الفهرس

المؤلفات

 الاقتصاد

الصفحة الرئيسية

 

الجهاد بالأموال

بعض الناس ينفقون الخمس، ويظنون أنهم قد أدوا ما عليهم، كلا إنهم لم يؤدوا ما عليهم، والحال أن بإمكانهم أن يخدموا العقيدة الإسلامية، وينقذوا المسلمين من براثن الكفار ولو بقدر، فإن الجهاد بالمال واجب كالجهاد بالنفس، فإذا تمكن الثري أن يفتح مدرسة لإنقاذ أطفال المسلمين من الكفر والانحراف فلم يفعل كان مأثوماً، فالإنقاذ إذا توقف على فرد كان: (واجباً عينياً) عليه، وإذا توقف على فرد من مجموعة كان: (واجباً كفائياً) عليهم، وترك الواجب حرام، وقد أوحى الله إلى شعيب إني مهلك من قومك مائة ألف: أربعين ألفاً من الأشرار، وستين ألفاً من الأخيار، قال شعيب: هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار؟ قال الله تعالى: لأنهم داهنوا أهل المعاصي ولم يغضبوا لغضبي.. والمسلمون اليوم في عصر الجهاد ــ بكل شيء ــ فإذا لم يجاهدوا كانوا تاركين لفريضة عظيمة، بالإضافة إلى أنهم سيذلون ذلاً فظيعاً:

(ومن يهن الله فماله من مكرم).

قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا) ألسنا نرى صدق هذا الكلام في عصرنا الحاضر؟ فقد كنا أعزة يوم كنا نخدم الإسلام، وأما اليوم وحيث تركنا العمل بالإسلام فإنا من أذل الأمم، وما ينتظرنا به المستقبل هو أسوء ؛ إن بقينا على هذه الحالة ــ والعياذ بالله ــ.

بالخمس نبني مئات المؤسسات

في الحديث- عن الإمام الصادق (عليه السلام):.. (حتى أن الخياط ليخيط الثوب بخمسة دوانق، لنا منه الخمس). وفي حديث آخر ــ عن الإمام الرضا (عليه السلام) -: (إن الخمس عوننا على ديننا. فهل نعتبر بهذين الحديثين؟ إن من عليه الخمس لو كان يدفع خمسه بهذه الدقة، وكانت الأخماس تجمع وتستثمر تحت نظام، لأمكن نشر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، ولدخل الناس في الإسلام أفواجاً، ولما بقي فقير واحد محتاج، ولا مشروع ديني معطل.. إنني لا أذكر هذا الكلام تحسراً وللعلم فقط، بل أذكره ليهتم المسلمون في التنفيذ، والتنفيذ ممكن ــ إذا أحببنا العمل ــ فكل عالم في منطقته يمكن أن يتبنى الأمر لاستخلاص الحقوق في منطقته، ثم ينظم استثمارها تحت نظام خاص، ثم يوزعها بشكل مدروس بين المشاريع والمحتاجين، ولنفترض ألف عالم في ألف منطقة ــ وهذا العدد جزء من مجموع علماء الشيعة في مختلف المناطق ــ كل عالم تمكن في خمس سنوات من جمع عشرين ألف دينار (وهذا أيضاً شيء عادي بالنسبة إلى البلاد المتوسطة فكيف بالواسعة). كان معنى ذلك: تجمع عشرين مليون ديناراً، ولنفرض أن الربح العائد، سواء في الاستثمار، أو أرباح الإيجار، كل عام الخمس ــ وهذا شيء عادي لأن من التجارات والمعامل ما يعطي ربح المثل، أو النصف، أو الثلث، أو ما أشبه ــ كان معنى ذلك أن تحصل كل عام أربعة ملايين دينار، فإذا فرضنا أن نصف المبلغ صرف في أهل العلم والتبليغ، ونصفه الآخر في المؤسسات الإسلامية (وفرض أن كل مؤسسة كلفت عشرة آلاف دينار) كانت حصيلة كل عام مائتا مؤسسة إسلامية، وفي خلال خمس سنوات تكون الحصيلة ألف مؤسسة، أفهل يكون هذا شيئا قليلاً؟ مع أن هذه الفرضية جزئية، فعلماء الشيعة في العالم يعدون بعشرات الآلاف، ونحن افترضنا ألفاً منهم كمثال. وليس ما ذكرنا خيالاً فارغاً، بل إن العالم اليوم يدق في الحساب، ويتقدم بهذه المعادلات الحسابية، إلا أن الغالب في المسلمين بناء أمورهم (ديناً أو دنياً) على الفوضى، وعدم المبالاة، لذا هم يعانون من تأخر حاد، مع إن دينهم تقدمي ونظامي إلى أبعد الحدود.

المال ثمن الحرية

جسم الأمة الإسلامية يُنهش من كل جانب: فهناك التبشير القائم على قدم وساق، وهناك الصهيونية التي تلتهم الماديات والمعنويات، وهناك الأحزاب الكافرة والمنحرفة التي تجرف شباب المسلمين ذات اليمين وذات اليسار، وهناك الأديان والمذاهب المنحرفة تأخذ حصة فحصة، وهناك القوانين الأرضية التي لاتذر، وهناك الانفلات والمجون.. فماذا بقي من جسم الأمة ؟ ومن المسؤول؟ ففي الحديث: (كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته). وفي القرآن الكريم: (وقفوهم إنهم مسؤولون) لكن: للمال المسؤولية الكبرى، فبالمال يمكن أن يعمل كل شيء، والمال عند أهل الثروة، فهم المسؤولون، وقد قرر الله في أموالهم حقا معلوما، للسائل والمحروم، وعليهم أن يؤدوا خمس أموالهم، ويزيدوا ــ إن شاؤوا الخير ــ وفي الحديث: إن أشد ساعات القيامة، ساعة أن يقوم صاحب الخمس فيقول: أين خمسي؟ وهذا طبيعي: ففي غياب المال يكون كل تأخر، فمن الضروري على أصحاب المال أن يفكروا مليا، ثم يتقدموا إلى الإنفاق، إنهم بالإنفاق يحررون بلادهم من الاستعمار، وينقذون شبابهم من السقوط، ويحفظون كيانهم من الخطر، ويمتصون نقمة الناس عليهم، بالإضافة إلى انهم يخدمون دينهم ومبدئهم، ويؤدون أمانتهم، ويفكون رقابهم من النار، فهل من مفكر أو متذكر؟

لهذا تفوق الغربيون

قيل لي: أن فلاناً عنده من الحقوق عشرات الألوف، وكنت آنذاك أقوم بتأسيس مشروع، فذهبت أنا ــ وجماعة من أصدقائه ــ نطلب عونه في المساهمة، وقلت له: إنني أقبل ما تدفعه لهذا المشروع من الحقوق، لأن المشروع ديني، وبعد جهد وافق أن يدفع، وفهمنا أنه سيدفع مبلغاً قليلاً، وقد أثار هذا الأمر بعض الأصدقاء، فأرادوا أن لا يأخذوا، لكني قلت لهم: أن من يتبنى المشاريع لا بد أن يكون صبوراً هادئ الأعصاب، ومرة أخرى رأى بعض الأصدقاء ثرياً، واستعطفوه في أن يبذل لمشروع إسلامي مبلغاً شهرياً، وقد كان الثري مؤمناً بذلك المشروع، فوعد أن يدفع كل شهر عشرة دنانير أو يزيد، وبعد ثلاثة أشهر سحب الثري يده في هياج قائلاً: أنه لا يقدر أن يدفع كل شهر وقد رأيت أنا ذلك الثري ــ بعد أيام ــ وقد صرف في شيء لا يعنيه ما يقارب ثلاثة آلاف دينار.. وذات مرة اجتمعت بأثرياء ليبنوا في منطقتهم مسجداً كانوا بأشد الحاجة إليه، وظننت أن عشرة منهم سيقومون بالمشروع، فيدفع كل واحد منهم عشرة بالمائة من تكاليف المسجد، وإذا بأحدهم يتبرع بما يساوي واحد بالمائة من تكاليف المسجد، وتألم الآخرون من قلة تجاوبه، وتوقف المشروع.. وكم لي من قصة وقصة، أفهل بهذا النحو نضمن التقدم؟ إنهم يقولون: لماذا تقدم البلد الفلاني في الغرب، وتقدم البلد الفلاني في الشرق؟ فليعلموا: أن ثرياً واحداً في الغرب أسس ــ هو وحده ــ أربعمائة مكتبة، في جملة من المشاريع الكثيرة، وأن فرع شركة واحدة في الغرب، تبرع بمائتين وخمسين سيارة للتبشير في عاصمة إسلامية، وأن امرأة منهم تبرعت للكنيسة بستين مليون.. فهل هناك نسبة بين ما نعمل وبين ما يعملون؟ ومن الغريب: إن ليست في دينهم فرائض مالية يجب عليهم أدائها، أما ديننا ففيه الخمس، والزكوات، والصدقات، والهبات، والحق المعلوم للسائل والمحروم، وفيه وجوب الجهاد بالمال، و.. ومع ذلك: فإنا كالجبل الصامد، لا يؤثر فينا كل ما يهب من الرياح، ولا نفكر لغد (الدنيا)، ولا لبعد غد (الآخرة)!!

مدى الفجوة بيننا وبين الدول المتقدمة

وقال لي أحد التجار: ذهبت أنا وجماعة من التجار إلى المحسن الوجيه: (الحاج محمد حسين الكاشاني رحمه الله) ليتبرع بشيء لأجل بناء: (الحسينية الطهرانية) في كربلاء، ولما عرضنا عليه المشروع قال: لابأس، كم تقدرون تبرعي؟ قلنا: أنت تقدر، قال: بل أنتم قدروا، وبعد مداولة بيننا قدرنا له ثلاثين ألف تومان، ولكننا لم نجرؤ أن نتفوه بالمبلغ، فكتبنا المبلغ في ورقة ووضعناها أمامه، قال: كم قدرتم؟ قلنا اقرأ، قال إنني لا أستطيع أن أقرأ بدون نظارة، قلنا له: ضع النظارة على عينيك واقرأ، قال: لم أضع النظارة على عيني قط في أمر الإمام الحسين (عليه السلام)، وأخيراً قلنا له المبلغ، فقال: هذا فقط؟ وكتب شيكاً بذلك المبلغ.

إن الكاشاني قد مات، وسواء كان قد دفع المبلغ في ذلك اليوم أم لا، فقد فقدَ كل شيء في الحياة، وسواء أخذ منه هؤلاء المال أم لا، كانت الحسينية تبنى وتنتهي، أليس كذلك؟ فمن الرابح إذاً؟

قال الإمام الصادق ــ (عليه السلام) ــ ما مضمونه: الخير يكون، لكن اجتهد أنت أن تكون من أهل الخير.. إن الإنسان يجب عليه فوق ذلك: أن يسعى هو لأجل الخير، ولا ينتظر حتى يأتيه طلاب الخير، فإن الدال على الخير كفاعله.

إن المسلمين اليوم بحاجة إلى أن يكون فيهم عشرات الألوف من طلاب الخير، ليجددوا حياتهم.. فالمثل المعروف يقول: إن الأمريكيين سبقوا الأوربيين بقرن من الزمان، والروس سبقوا البلاد الصناعية ــ مثل اليابان ــ بقرن من الزمان، وهم سبقوا المسلمين بقرن من الزمان. أما أنا فلا أقصد صحة المثل، لكني أعلم أن بعض الشعوب وصلوا إلى القمر، وبعض الشعوب الإسلامية لا يصنعون حتى الإبرة، فكم الفاصل؟ إن الأثرياء منا إذا بذلوا بسخاء، وأهل القوة سهروا وخدموا بسخاء، فلعلنا نتلافى بعض ما نعانيه من التأخر.

إضافة موارد اقتصادية أخرى

أن رجال الإصلاح من المسلمين يجب عليهم أن لا يكتفوا بالخمس، والزكاة، والصدقة، والهبات، في تقويم المعوج، ونشر الإسلام في العالم، بل لا بد وأن يجعلوا للتبليغ والتأسيس موارد مالية أخرى، مثل: التجارة، ووقف البنايات، والزراعات، وحيازة المباحات مثلاً: يجعلون رصيداً لأجل التجارة، فأرباحها تكون لمنفعة المشاريع الإسلامية، وكذلك: يوقفون عمارات، وبساتين، ومزارع، لأجل العاية نفسها، ويستخدمون أناساً لأجل الصيد، وحيازة الأخشاب، ونحوهما، لمنفعة المشاريع والتبليغات، إلى غير ذلك.. فإن في ذلك أكبر الفوائد. وسائر الفرق يستربحون في مقاصدهم من هذه الموارد غالباً، بالإضافة إلى التبرعات. مثلاً:

إذا أمكن وقف مزرعة الدواجن، وكانت المزرعة تعطي كل يوم ألف دجاجة ومائة ألف بيضة ــ كما توجد هناك مزرعة في لبنان في هذا المستوى من الإنتاج ــ وقدر كل دجاجة بربع دينار، وكل بيضة بعشرين فلساً، وفرضنا: أن خمس المبلغ ذهب كل يوم لأجل المصارف، كان الوارد الصافي في كل سنة أكثر من ثلاثة أرباع المليون.. إن ما ذكرناه ليس خيالاً وإجالة قلم، بل أثبتت الدنيا أن الرقي المادي إنما يكون بهذه الوسائل، فلماذا لا يتخذها رجال الإصلاح من المسلمين منهجاً وتطبيقاً لإخراج المسلمين من هذه الأزمة المعاصرة؟!

كما أن هناك طريقاً آخر يجب أن يسلك وهو:

فرض الضرائب على الأثرياء في واردهم فرضاً أدبياً، بأن يشرك الحسين، أو الرضا، أو غيرهما من سائر الأئمة والقمم الإنسانية ــ عليهم الصلاة والسلام ــ في شيء من الوارد؟ كالثلث، أو الربع، أو ما أشبههما، فيصرف ذلك في المشاريع.. وهكذا إذا فرض أدبياً، على شركة إنتاج العصير مثلاً، على كل قنينة العشر من قيمتها، فإنها تكون مبالغ طائلة جداً، وقد انتفعنا نحن في مشاريع كربلاء المقدسة، بتشريك الأئمة، فكان تاجر واحد شريك الحسين ــ (عليه السلام) ــ في شيء من ربحه، يعطي كل عام أكثر من ألف دينار…

أن ما ذكرناه سهل إذا مشينا باستمرار، وعملنا باستمرار، خصوصاً: إذا شكلت لجان لأجل هذه الأمور، فإن اللجنة تسهل أمر التسيير المستقيم التصاعدي، وفي الحديث: (يد الله مع الجماعة)، وفي كلمة حكيمة إن الله سبحانه قال: (منك الحركة، ومني البركة)، ولا أعلم: هل هي رواية أو حكمة؟

غاية البذل والعطاء

توفي أحد الملوك فانتقل الملك إلى ولده الشاب فقام الوشاة بالوشاية ضد رئيس وزرائه وقالوا: إنه يصرف المال اعتباطاً وقد خلت الخزينة من المال حتى أثاروا حفيظة الملك ضد رئيس وزرائه فطلبه وقال له: أين المال الذي تقبضه من الناس باسم الخراج والزكوات؟ قال الرئيس: اعلم أيها الملك أن قيمتي إذا اُباع في سوق النخاسين لا تتجاوز عشرين ديناراً وأن قيمتك إذا تباع لا تتجاوز ستين ديناراً (لما لك من الجمال والقوة والشباب) أما جنودنا: فلا يعدو سيوفهم عن ذراعينا وسهامهم لا تقطع أكثر من خمسمائة ذراع والدولة محاطة بالأعداء وفي داخلها ذوو الأطماع فهل أنا وأنت وسهام جنودنا وسيوفهم تستطيع حفظ البلاد؟ إني أصرف المال في سبيل إبقاء الملك، فأنفقه على الأمة، وأيهما أحسن. هل يزول الملك، أم يبقى على هذه الحالة؟ فاستحسن الملك كلامه، وزاد في إكرامه وإعظامه.

إن أثريائنا يجب أن يعرفوا: أن الإسلام هو الذي يحميهم من اعتداءات الأجانب، وكلما ضعف الإسلام تقدم الأجانب إلى الأمام، فيحتكرون الاقتصاد، ويستولون على الأسواق، وينهبون الثروات، إلى آخر القائمة المعروفة لدى الجميع، فاللازم عليهم إن أحبوا كيانهم، ومستقبل بلادهم، والجيل الصاعد من أبنائهم، أن يبذلوا بسخاء في مختلف الأمور الإسلامية من: مبلغين، ورجال الدين، والمدارس، والمساجد، والحسينيات، وقواعد الإشعاع الآخر، فبقدر ما تتقدم المؤسسات الإسلامية، ويتقدم الإسلام، بنفس النسبة: تحفظ البلاد بجميع مرافقها الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، وغيرها.. ويكون الأمن، والهدوء، والاستقرار.. وليس مرادنا من البذل بسخاء: إعطاء الخمس فقط، بل بالقيام بجميع الحاجيات الدينية ولو كلف ضعف الخمس، ويجب أن يعتبر الأثرياءـ علاوة على ما هو مذكور في الإسلام ــ بالغرب والشرق، فإن الشرق معلوم الحال لا يحتاج إلى بيان، والغرب إنما تمكن الأثرياء فيه أن يحفظوا كيانهم وبلادهم بالبذل السخي: إن المؤسسات التي تهتم بتوازن الشعوب تملك مبالغ خيالية؛ فمؤسسة دينية واحدة تبلغ أوقافها خمسة آلاف مليون دولار، وامرأة واحدة أوقفت من أموالها ستين مليون دولار، ورجل أسس مؤسسات بمبلغ أربعمائة مليون دولار!!

إن الذين يبذلون هذه المبالغ الطائلة؛ وإن كان بعضهم يبذله عن عقيدة، لكن الآخرين منهم يبذلون في سبيل بناء بلادهم، وحفظ شبابهم، وضمان كيانهم ومستقبلهم، ومهما كان الهدف من هذا البذل فإنهم بالفعل يبذلون، وقد رأوا جزاء بذلهم، وأثرياؤنا أحق بالبذل من أثرياء أولئك، لأنهم يبذلون وقد وصلوا ونحن في أول الطريق، ثم: نرجو من الله سبحانه ما لا يرجون.

بركة العمل الجماعي

أردنا أن نقوم ــ في كربلاء المقدسة ــ ببناء مشروع، لكن أكثر الأصدقاء كانوا مخالفين من جهة أن المشروع كان يكلف نحو عشرين ألف دينار ونحن لا نملك حتى مائة دينار، واقترح بعض الأصدقاء: أن نأخذ من عبد الكريم قاسم لكني رفضت ذلك، وأخيراً: صار القرار في أن نشرع في الموضوع، فطبعنا: (دبالك)، وجمعنا ما يقارب مائة دينار، ولكن اليأس كان أكثر من الرجاء، وشرعوا في تنظيف الأرض المخصصة للمشروع من الأوساخ، كما أخذت الهيئة في جمع المال، قال أحد الأعضاء ــ وهو بزاز ــ: جاء ذات يوم جمعة رجل أعرابي من أهل البادية وقال: من القائم بهذا المشروع؟ قلت: جماعة، قال: وهل يقبلون التبرعات؟ قلت: نعم، قال: حسناً، وذهب، وفي الجمعة الثانية جاء وقدم لي: (جزداناً) صغيراً، وقال: هذا مني تبرع للمشروع، قلت له: تفضل حتى أعطيك الوصل، قال الرجل: لا أحتاج، وذهب، قال البزاز ــ وكان عضواً في الهيئة ـ: طرحت الجزدان في آخر الدكان، واشتغلت بالمعاملة حتى حان الظهر، فأخذته وفتحته، وإني أظن أن ما فيه لا يعدو عشرة دنانير، وكم كانت المفاجأة ضخمة حينما رأيت فيه ألفان وسبعمائة دينار؟! فلم أكد أصدق عيني، لكن كان هذا هو الواقع، فبشّرت الهيئة بذلك، فاستبشر الجميع، وبعثت فيهم روح جديدة بعد اليأس، فأخذوا يجدون في جمع المال حتى كمل البناء في أقل من سنة، وقد كلف فوق العشرين ألف دينار.

إن أهل الخير يوجدون في كل مكان، لكنهم لا يقدمون ــ غالباً ــ على التبرع، إلا إذا رأوا النتائج والعمل بأم أعينهم، ولذا فعلى رجال الإصلاح أن يكسبوا ثقة الناس بالعمل الجاد المستمر، وهناك تأتي النتائج الطيبة بإذن الله تعالى.

كيف نجمع الأموال الإسلامية

إننا مكلفون بإقامة الإسلام دينياً ودنيوياً، أما دينياً: فواضح، وأما دنيوياً: فلأن تقدمنا في ميادين الحياة، واسترداد سيادتنا وعزتنا؛ يتوقفان على إعادة الإسلام إلى الحياة، لذا فمن الضروري أن نفكر في ذلك بكل جد، ومن مقومات التقدم المال.. أما كيف نجمع المال؟ فإنه إذا تكونت لجنة مؤلفة من عشرة من التجار ذوي الوزن الثقيل، وبعض أهل العلم الثقات، وسجلوا أسماء التجار والأثرياء في قائمة، ثم نصبوا صندوقاً خيرياً ــ بإشراف الثقات ــ لجمع المال، وصرفه في الأمور الإسلامية تحت إشرافهم، واجتمعوا بالتجار المذكورين في القائمة لأجل جمع المال منهم؛ كانت النتائج طيبة جداً، ولنفرض في عاصمة إسلامية ــ تزور الهيئة خمسة آلاف تاجر، في مدة خمس سنوات، وكل تاجر يتبرع بمعدل ألف دينار، يكون الحاصل خمسة ملايين ديناراً، فإذا وضعوا هذا المال في الإسترباح: المعامل، والمضاربات، والأراضي، والشركات…، لا بد وأن يكون الربح واحداً من خمسة على أقل تقدير، وكم تكون النتائج مرضية إذا صرف كل عام مليون ديناراً لأجل مختلف المشاريع.. وهذا العمل وإن كان صعباً، وبعيداً في أول نظرة؛ لكن الإنسان إذا صمم كان الأمر سهلاً.. وإذا فرضنا أن هذا العمل أنجز في اثنتي عشرة عاصمة من عواصم البلاد الإسلامية؛ كان حصيلة ذلك كل شهر مليون دينار، وإذا خصصنا نصف المبلغ لأجل المؤسسات، ونصف المبلغ لأجل المبلغين، وفرضنا: أن كل مؤسسة تكلف عشرة آلاف دينار، وكل مبلغ يحتاج في الشهر إلى مائتي دينار كان حصيلة خمس سنوات: ثلاثة آلاف مؤسسة، وكان الذين يمكن تزويدهم من المبلغين بالرواتب: ألفين وخمسمائة مبلغ، وهل تعلم: أن هذا العدد من المبلغين، في هذه المؤسسات المنتشرة في مختلف بلاد العالم الكبار؛ يأتي بما يشبه الإعجاز، ويهز العالم أكبر هزة؟

طرق للحث على التبرع

يمكن إستحصال التبرعات بأنواع مختلفة، مثل:

1 ــ جعل الصناديق الخيرية عند المشتركين، كل صندوق يوضع فيه كل شهر دينار، أو كل يوم ثلاثون فلساً، فإذا أمكن توزيع ألف صندوق كانت الحصيلة كل شهر ألف دينار.

2 ــ جمع التبرعات من الناس في أوقات الاجتماعات، كالاحتفالات، والمآتم، وما أشبه.

3 ــ جعل الهواتف في الدكاكين، فكل من أراد المخابرة الداخلية أخذت منه عشرة فلوس مثلاً.

4 ــ جعل الصناديق في المحلات العامة، كالفنادق، والعيادات، والمكاتب، وغيرها.. فكل صاحب حاجة يتبرع بشيء قل أو كثر، وهكذا: جعلها في المساجد، والحسينيات، وهكذا: جعلها في الدكاكين، فكل من اشترى شيئاً وضع فيه شيئاً.

5 ــ جعل ضرائب تبرعية على البضائع، مثلاً: كل من اشترى أو باع صندوقاً من الزجاج، كان عليه أن يدفع خمسين فلساً.

6 ــ تهيئة شبان ليضعوا على ملبس كل إنسان وردة أو علامة، ويقدموا له صندوق التبرعات ليضع فيه شيئاً، في المحلات العامة، ونحوها.

7 ــ ذهاب الوفود إلى الأثرياء الذين لا عقب لهم، ليتبرعوا بأموالهم للمشاريع بعد مماتهم، هبة أو وقفاً.

8 ــ حث أصحاب الحوائج (كالمرضى، والمساجين، وذويهم) الذين هم في سبيل النجاح أو الرسوب، على نذر كمية متناسبة مع الحاجة إن قضيت حاجتهم.

9 ــ أخذ التبرع ممن على جناح السفر، أو قادم من سفر، أو ممن يريد عرساً، أو ما أشبه، فإن اضطراب الحال يوجب سرعة الإنفاق.

10 ــ حث التجار، وأصحاب المهن والحرف (كصائدي الأسماك) على إشراك المشاريع في أرباحهم بنسبة خاصة.. إلى غيرها من الأقسام، وما أكثرها.

بالاقتصاد والنظام نتقدم

لقد أصبحت الدنيا تسير ــ على الأغلب ــ تحت رعاية النظام والاقتصاد، فكل جماعة أو أمة أو شعب، يفقد أحد الأمرين ينزل مستواه.. وينزل.. حتى يصل أسفل سافلين، والمسلمون يفقدون كلا الأمرين (إلا ما شذ) ولذا نرى تأخرهم كل يوم في جميع جوانب الحياة، بينما الطرف المقابل أخذ بالصعود كل يوم في مختلف نواحي الحياة.. لندع الغربيين: فهذه اليابان غزت العالم بصناعتها مع أنها ــ قبل مائة سنة ــ كانت من الدول المتأخرة، إنها أخذت فجأة بالنظام والاقتصاد، ولذا أخذت بالتصاعد حتى بدأت تهدد الغرب في صناعتها..

والإسلام أول دين نادى بهذين الأمرين، فقد قال علي (عليه السلام) (الله..الله.. في نظم أمركم).

وقال الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم): (نعم العون على الدين: الغنى)، فلماذا لا نأخذ بهما؟ والنظام والاقتصاد يجب أن يكونا من واقعنا؛ لا شيئاً يفرض علينا فرضاً، إنك ترى الثري الفلاني يبني داره بعشرات الألوف، ويؤثثها بالألوف، ويخصص لسفره ــ كل عام ــ ألفاً أو أكثر، ويزوج ولده بعشرة آلاف أو أكثر، فإذا قيل له: تبرع لمشروع كذا. قدم إليك خمسة دنانير أو عشرة.. إن هذا وليد عدم تفهم الاقتصاد في الجانب الاجتماعي والديني.. وكذلك: إن حياتنا ليست منظمة وليست عندنا تنظيمات في الأمور الدينية وهذا ما يوجب بعثرة القوى واضمحلال الشخصية وبالنتيجة السقوط كما حدث فعلاً.

إن علينا أن ندخل النظام والاقتصاد في جميع جوانب الحياة اليومية وغير اليومية إذا أردنا التقدم.

الخير الواجب والخير المستحب

في الحديث الشريف: لا يسأل الله عن المندوب إذا عمل الإنسان بالواجب..

إن بعض الناس ينفقون في سبيل الله، ويزورون الإمام الرضا، ويعتمرون، ويزورون النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء، ويهدون إلى العالم، ويطعمون الفقير، ويضيفون في ليالي شهر رمضان، ويبذلون في سبيل عزاء الإمام الحسين (عليه السلام)، لكنهم لا يخمسون، فليعلم أولئك: أنهم لو تركوا كل ذلك، وأدوا بدله الخمس، كانوا في الآخرة مع الفائزين، ولم يسئلوا هناك: لماذا لم تؤدوا الواجبات، أما إذا تركوا الخمس وعملوا كل ذلك، فإنهم يقفون في الآخرة في جملة العصاة، فأيهما أحب إليك أن تعمل المستحبات وتترك الواجب، أم تعمل الواجب وتترك المستحبات؟ إذا كنت تحب الأول فاعمل ما شئت، وإلا فأسرع إلى أداء حقوقك قبل أن يأتي (يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم).

والمراد بالحديث السابق: أنك إذا عملت بالواجب لم تسئل عن المستحب.. وإذا أردت الإنفاق زيادة على الواجب فأنفق فإنه خير، والخير مهما كثر كان حسناً، وخير الخير في هذه الأيام هو الإنفاق فيما يخدم الإسلام والمسلمين، فإنك إذا أنفقت ألف دينار لأجل الإطعام كان مفضولاً بالنسبة إلى أن تنفق مائة دينار لأجل هداية الشباب، وفقد قال النبي لعليّ ــ عليهما آلهما الصلاة والسلام):

(يا علي لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما أشرقت عليه الشمس).

الكرماء لا يملكون الدراهم

عشرة أقسام من المال على الإنسان ــ بين واجب ومستحب ـ:

الأخماس، 2- الزكوات، 3- الأثلاث، 4- الصدقات، 5- الهبات، 6- التبرعات، 7- المظالم، 8- الكفارات، 9- النذور، 10- الأوقاف…

فمن الضروري أن تكون في كل بلد إسلامي هيئة نزيهة يعتمد عليها، تقوم بجمع هذه الحقوق، وصرفها في مختلف المصارف الإسلامية، واللازم أن تكون هناك دعاية واسعة لفضل الإعطاء، ولفوائده، حتى يلين قلب الثري، وينضج الغني الأبي، وإلا فالناس لم يعتادوا الإعطاء، كأن المال قد لصق بقلوبهم..

والغريب أن الذين: (اشربوا في قلوبهم العجل) أخذوا في الآونة الأخيرة ــ منذ قيام دويلتهم ــ ينفقون بسخاء، ويكسبون الحكومات إلى جانبهم بالمال، ويشترون الضمائر بالدرهم والدينار، أما المسلمون: فهم جمود عن بذل المال، لا يفكرون في دنياهم المظلمة، ولا في آخرتهم القريبة..

وقد قلت لثري: ألا تنفق في سبيل الله؟ قال: إني أعمل الخير الكثير، قلت: وكيف؟ فأخذ يعدد ما أنفقه في سبيل الله، قال: ربع دينار أعطيته لسيد، وعشرة دنانير أقرضتها لمحتاج، ثم استرجعتها منه بالأقساط، وذكر شيئاً آخر أو شيئين آخرين من هذا النوع؛ وهو معجب بنفسه، يسرد هذه الكلمات بتبجح واعتزاز. قلت في نفسي: أنه إما جاهل غبي، أو متجاهل ماكر، فإن كان الأول: أسأل الله تعالى أن يعلمه ويفهمه موازين الحياة، وأن كان الثاني: هداه الله إلى الصراط المستقيم.. أنه ليس من شك أن بعض الأغنياء يبذلون بسخاء، لكن في المثل: لا يحصل الربيع بوردة أو عدة أوراد، ولذا نرى الآن لم يحصل الربيع.

قال الشاعر ــ ما ترجمة شعره ــ:

أصحاب الــدراهم لا كـــــرم لهم          والذين هم كرماء لا دراهم لهم!