الفهرس

المؤلفات

 الاقتصاد

الصفحة الرئيسية

 

الإنفاق في القرآن

في القرآن الحكيم آيات كثيرة تحث على الإنفاق بلفظ الإنفاق كما أن هناك آية ذكر فيها الخمس وآيات ذكرت فيها الزكاة وقال بعض العلماء: إن المراد بالزكاة مطلق أداء المال إلا إذا كانت هناك قرينة على الخصوصية واستدلوا بقوله سبحانه: (وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً) وحملوا على ذلك: قوله (عليه السلام) في زيارة الإمام الحسين (عليه السلام): (أشهد أنك قد أقمت الصلاة وآتيت الزكاة) أي: المال، فهي شاملة للخمس أيضاً لأنه يسبب التزكية والطهارة كما أن في القرآن آيات أخرى تحث على الإنفاق بألفاظ أخرى مثل قوله سبحانه: (وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم) و: (وأطعموا)القانع والمعتر إلى غيرها.. وغيرها..

لنذكر جملة من الآيات، قال سبحانه: (واعلموا أن ما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) (وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه). (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه). (الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا مناً ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم). (وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية). (وأنفقوا في سبيل الله). (الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون). (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية) إلى غيرها.وغيرها..

وفي بعض الآيات الكريمة عبر عن تلك بالـــجهاد قال تعالى: (لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم). (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم). (انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم) فهل نحن مجاهدون؟ إن الثري إذا أعطى خمسين بالمائة ــ أو أكثر من ماله ــ سمي مجاهداً بماله أما إذا دفع دون ذلك (كالخمس) فإنما دفع الحق المفروض.. وفي بعض الآيات: وجوب تحريض الناس على الإنفاق قال سبحانه: (ولا يحضوا على طعام المسكين) فهل نحن مؤمنون بهذه الآيات؟!

القرض والرد المضاعف

ذبح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذات يوم شاة، وأخذ يفرق لحمها حتى لم يبق منها شيء يذكر، فقالت إحدى زوجاته ــ وكانت حاضرة -: يا رسول الله: لم يبق منها إلا الرقبة، قال الرسول: لم يفن منها إلا الرقبة.

فما يصرفه الإنسان من ماله يفنى، أما ما يقدمه إلى الله سبحانه فهو الباقي، فليقدم الإنسان شيئاً من ماله ليبقى، وقد ذكر الله سبحانه: ( من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له)، فالمال الذي يقدمه الإنسان إنما هو قرض لله سبحانه، ثم الله يضاعفه له، ويرجعه إليه، فهل ينتظر شيء اكثر من ذلك؟.

والذي أرى: أن المضاعفة والإرجاع ليسا في الآخرة فحسب، بل في الدنيا أيضاً، إذ المنفق يعطي باليمنى ويأخذ باليسرى، كما دلت على ذلك التجارب، وقد قيل لحاتم الطائي: من أين تعلمت الكرم؟ قال من البناء حيث رأيت أنه ما لم يضع اللبنة التي في يده لم يعطى لبنة أخرى، وهكذا.. وفي الحديث: (تاجروا الله بالصدقة).

إن الله ــ سبحانه ــ تفضل على الإنسان بالمال، وجعل عليه الخمس، ورغبه في ذلك بالزيادة والثواب، فما عذر من يترك الحق؟ والغريب: أن اليهود والنصارى ليس من دينهم بذل المال. ومع ذلك: هم يبذلون بشكل لا مثيل له، ولهم في غالب بلاد العالم: المدارس، والكنائس، والمؤسسات، والمنظمات، والإنفاقات.. والمسلمون في دينهم بذل المال، ومع ذلك: لا يبذلون!!

عطاء أهل البيت (ع)

مرة كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مع بعض أصحابه، فقطع عودتين من شجرة، إحداهما عوجاء والأخرى مستقيمة، فأعطى المستقيمة لصاحبه، وأخذ لنفسه العوجاء ليتكئ عليها..

ومرة خرج الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) هو وعبده: (قنبر) إلى السوق، واشترى ثوبين أحدهما بثلاثة دراهم والآخر بدرهمين، فأعطى ذا الثلاثة لقنبر، وأخذ لنفسه ذا الدرهمين..

وفي ليلة زواج فاطمة (عليها السلام): اعترضتها مسكينة، فنزعت فاطمة ثوبها الجديد، وأعطته إياها، ولبست هي ثوبها العتيق، فلما ورد عليها الرسول صبيحة العرس وعليها الثوب الخلق قال: يا فاطمة! أين ثوبك الجديد؟ قالت أنفقته في سبيل الله، قال الرسول ــ وهو يريد اختبارها لتعليم الناس ــ: هلا أنفقت الثوب الخلق؟ قالت: لأني سمعت أن أمي خديجة ليلة زواجها سألتها مسكينة، فأعطتها ثوبها الجديد، وهي دخلت غرفة الزفاف بثوبها الخلق…

ثم: ألا يستحي الإنسان أن يقدم الشيء الأدنى لله تعالى؟ إن الملك أو الأمير، أو أي كبير، إذا سألك مالاً فهل تقدم له أسوء أموالك أم أفضلها؟ فإذا خجل الإنسان من ملك أو أمير أو كبير، فهلا يخجل من مالك الملوك، وسيد السادات؟ وفي القرآن الحكيم: (.. ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون، ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه…).

والحقيقة: إن الإنسان لظلوم كفار، يظلم نفسه، ويكفر بخالقه، ويغفل عن يوم مقداره خمسين ألف سنة.

وعجب أمر الإنسان: يبني لنفسه أفضل الدور بأغلى الأثمان، ويهيئ ــ لراحته، وسمعته ــ أحسن وأفضل الأثاث، فإذا وصل الدور إلى الله سبحانه فلا يقدم إلا أتفه الأشياء وأخسها وأرخصها!

فهل هكذا.. يشكر الإله الذي كل شيء له، ومرد الكل إليه؟!

حفظ الدنيا بالإنفاق والوقف

هنالك أحاديث كثيرة تشجع الناس على الإنفاق والإعطاء والوقف والضيافة والهبة وغيرها.. وفي بعض الأحاديث: إن الصدقة تدفع البلاء وتوجب زيادة الرزق وأنها تدفع الموت وتدفع ميتة السوء.

وقد أخبر عيسى بن مريم (عليه السلام) بموت حطاب ثم لم يمت في الوقت الذي حدده عيسى فسأله الحواريون عن سبب عدم موته فقال اسألوه ماذا صنع؟ فسألوه فقال: أنفقت طعامي فقال (عليه السلام): فتشوه، فلما فتشوا حطبه الذي كان قد احتطبه، رؤي في الحطب ثعبان كبير، فقال عيسى: إن الصدقة هي التي دفعت عنه البلاء..

وكان أحد الملوك لا ينام إلا وقد تصدق بصدقة، وفي ذات ليلة نسي التصدّق، وعندما أراد النوم تذكر، فأمر أن يتصدق بلحافه (حيث لم يكن عنده دراهم ودنانير) ونام بلحاف آخر، وفي الصباح: وجدت تحت وسادته حية عظيمة؛ فتيقن أنه لولا ذلك التصديق للدغته الحية.

وجزى الله المسلمين السابقين.. فقد أكثروا من الصدقة، والإنفاق، والوقف، حتى أنهم وقفوا لكلاب القوافل، ومن درس أوضاع البلاد الإسلامية بدقة، رأى المساجد، والحسينيات، والربط، والخانات، والبساتين، والحوانيت، والدور الموقوفة، بكثرة هائلة، وفي هذا العصر الذي تفجر النفط في كثير من بلاد الإسلام، لا ترى حتى نصف ذلك المقدار من موقوفات جديدة، فهل هذا زهد من المسلمين في الآخرة، أم زهد منهم في الدنيا؟ فإن الدنيا أيضاً تتوقف على الأوقاف والخيرات.. وبالعكس: ترى غير المسلمين يوقفون بكثرة هائلة. ولو كتب إنسان الأحاديث والروايات، والقصص ــ في شأن الإنفاق ــ وما عمله السابقون، لاحتاج إلى مجلدات ضخام، فليرغب أثرياؤنا في ثواب الله سبحانه وأجره، وليحفظوا دنياهم بالإنفاق والوقف، وإلا: فليحذروا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منهم خاصة ــ والعياذ بالله ــ.

اغتنام الفرصة في الإنفاق

كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ينفق كل ما استطاع إنفاقه، ويعد مالا يقدر عليه، حتى مات وهو مديون (وقد كانت الأموال تأتيه كالسيل) وكان علي (عليه السلام) ينفق كل ما يجد، وكان لا يدع لنفسه حتى مقدار الأكل اليومي، وهو يقول: (يا بيضاء! ويا صفراء! غري غيري)، ولما استشهد كان مديوناً بسبعمائة ألف أوصـــى بأن يوفيها الإمام الحسين (عليه السلام)، وكانت فاطمة الزهراء (عليها الصلاة والسلام) تنفق كل ما استطاعت إنفاقه، حتى إن عبائتها كانت مرقعة بالليف، وكان الإمام الحسين (عليه السلام) يلقب بـ: (كريم أهل البيت)، وكان مضيافاً معطاءاً، يبذل بغير حساب، ويروى: أنه قسم أمواله نصفين ــ أكثر من مرة ــ فبذل النصف في سبيل الله وأبقى النصف، وكان الإمام الحسين (عليه السلام) ينفق ما يجد، وكان يعتذر بعد أن يعطي أربعة آلاف لفقير بقوله: (خذها فإني إليك لمعتذر..)، وكذلك: كان الأئمة الطاهرون في قصص مذكورة في كتب الفضائل، وقد أوقف الرسول، والإمام أمير المؤمنين، وفاطمة الزهراء، والإمام الصادق، والإمام الكاظم، (عليهم الصلاة والسلام) كما في الروايات، وهي مذكورة في: الوسائل، والمستدرك، والبحار- ومن اللازم: أن نقتدي نحن بهؤلاء الصفوة الكرام في الإنفاق والبذل، ويجب أن ننتهز فرصة المال، وفرصة القدرة، وفرصة الحياة، وسيأتي يوم لا نقدر حتى على إعطاء فقير، أو زيادة فتيل، وقد وردت أحاديث كثيرة في المواساة والإيثار، وفي القرآن الحكيم: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة).

ويلزم على الإنسان: أن لا يؤخر الأمر إلى غد وبعد غد، فلعل المنية توافيه بدون إخبار أو سابق إنذار، أو لم يقدر غداً على ما يقدر عليه اليوم؟

كان أحد أصدقائي التجار أحرضه على بناء مشروع في كربلاء، وكان يؤخر الأمر ويؤخر، فمرض وصار جليس الدار، واستولى أولاده على المال، فلم يقدر على شيء، وكان يتحسر أن فوت الأيام بالإهمال، حتى لم يكن يقدر على شيء.. لكن في المثل: (ندم فلان، ولم ينفعه الندم).

الضيف ينزل برزقه

في بعض الحديث ما معناه: (استقبل الضيف فهو يأكل رزقه على مائدتك). وفي حديث آخر: إنه جاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رجل وقال يا رسول الله! إني احب الضيف، وزوجتي تكره الضيف، فقال له الرسول: (إذا جاءك الضيف فقل لزوجتك أن تنظر إليهم في وقت مجيئهم، وفي وقت رواحهم، ففعل الرجل ما أمر الرسول، ورأت زوجته أن الضيوف لما اقبلوا جاءوا معهم بأنواع الأطعمة، ولما انصرفوا كانت قد تعلقت بأثوابهم أنواع الحيوانات السامة كالعقرب، والحية، وما أشبه، ولما نقل الرجل ما شاهدته زوجته، قال (صلى الله عليه وآله وسلم) (نعم إن الضيف ينزل برزقه، ويذهب بذنوب أهل البيت) وهذه المرأة كشف عن عينها بإرادة الرسول.

أفهل في هذين الحديثين كفاية لمن عليه حقوق الله تعالى؟ إنك إذا بذلت الحق فقد أديت ما لغيرك في مالك، ولم تزدد إلا جلباً للرزق، ولم ينقصك شيء، لأنه رزق غيرك، وإنما على مائدتك فقط، وأذهبت عن نفسك ما لو بقيت لكانت حيات وعقارب ــ كما ورد في باب الزكاة: إن المانع لها تسلط عليه حية تنهش لحمه ــ فهل هناك عاقل يمنع مثل ذلك، فيحفظ ما في بقائه هلكة، وفي إعطائه بركة؟

زاد الآخرة

كان ولد ينصح والده أن يقدم لآخرته شيئاً، فأوصاه والده ذات مرة، أن ينفق له بعد موته ويفعل كذا.. وكذا.. وذات ليلة قال الوالد لولده: خذ المصباح وتقدم أمامي في الطريق، لئلا ننزلق أو نقع في حفرة، فحمل الولد المصباح، ولكنه جعل يسير خلف الوالد، فقال له الوالد: لماذا تعمل هكذا؟ فهل رأيت إنساناً يؤخر المصباح؟ أليس يراد المصباح لأن يبصر الإنسان طريقه؟ فقال الولد: لقد تعلمت منك، إنك لم تقدم شيئاً إلى آخرتك، بل تقول: أنفق بعدي، فتؤخر المصباح، وأنا اقتديت بك، فتنبه الوالد من هذه النصيحة، وأخذ ينفق في حياته.

ألا يكفي هذا مثالاً لأهل الفكر؟‍ ‍‍لكن لقد قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (ما أكثر العبر، وأقل المعتبر) فهل نعتبر؟ إن الإنسان إذا أحب نفسه لم يكتف بإعطاء الخمس وحقوق الله فقط، بل قدم لنفسه ما يريده لنفسه، فإن الموت إذا نزل لا يملك الإنسان حتى بمقدار نقير.

وقد رأى رجل ملكاً ميتاً في منامه، فسأل عنه، فقال الملك: إني أحوج إلى اللقمة ــ التي ترمونها للكلب ــ من الكلب، لأن الكلب إذا لم يجد لقمتكم ذهب إلى مكان آخر وحصل عليها، أما أنا فلا أستطيع أن أنال إلا ما يأتيني من قبلكم.. فهل كلام الملك صحيح؟ إذا علمت بصحة كلامه فاعمل أنت لنفسك، قال سعدي: (أرسل ورقة خضراء إلى قبرك فلا أحد يقدم لك ن فقدمها أنت لنفسك).

بالخمس يطهر المال

المسلمون الأولون تقدموا لأنهم كانوا يصرفون طاقاتهم مائة في المائة في سبيل الإسلام وهذه الآية الكريمة: (إن كان آبائكم وأبنائكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا)أفضل دليل على ذلك، فإنه كان الواجب على المسلم أن يبذل كل ما لديه للإسلام ثم أخذ المسلمون يتقهقرون حتى وصل الأمر إلى اليوم، والمسلم لا يبذل حتى أقل طاقاته ولذلك: تراهم لا يعطون، حتى الخمس قسطوه أقساطاً بدون مدد وصرفوه كيف ما شاءوا أو أداروه مع العالم حتى يعطوا (عوض الخمس) العشر أو أقل، وقد جاءني ذات مرة إنسان كان عليه عشرون ألف فأراد أن يدفع ــ عوض ذلك ــ ألفاً فقط، وجاءني ذات مرة إنسان آخر كان يملك ستة وثلاثين ألف دينار فأعطى مأتين وقال: الباقي من الخمس أدفعه بعد الحج، وبعد الحج لم يدفع ولا فلساً.. وهكذا ضاعت الأخماس وضاع مع ضياعها المسلمون، نعم: هناك قلة قليلة جداً يدفعون الخمس كاملاً ولكن الوردة الواحدة لا تنشر الربيع، وبعض الناس يظنون: أنهم إذا أرادوا الذهاب إلى الحج وجب عليهم أن يخمسوا مع العلم أن الخمس واجب كالصلاة والصيام.

قال رجل: ذهبت عند المرجع الديني المرحوم السيد أبو الحسن الأصفهاني (رحمه الله) فقلت له: هل لك أن أحسب معك حقوقي، وأعطيك وصلاً على أن أدفع الحقوق في المستقبل؟ قال: ففتح السيد صندوقاً كان إلى جانبه فرأيته مليئاً من الوصولات ثم قال: إن هذه كلها وصولات أناس حسبوا الخمس ثم لم يفوا.. وليس على الإنسان أن يكون ثرياً كبيراً أو تاجراً غنياً حتى يجب عليه الخمس بل لو كان موظفاً ذا راتب بسيط وزاد عليه دينار في نهاية السنة وجب أن يدفع خمسه وهكذا: لو كان كاسباً قليل البضاعة أو طالب مدرسة أو خادمة أو زوجة أو بنتاً أو صياد سمك أو حطاباً أو غير أولئك من أصحاب المهن ونحوها فإن الخمس يحق في رأس السنة المالية وقد تقدم أنه ورد في الحديث: (حتى أن الخياط ليخيط الثوب بخمسة دوانق ــ خمسة أسداس الفلس الواحد ــ لنا فيه الخمس) ولو لم يخمس بطلت صلاته وحجه وسائر عباداته المتوقفة على الطهارة إذا تطهر بالمال غير المخمس أو صلى في لباس أو على فراش غير مخمس كما ذكره الفقهاء مفصلاً في كتاب الخمس.

والخمس يجب أن يصل إلى يد أحد العلماء ليصرف في المصارف المقررة أو يستأذن صاحب المال من العالم ليصرف الخمس بنفسه في الموارد المعينة.

الحاجة إلى المساجد

عزمنا في كربلاء المقدسة أنا وجملة من الأصدقاء على تجديد المساجد وترميمها وقد جددت أو رممت كل المساجد بحمد الله تعالى في مدة قليلة لا تعدو خمس سنوات، ومساجد كربلاء المقدسة زهاء المائتين كما قيل لي وكان الفضل في تجديد ما جدد (غالباً) أن تاجراً واحداً أعلن: أنه على استعداد أن يدفع الحديد لكل مسجد يراد بنائه وقد وفى بالموعد جزاه الله خيراً والآن هو على حاله من الثروة لم ينقص شيئاً وكيف ينقص ما كان الله سبحانه وتعالى يخلفه؟ مع العلم: أن التاجر كان من الدرجة الثالثة ولكن همم الرجال تزيل الجبال..

إن أكثر المناطق الجديدة في البلاد الإسلامية بحاجة إلى المسجد فهل يوجد هناك إنسان خير في كل بلد ليزود المساجد التي يراد بنائها بالحديد أو الإسمنت أو ما أشبه؟ مثلاً: العراق يحتاج ــ على أقل تقدير ــ إلى أكثر من ألف مسجد والكويت تحتاج إلى أكثر من مائة مسجد وإيران تحتاج إلى أكثر من خمسة آلاف مسجد (وما ذكرت على سبيل التقريب لا التحقيق) فمن الضروري أن يقوم في كل بلد ــ أو قطر ــ أخيار ببناء المساجد، وفي الحديث: (من بنى مسجداً كان له بكل شبر مدينة في الجنة مسيرة أربعين ألف عام)، وفي حديث آخر: (ولو كجؤجو قطاة..) كما أن من الضروري تزويد المساجد بالسماعات، والمكتبات، ليؤدي المسجد رسالته كاملة في كون العلم إلى جانب العبادة فإذا حصل هذا الشيء: اقتربنا إلى الأمام خطوة، وتمكنا أن نحفظ العقيدة والشريعة بقدر، وقوي الاجتماع الديني وبمقدار قوته كوفحت الجرائم وتقدم المسلمون في مختلف أبعاد حياتهم.. وما ذكرناه في المسجد يتأتى-بصيغة ملائمة أخرى- في المدرسة والمكتبة والمستوصف والميتم ودار العجزة، وغيرها.. من المؤسسات.

الرصيد الخالد

ذات مرة: جلس جمع من أبناء الملوك يتفاخرون بينهم، هذا يقول: لي مبلغ كذا في بنك بسويسرا، والآخر يقول: لي مبلغ كذا في بنك ببريطانيا، والثالث يقول لي كذا في بنك ببلجيكا، وهكذا.. والأمير: (فرهاد ميزرا) ساكت لا يتكلم، فقالوا له: لماذا أنت ساكت؟ قال إن لي رصيدين في بنكين، أحدهما كتاب: (القمقام) في بنك الإمام الحسين (عليه السلام)، والثاني: (صحن الكاظمية) في بنك الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام)، فسكت كل أولئك الأمراء، وبالفعل نحن الآن أي واحد من أولئك الأمراء، وما بقي أحد منهم، ولا بقي شيء مما أرصدوه في البنوك، وأما (القمقام) و(الصحن) فقد بقيا..

ألا يكفي لأثريائنا هذا عبرة لأن يتقدموا لعمل الخير، وبناء المشاريع، وتشجيع الكتب العلمية؟! ولو درسنا عاصمة من عواصم المسلمين، وافترضنا فيها عشرة آلاف تاجر و ثري، وافترضنا أن واحداً من كل عشرة منهم بنى مؤسسة، فكم ينمو الإسلام، وكم تتقدم البلاد إلى الأمام؟ وهل تظن أن ذلك يضرهم؟ كلا.. فإن العكس هو الصحيح. هذا إذا افترضنا الأمر في أقل تقديره، اما إذا افترضنا أن الثري بنى بنسبة ثروته، فإن الأمر سينمو كثيراً، وقد يصبح فوق كل التوقعات، إن ثرياً واحداً من أثريائنا ــ في بلد إسلامي ــ يملك أكثر من خمسين مليوناً، فإذا افترضنا أنه بذل نصف المبلغ (خمساً، وتبرعاً) وكان كل مؤسسة تكلف بين الخمسة والعشرة آلاف، كان عدد ما يبنيه ما يقرب الثلاثة آلاف مؤسسة.

العطاء الذي لا ينضب

قالوا: إن الميرزا المجدد الكبير لما حضرته الوفاة، حضره جمع من خواصه، وفيهم أحد التجار الذين استدان الميرزا منه مالاً لسد العجز في ميزانيته، وكان الميرزا قد أغمض عينيه، ففتحهما وإذا به يرى الحاضرين وفي جملتهم التاجر الدائن، وكان التاجر ينظر إلى الميرزا، قال له الميرزا: أنا اعلم في ماذا تفكر أنت، أنت تفكر في أنني لو مت فمن يقضي دينك من بعدي؟ ولكن هل تعلم في ماذا أفكر أنا؟ أنا أفكر في انه لو قال لي سبحانه: أنك كنت تقدر أن تقترض قروضاً أخرى، وتخدم بها الإسلام، وتفرقها في المحتاجين، فلماذا لم تفعل؟ فماذا يكون جوابي؟

إن الرجال الصالحين لا يقتنعون بأن يقدموا ما لديهم، بل يستدينون فوق ذلك، ويقدمونه، فقد ورد أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) توفي وهو مديون، وإن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) استشهد وهو مديون بسبعمائة ألف، وإني أتذكر المرحوم السيد أبو الحسن ــ رحمه الله ــ توفي وهو مديون، والمرحوم الحاج آقا حسين القمي (رحمه الله) توفي وهو مديون،.. فليسرع أهل الثروة في الإنفاق قبل أن تنقطع يدهم عن الدنيا، وقد تحملوا وزر المال إلى الأبد ــ والعياذ بالله ــ فليقدم الإنسان ليوم بؤسه وفاقته، وليوم يعيش فيه: (المرء في ظل صدقته). 

الرعاية الاقتصادية للعلم والعلماء

من الضروري للأثرياء الذين يحبون الخير: أن يهيئوا لأهل العلم دور السكنى الموقوفة، فكما يكون للطالب غرفة في المدرسة، كذلك تكون للمعيل منهم دور السكنى مادام طالباً، حتى يساعده ذلك على صعوبات الحياة، كما أن من الضروري على القائمين بأمور أهل العلم: أن يهتموا لأجل توجيه الأثرياء إلى ذلك، ويطلبوا من السلطات أن يجعلوا الماء، والكهرباء، والتلفون، وسائر الشؤون الحكومية؛ مجانا، والمواصلات على النصف، أو ما أشبه ــ كما يتعاملون مع أسرة التعليم الرسمي ــ وفي ذلك مساعدة كبرى للعلم والدين.. وإن أمكن (بدون مخدور) أن تكون الحكومات قائمة بشؤون ورواتب أهل العلم، كما في البحرين والسعودية ــ في الجملة ــ كان ذلك من ألزم اللوازم.

إن المكانة الاجتماعية لجملة لا يستهان بها من أهل العلم قد تقلصت على أثر الاحتياح، فإن الكرامة الاقتصادية توجب الكرامة الاجتماعية، وتقلص المكانة الاجتماعية يقلل من نفوذ أهل العلم في الناس. وبذلك يقل نفوذ الدين، وهذه خسارة كبرى يجب أن تعالج.. كما أنه إذا أمكن وجب بناء دور لأهل العلم الموجودين في مختلف المناطق ــ كوكلاء، أو علماء محليين ــ ليكونوا في راحة من الإيجار. وأرى أن من اللازم على القائمين بشؤون أهل العلم: أن يهيئوا لعوائلهم وسائل الحياة السعيدة، كالطباخ بالغاز، والثلاجة، والغسالة، وماكنة الخياطة، والوسائل الخفيفة للارتزاق كمكائن التطريز، وصنع الجوراب، ونحوهما، لتخفف عليهم نفقات الحياة، ببيع الإنتاج، فإنها أصبحت في عصر الآلة بمنزلة (المغزل)، كما أن السيارة أصبحت في عصر الآلة بمنزلة الفرس.. وليس ما ذكرناه ثقيلاً كما يتوهم، فلنفرض ثرياً (كالمرحوم الحاج ملك) أراد أن يشتري بأربعمائة مليون تومان، دوراً لأهل العلم في مدينة (قم) يوقفها عليهم، ولنفرض كل دار بخمسين ألف تومان، أليست النتيجة ثمانية آلاف دار؟ ولنفرض مائة مليون ــ من تاجر آخر خير ــ لأجل الأجهزة كالمكائن وما أشبهها، أليس حينذاك يكون ثريان فقط قاما بهذه المهمة الحيوية؟ إن الأمر يحتاج إلى تفكير جدي من رجال الإصلاح، والقائمين بشؤون أهل العلم، وإني أظن أن جدية ستة أشهر (من مراجع يشكلون وحدة واحدة) تكفي لهذه المهمة، والله المستعان.

التقرب إلى الله بسنة حسنة

الذي لا يدفع الخمس على قسمين: إما أن يكون له ما يكفيه بعد إخراج الخمس كأصحاب الملايين والألوف، وإما أن لا يكون له ما يكفيه، كمن استقر عليه الخمس ثم ذهب ماله، فإن كان الأول فاللازم عليه أن يفكر لماذا لا يدفع؟ إنه الجهل المحض، والمخالفة الصرفة، والعصيان البحت، وهل إنه يرضى أن يقف في مصاف العصاة المخالفين لله تعالى، والآكلين لحقه وحق عباده؟ وإن كان الثاني: فاللازم أن يفكر أنه لو لم يكن له بمقدار الخمس ماذا كان يصنع؟ مثلاً: له الآن ألف دينار، فليفكر أنه لو كان له ثمانمائة فقط ماذا كان يصنع؟ فليجعل نفسه الآن صاحب الثمانمائة فقط، وحينذاك تسخو نفسه في البذل، فإن التفكر يخفف كثيراً من المشاكل، و: (تفكر ساعة خير من عبادة سبعين سنة) ــ كما في الحديث ــ إن: (الحر الرياحي) فكر ساعة فأخرج نفسه من لعنة الأبد إلى رحمة الأبد وهكذا.. فليفكر الذين عليهم الحقوق ولا يدفعون لعلهم يرجعون إلى الصواب ولعل الله يهديهم إلى الخلاص من حق الله وحق العباد

وذات مرة قلت لأحد الأثرياء: إنك إن كنت تكره إعطاء الحق إلى العالم أو الفقيه أو من أشبه فاجعل الحق مشروعاً ابن به مدرسة أو مكتبة أو مسجد أو ما أشبه ذلك فإذا فعلت ذلك قربة إلى الله تعالى بإجازة عالم فقد أديت الحق وأبقيت ذكرى ولعله دخل في: (من سن سنة حسنة…) أو أبقى صدقة جارية..

أهمية الأوقاف

نقل لي رجل تركي: أن بعد سقوط أتاتورك، تألفت هيئة لأجل بناء المساجد، فجمعوا المال حتى بنوا مسجداً، وبعد أن بني وضعوا صندوقاً خيرياً في المسجد، وحثوا المصلين على أن كل واحد منهم يضع فيه شيئاً، ومن هذا الصندوق ــ ومن التبرعات الأخرى ــ بنوا مسجداً ثانياً، فوضعوا فيه صندوقاً أيضاً، ومن الصندوقين بنوا مسجداً ثالثاً، وهكذا.. قال: إن هؤلاء بنوا في تركيا مئات المساجد.

ونقل لي أحد تجار إيطاليا، وكان تاجر سجاد، قال: ذات مرة طلبني أحد الأثرياء إلى بلد آخر لأقدر مساحة غرفة كان يريد أن يفرشها بالسجاد بشكل دقيق، ولما ذهبت إليه رأيت داراً واسعةً جداً، ومؤثثة بأجمل الأثاث، وكان صاحبها من أصحاب الملايين، قال فبقيت هناك أياماً لأقدر تمام الغرف والأبهاء والصالات، وإذا بي أرى رجلاً من رجال الدين المسيحيين يرتاد القصر، فسألت عن الثري هل هذا من أقربائك؟ قال: لا.. وضحك، ثم أردف: إنه وارثي، قلت: وكيف؟ قال: قبل مدة بعثت الكنيسة إلي وفداً يطالبونني بأن أوقف كل أموالي من بعدي للكنيسة ــ حيث أني لا عقب لي ــ فامتعضت من ذلك، وطردتهم، ثم بعد مدة جاءني وفد ثان فكان مصيرهم كمصير الوفد الأول، ثم بعد مدة جاءني وفد ثالث، وكل وفد يقرب لي الخير، ويبين لي جزيل الثواب في ذلك، خصوصاُ: وأن عالم المسيحية اليوم بحاجة إلى المال؛ لما يلاقي من مشاكل مع الشيوعيين، والتحلل والإلحاد.. قال: وتمكن الوفد الثالث أن يقنعني، فوقفت جميع أموالي للكنيسة شريطة: أن تبقى زوجتي في هذا القصر ــ إن قدر لها البقاء بعدي ــ حتى تموت، ولما وقفت (رسمياً) جميع أملاكي، وأرصدتي؛ ذهب الوفد، وأرسلوا إلي هذا الرجل يؤنسني، وأصرف عليه، وهو ينتظر موتي حتى يتسلم كل شيء، قال الثري: وأنا الآن سعيد بما عملت..

إن القصة لا تحتاج إلى التعليق، فهل المسلمون واعون.

أنفق ولو بالمثقال

الخمس يتعلق بأشياء سبعة:

1 ــ غنائم دار الحرب.

2- أرباح المكاسب، وكل فائدة.

3- الغوص.

4- المعدن.

5- الكنز.

6- الحلال المختلط بالحرام

7- الأرض التي اشتراها الذمي من المسلم.

ولو أعطيت هذه الأخماس كانت ميزانية قادرة على العمل والتغيير. إن أحد البلاد الإسلامية ثمن نفطها كل عام خمسة آلاف مليون دولار فخمسها سنة واحدة ألف مليون دولار فكم تقدر الأخماس في البلاد الإسلامية كلها؟

رأيت أنا شخصياً أحد الأثرياء الكبار في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: كل ما عملته وصرفته رأيت جزاءه (هذا مضمون كلامه) وكان هذا الثري باذلاً للخير مواظباً على المعروف ينفق الكثير في مختلف المشاريع كما روي: أن إنساناً كان يرابي فمات فرآه ابنه في المنام فقال له: ماذا فعل الله بك؟ قال: لم أر حساباً ولا نكيراً ومنكراً بل ألقيت في جهنم رأساً!

وذات مرة: رئي إنسان في المنام ــ بعد سنوات من مماته ــ فقيل له: كيف حالك؟ قال: لقد كنت في العذاب وقبل قليل شملني لطف الله سبحانه فنجوت ولما سئل عن السبب قال: لأنني تصرفت في حق بسيط لا يساوي فلساً.. إنه صحيح مائة في المائة فقد قال سبحانه: (وإن يك مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين) وقال سبحانه: (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره) فليحاسب الإنسان نفسه ــ كما ورد في الحديث ــ: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا) وإذا كان عليه حق لله سبحانه أو حق لناس فليؤده ولا يماطل حتى في ذرة ونقير وفتيل فإن كل ذلك محاسب عليه كما في القرآن الحكيم.

الإسراف في غير محله

أحد الأثرياء أراد أن يزوج ابنه، فطلب الابن وقال له: كم يكلف زواجك؟ وبعد الحساب قال الولد: ما يعادل عشرة آلاف دينار، قال الأب: حسناً، فهل ترضى أن نرضي الله والرسول، فنجعل هذا المال مقسماً بين عشرة من السادة العزاب، نزوجهم ببعضه، ونوجد لهم مكاسب مناسبة ببعضه الآخر، ونجعلك كأحدهم، وأنت ــ بحمد الله ــ تملك ما تحتاج إليه كالدار والأثاث ويبقى عليك المهر فقط؟ فوافق الولد الطيب على الفكرة، فبحثوا عن عشرة شباب عزاب، أعفاء، وخصص الوالد للولد ألفا آخر فزوج كل سيد بمائتي دينار، وخصص الثمانمائة الباقية لأجل مكسب له، وفي ليلة زفاف الولد كانت هناك عشرة دور تحت إيجار التاجر، لأجل زفاف السادة العشرة، بعد أن كان التاجر هو بنفسه وزملائه التجار، سعوا مع آباء السادة، ونفس السادة ــ لاختيار الزوجات، والأماكن المناسبة، والأثاث المناسب، وفتح الدكاكين المناسبة لهم..

كم جميل هذا العمل؟ وكم له من التقدير؟ وهل نقص من التاجر أو ابنه شيء بذلك، أم ازدادوا عزاً وذكراً في الدنيا، وأجراً وثواباً في الآخرة؟ فهل هناك أثرياء يعملون مثل هذه الأعمال الخيرية؟ ولو صرف ذلك التاجر كل ماله في زواج ولده: بين إسراف في المهر، وإسراف في الأثاث، وإسراف في الطعام فهل كانت الأموال تبقى، أم تتلف خلال أيام أو أشهر بدون خدمة وبدون أجر؟ فليرغب أثريائنا في خدمة المجتمع، وفي إحراز الثواب، وفي الانتفاع بأموالهم قبل أن تصفر أيديهم منها، وليعلموا أن الدنيا تزول بسرعة، ولا يبقى للإنسان إلا الحسرة، وفي الحديث القدسي: (يقول ابن آدم: مالي.. مالي.. وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو ما لبست فأبليت، أو ما قدمت فأبقيت)؟.

خير المتاعين

تزوج رجل بامرأة زاهدة من الأخيار، وبعد مدة ماتت أم الرجل، فأخذت المرأة تنظر إلى الجنازة نظرة غريبة، وخرجت من الغرفة مما أثار غضب ذوي الميت واستيائهم، وظنوا أنها خولطت خبلاً، ثم: عاتبها زوجها على ما فعلت، قالت إني رأيت الشياطين بصقوا على الجنازة، حيث ان الأم كانت غير صالحة، وهذا ما أوجب أن تستغرب وتخرج من الغرفة، (وبعض الأحاديث يدل على ذلك) ثم: لما أرادوا إخراج الجنازة رأيت أن ملكاً عقد فردة حذاء عتيقة على عود أمام الجنازة، وذلك: ما أثار تبسمي، ولما سألت عن السبب (أو: علمت بذلك نقراً في قلبي) قالوا: إن هذه الفردة هي كل ما قدمته في سبيل الله في زمن حياتها!..

فهل نحب أن نكون كذلك؟ إن الإنسان يخجل إذا قدم هدية دون ما يقدمه الآخرون إلى من تقدم إليه الهدايا كالعريس، والمسافر القادم من سفر بعيد، ومن رزق ولداً أو بنى داراً.. أفلا تخجل من أن تقدم أتفه الأشياء أو أحقرها إلى الله سبحانه؟

جاء رجل إلى بيت الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، فلم ير فيه أثاثاً، فقال: يا أمير المؤمنين! أين متاع البيت؟ قال الإمام (عليه السلام): نقلناه إلى دارنا الأخرى، فظن الرجل أن الإمام انتقل من هذه الدار إلى دار ثانية، فلما سأل عن دار الإمام الأخرى قالوا له: إن الإمام يقصد الدار الآخرة.

الهدية العامرة

لما أخذوا في بناء وتوسيع صحن الأمام موسى بن جعفر (عليه السلام)، أمر فرهاد ميرزا: أن تشتري الدور المحيطة بالحصن، فاشتروها، وغالى بعض، ورخص آخر، حتى وصل الدور إلى دار قال صاحبها: أنا أبيعها إذا هدمت الدور المجاورة وبقيت داري، ثم أخذ في ترميمها وتجميلها، وظن الناس أنه يريد المغالاة في الثمن، ولما وصل الدور إليها قالوا له: بكم تبيعها؟ قال: هدية مني للإمام (عليه السلام)، قالوا: إذا كنت تنوي ذلك فلماذا عمرت الدار وهي مشرفة على الخراب؟ قال: حتى أكون قد قدمت للإمام (عليه السلام) شيئاً عامراً جميلاً، لا شيئاً خراباً قذراً، ألم تسمعوا قوله سبحانه: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون)؟

قال الشاعر:

خــط في الأمــوال، خط          من بديع الشعر موزون

لـن تــنالوا الــبر حتـى          تــــنفقوا ممــــا تـــحبون

هل القصة الآنفة الذكر أجمل عندك؛ أم قصة رجل لما أرادوا إشتراء داره استمهلهم، فأخذ أبواب الغرف وما تمكن أخذه منها، ثم باعها بنصف قيمتها، مستغلاً اضطرار الأمير إلى شرائها؟ إذا راقت لك القصة الثانية فقدم لله أبخس الأشياء وأحسنها، وإذا راقت لك القصة الأولى فقدم لله سبحانه أحسن الأشياء وأفضلها. 

إنقاذ وإصلاح

قال أحد العلماء: رأيت أحد التجار يمدحه العدو والصديق، فتعجبت، وسألت عن السبب، قالوا: لأجل أخلاقه الطيبة، قلت: انقلوا لي قصة منها، قالوا: إنه في أول شبابه تزوج، ثم ذهب إلى خراسان، وجاء من هناك بخاتم فيروزج ثمين قيمته ثلاثون ألف تومان هدية إلى زوجته، ولما وصل إلى طهران قارن وصوله الاذان، فذهب إلى المسجد يصلي، وأخرج الفيروزج، ووضعه أمامه ــ احتياطاً ــ حتى لا يصطحبه في الصلاة، وكان إلى جنبه رجل، فبصر به وهو في الصلاة: إن الرجل سرق الخاتم حيث وضع يده عليه ثم نقله إلى جيبه، ولما أتم الصلاة أراد الرجل أن ينصرف فتمسك به التاجر، وقال له: إني قد وهبت الخاتم لك فاطمئن إلي، إني لا أريد بك سوءاً، لكن يبدو لي من وجهك أنك لست سارقاً، وإنما ألجأتك الظروف، وحيث أني أعلم أنك إذا بعت هذا الخاتم طلبوا منك الشهود على أنه لك، وأنك لا تعلم قيمته، ولا شاهد لك، فتتهم بالسرقة، ويذهب مالك وعرضك، لذلك: إني أعلمك أن قيمته كذا… وإذا أرادوا منك الشاهد فأنا شاهدك، وإلى هنا جعل وجه الرجل يرشح خجلاً، وقال: نعم، هذه أول مرة أنا أفعل هكذا، والسبب في ذلك: أني كنت كاسباً، ولكني فشلت في كسبي، وخجل العيال والأطفال اضطرني إلى السرقة، قال التاجر: فلنذهب معاً إلى السوق، وذهبا معاً، وباعاه بأكثر من قيمته، ثم اشترى التاجر ــ ببعض القيمة ــ داراً ذات شقتين، وأجر شقة لفائدة الرجل، وأسكن الرجل في الشقة الثانية، وخلصه من الإيجار، وفتح ببقية الثمن للرجل دكاناً يعيش به.. أفهل هناك إنسان لا يمدح هذا العمل؟ وإذا كان هذا العمل ممدوحاً، فليسمع بذلك الأثرياء، ويهتموا لنجاة الفقراء ــ خصوصاً الأعفاء منهم ــ من مشاكل الحياة، فإنهم يشترون بذلك ثواب الدنيا، وحسن ثواب الآخرة.

مقبولية العطاء

قال لي إبن أخت أحد رؤساء الوزارات في إحدى البلاد الإسلامية: إن رئيس الوزراء كان من أهل الخير، والتقوى، والفضيلة، وكان قبل نصف قرن من الزمان، ثم أنه توفي، وذات ليلة رأت أخته (أم الناقل) أخاها في المنام، وهو يغوص في حوض من الماء القذر العفن الأسود، فتعجبت أشد العجب، وبعد فترة قصيرة ــ في نفس الليل ــ رأت أخاها وقد خرج من الماء، وغسل جسده، ولبس ملابس نظيفة، وجلس في بستان عامر بهيئة رئيس الوزارة، فتقدمت الأخت، وسألته عن ما رأت من حالته الأولى والثانية، قال: إنه لم يقبل منه أي عمل عمله من الخير، لأن سيئاته قد أحبطت خيراته، بالإضافة إلى ما كانت تلك الخيرات بالأموال المشتبهة أو المحرمة، وإنما قبل منه شيء واحد وهو: أنه رأى ذات يوم امرأة و أولادها على الرصيف يرتجفون من البرد، حيث كان الهواء غاية في البرودة، فأمر أن يذهبوا بهم إلى الحمام، ويخلعوا عليهم الألبسة الفاخرة، ووهب لهم أفضل بساتينه جمالاً وثمناً، فقال رئيس الوزراء الميت: وما ترينه هو ذلك البستان الذي وهبته لهم، وفي كل أسبوع يخرجونني ــ مرة ــ من حوض القذارة الذي هو جزاء أعمالي، ويسكنونني في هذا البستان..

وقد روى مثل هذه الرؤيا ــ في بعض الجهات ــ العلامة الحلي (رضوان الله عليه) بالنسبة للمرأة العلوية التي آواها رجل مجوسي، بعد أن طردها رجل مسلم، والقصة مذكورة في البحار..

كما ورد: أن أبا لهب لا يحترق بالنار في كل سنة يوم ميلاد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأنه أعتق جاريته التي بشرته بولادة محمد!!.

وموضع العبرة من القصة السابقة: أن الإنسان يجب أن لا يغتر بإنفاقاته الكثيرة، فلعلها كلها لم تقبل لخلل فيها، فإذا سنح له مشروع، أو جاء فقير، أو ما أشبه، بذل له، فلعله يكون مقبولاً، ويثاب على هذا، وفي الحديث ما مضمونه: (لا تحقر أحداً من خلق الله، فلعله من أولياء الله، ولا تستصغر شيئاً من معاصي الله، فلعل فيها سخط الله، ولا تستصغر شيئاً من طاعة الله، فلعل فيها رضى الله سبحانه).

يقول الشاعر ــ في نظير موضوعنا-: (أرسلت سهام الأدعية إلى كل ناحية.. لعل إحداها يصيب الهدف).

دار العبرة

هل رأيتم إنساناً ندم من الإنفاق؟ أو رأيتم إنساناً افتقر من العطاء؟ أو رأيتم من خسر أو كسب سمعة سيئة منهما؟ كلا.. بل الأمر بالعكس، ولكن قد رأيتم ــ قطعاً ــ أناساً ندموا من ترك الإنفاق، وأناساً افتقروا بعد أن منعوا حق الله، وجمعوا المال خوفاً من المستقبل، وأناساً خسروا، وآخرين كسبوا السمعة السيئة، حينما لم ينفقوا، وكرههم الناس.. ألا يكفي ذلك تنبيهان؟.. الدنيا دار غير وعبر، ومن غنمها كان عاقلاً، ومن ترك نفسه وشهواتها ــ حتى تعقبه السوئى ــ كان أحمقاً، فهل يرضى الإنسان أن يكون من الحمقى؟