرياء المسلمين ــ اليوم ــ بحاجة إلى الأخذ بالنصيحة الثانية، فهل من أذن واعية؟ ام يتماهلون حتى يأتي يوم فيه يركضون. فيقال لهم: (لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم). إنه ليس من شك أن هناك أثرياء من أهل الخير يبذلون بسخاء في سبيل الله، ولكن هناك فرقاً كبيرا بين أن يكون الأقلون أو الأكثرون هم الذين يبذلون، والكلام هنا في الأكثرية التي لاتبذل لا في القلية التي تبذل، والأقلية ــ غالباً ــ لا تغير ظواهر المجتمع.

إن المسلمين اليوم بحاجة ماسة إلى مشروعات واسعة النطاق، في جميع الحقول التأسيسية، والتبليغية، والتثقيفية، وما أشبه، سواء في داخل بلاد الإسلام أو خارجها، من مدارس، ومصحات، وجرائد، ومجلات، وإذاعات أهلية، وكليات، ومكتبات، وجمعيات لكل شؤون المبلغين، وغير ذلك، وكلها تتوقف على المال، حتى تتكون وحتى تسير في الحياة إلى الأمام، لعلها تكون نواة لنهضة إسلامية شاملة، والذي أرى أنه يلزم أن تتكون (أولا) لجنة، تهتم بأمرين: جمع المال من جانب، وبذر نواة الحركة من جانب آخر، ثم تنحو اللجنة في مختلف الأبعاد، حتى يأذن الله لها بالتوفيق.

إن كل بلد إسلامي يحتاج مركز للعلم والعمل والإشعاع، يتناسب هذا المركز مع حجم المدينة، وهكذا يحتاج إلى مبلغ أو مبلغين أكفاء بتلك النسبة، وكذلك كل عاصمة تحتاج إلى مركز للإذاعة والتلفزيون وجريدة ومجلة أو أكثر، بنفس النسبة أيضاً، ثم البلاد غير الإسلامية بحاجة إلى مثل ذلك أيضاً، فهل يمكن ذلك كله بدون مال؟ إن بعض رجال الدين يقولون إنه ذنب الأثرياء، وإن بعض الأثرياء يقولون إنه ذنب رجال الدين، فلنفترض هذا ولنفترض ذاك، فهل إلقاء الذنب على كاهل الآخرين يكفي في العلاج؟ إننا بحاجة ملحة إلى العلاج السريع والحازم، وإلا سيأتي يوم ــ والعياذ بالله ــ لا يملك عالمنا قدرة، ولا ثرينا ثروة، وقد نبوء بالفشل في الدنيا، والمقت في الآخرة، وهناك آخرون يقولون: إن واقعية الدين تحفظ على كل حال، فلنقل لهؤلاء، فلماذا اضطهد الأئمة الطاهرون؟ ولماذا انقلبت بلاد إسلامية إلى بلاد ملحدة؟ ولماذا انتشرت في بلادنا الخمور والفجور والقمار والسفور: إن الدنيا دنيا الأسباب فمن أخذ بها وصل إلى النتائج مؤمناً كان أو كافراً، أما الآخرة فهي خاصة بالمؤمنين. ولذا نرى نبيّ الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) أخذ بالأسباب بكل جد واهتمام، وهو القائل:

(وما قام ولا استقام ديني إلا بسيف عليّ ومال خديجة) وقبل ذلك قال القرآن الكريم: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا).

والله سبحانه المسؤول أن يوفقنا جميعا إلى خدمة الدين، وإعزاز المؤمنين والسهر الدائم لإرجاع الإسلام إلى الحياة، وما ذلك على الله بعزيز.

كربلاء المقدسة           

محمد بن المهدي الحسيني الشيرازي