الفهرس

المؤلفات

 الاقتصاد

الصفحة الرئيسية

 

  ما هو العلاج؟

أولاً: النفط والبدائل

يجب رصد مقدار معين من عائدات النفط لصرفها في خطط مستقبلية تستطيع أن تسدّ النقص الحاصل عن نضوب النفط، فهناك موارد كثيرة يمكن استخدامها بطريقة بحيث تستطيع أن توفر الرأسمال الكبير للدول النفطية، إذا أحسنت استخدامها.

فهناك السدود والشلالات الطبيعية والمدّ والجزر التي بمقدورها ـ إضافة إلى الاستفادة من الطاقة الشمسية ـ أن تكون بديلاً عن الطاقة النفطية ـ إلى مقدار كبير.

ويحتاج هذا البديل إلى تربية الكادر الخبروي لإدارة المعامل مع سائر شؤونها وما يتعلق بها:

من تحصيل المواد من الأسواق العالمية والتسويق وغير ذلك(1).

فلا بد من رصد نسبة معينة من أموال النفط في إنجاز منشآت صناعية قرب البحار والأنهار وشبهها(2)، فهناك دول في العالم تقدمت صناعياً كاليابان ـ في الحال الحاضر ـ وهي لا تملك النفط، وكان تقدمها مرهوناً بالخطة الحكيمة الموضوعة بسبب خبرائها.

واللازم أن يلاحظ التخطيط لذلك عدة أمور:

1 ـ إقامة السياسة الصناعية على قاعدة حاجة الأمة في الحاضر والمستقبل، وليس حسب المخطط المرسوم من قبل الدول الكبرى والذي تسير على طبقه الدول المتخلفة، فلقد حوّل الاستعمار البلاد الإسلامية إلى مستعمرة تدرّ عليه بالأموال الطائلة لسدّ حاجاتها لا سدّ حاجات الدول المتخلّفة.

إن ربط الصناعة بالحاجة هي أهم قضية في استثمار عائدات النفط للأمور المستقبلية.

2 ـ رعاية التنسيق والتوازن بين مختلف المعامل المحتاج إليها في البلاد الإسلامية كي لا يحدث إفراط وتضخم في جانب، وتفريط ونقص في جانب آخر.

مثلاً: تقوم الدولة بتوفير عشرة من الأحواض الجافة(3) إلى جوار نصب خمسة معامل للسيارات بينما الحاجة معكوسة أو اللازم التساوي أو نسبة أخرى كسبعة من أحدهما وثمانية من الآخر وهكذا.

3 ـ تحقيق التعاون الاقتصادي بين الدول الإسلامية قال تعالى: (تعاونوا على البرّ والتقوى..)(4).

فبالوحدة يحرز التقدّم، وقد قال تعالى في محكم كتابه: (إنّ هذه أمّتُكُم أمّةً واحدةً وأنا ربّكم فاعبدون)(5) و(إنّما المؤمنُون إخوةٌ)(6) إلى غير ذلك من الآيات والنصوص الواردة في الوحدة، وإحدى مصاديق وحدة الأمّة الوحدة الاقتصادية.

فعلى سبيل المثال: ذكر أحد الخبراء الاقتصادييين أننا لو جمعنا أموال الخليج وخبرة مصر وأراضي السودان الصالحة للزراعة لاستطعنا أن نحقق الاكتفاء الذاتي من الغذاء.

لكن ومع تمزق العالم الإسلامي وتناحره، فالمشكلة تبقى في تصاعد أي ستبقى دول الخليج تدفع بنفطها لقاء طعامها، وتبقى مصر تخرج الكفاءات للدول الغربية، وتبقى الأراضي السودانية قاحلة، وهكذا بقية البلاد الإسلامية الأخرى.

والحصيلة الأخيرة هي الفقر والحاجة للدول الأجنبية ومزيد من التأخر والتراجع.

ثمّ إننا نجد الآن أنّ البلاد النفطية تقوم بمساعدة الكثير من البلاد الأخرى، فإذا عملت هذه البلاد بما ذكر، ستستمر المساعدة ـ لا من النفط حالاً بل من الجهة الأخرى مستقبلاً ـ وبهذه الصورة المذكورة التي هي أفضل وأدوم بل سيتحقق لتلك البلاد الاكتفاء الذاتي والغنى الاقتصادي ففي المثل: (أعط إنساناً ديناراً تعطه وجبة طعام، وأعطه تعليم صنعة تعطه الطعام مدى العُمر) و(أعطه سمكة تعطه وجبة، وأعطه شبكة تعطه وجبات).

ثانياً: إطلاق الحريات

إذا لم يكن بمقدور النفط أن يعالج مشكلة الفقر، فإن في إطلاق الحريات خير علاج لهذه المشكلة.

فالحرية تعني توفير فرص السعي والعمل لكافة الناس وهي تعني زيادة نسبة الإنتاج وجودته، وبالإنتاج ينتشر الغنى ويتبدد الفقر، فعندما تنتشر الحرية لن يجد شبراً من الأرض غير معمور أو غير مزروع، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الأرض لله ولمن عمّرها)(7) فلا بد من السماح لعامة الناس بعمارة وزراعة كل الأراضي الموات وبدون مقابل فإنّ الأرض لله ولمن عمرها لا للدولة أو غيرها، وعلى الدولة والجمعيات الخيرية والأحزاب الحرة مساعدة الناس على تحويل تلك الأراضي القاحلة إلى أرض زراعية أو صناعية أو سكنية، وذلك تحت إشراف الخبراء والمهندسين وتسهيل عملية الاستيراد والتصدير وشبه ذلك.

ويمكن أن تقوم لجان منبثقة عن الأحـــزاب الحرة أو عن شورى العلماء وأهل الخبرة ـ وحسب انتخاب الناس ـ بمهمّة التقسيم.

مثلاً: تقسيم الأراضي البائرة إلى قطع تشتمل كل قطعة على ألف ذراع أو أكثر أو أقل، حسب قدرة الأفراد وكفاءتهم وضمن إطار قوله تعالى (لكم) ووضع هذه القطع تحت تصرف الراغبين في الإعمار والزراعة وغيرها بالاقتراع فيما لو كانت الأراضي قليلة بحيث لا تبلبي حاجة الكل، وإن كان الواقع الخارجي يشهد بكفاية أراضي البلاد الإسلامية لعامة الناس، فحينها فقط ستنتهي مشكلة الفقر والفاقه وتنتهي الكآبة والحزن، وسيكون الجميع أصحاب بيوت وأعمال، وحينذاك تصبح بلادنا أمثولة في الإنتاج، وأمثولة في التواصل وأمثولة في السعادة.

وبالمقابل يجب على الدولة أن لا تثقل نفسها بالأعمال والموظفين وأن يكون عملها التخطيط والإشراف ـ ولا غير ـ على سير برامجها الاقتصادية والثقافية والتربوية وغيرها.

وان تترك التجّار وأصحاب الأموال وكل من أحب مهمة المشاريع الخدمية من أمثال فتح شبكات الكهرباء والماء والتليفون والمواصلات، لشأنهم بكل حرية.

وأن نترك للجمعيات الخيرية وللمتبرعين فتح المدارس والمساجد والحسينيات والمستوصفات والمستشفيات والبنوك والإذاعات والتلفزيونات وما أشبه ذلك، كما عليها إلى جوار السماح للناس بكل ذلك، أن تنفق واردات الدولة ـ وبإشراف منتخبي الأمّة ـ في كل تلك المجالات أيضاً.

إنّ عمل الدولة الأساسي الحفاظ على الأمن والاستقرار في البلاد فلا بدّ من وجود جهاز للحفاظ على أرواح الناس وأعراضهم وأموالهم في الداخل، ولا بد من وجود جيش للحفاظ على استقلال الدولة من أطماع الدول الأخرى.

وليس عملها أن تخنق الناس وتعطل كفاءاتهم، وتتصدى للقيام بكل الأعمال والمشاريع..

وهذا هو طريق السعادة سعادة الدولة وسعادة الشعب، وحينذاك وحده يرتفع الضيق الذي أنذر الله سبحانه لمن ترك أحكامه: (من أعرض عن ذكري فإنّ له معيشةً ضنكاً)(8) وذكر الله هو شريعته، والاعراض عن ذكر الله هو عدم تطبيق شريعته.

وشريعة الله هي السبيل إلى السعادة الدنيوية والأخرويّة قال تعالى: (استجيبوا لله والرسول إذا دعاكُم لما يُحييكم)(9).

والحياة التي يريدها الله لنا هي الحياة المفعمة بالإيمان والعمل الصالح، والخالية من الفقر والمرض والجهل والقلق والعزوبة والفوضى والتحارب.

الحياة التي يريدها الله لنا هي أن نعيش مرفوعي الرأس موفوري الكرامة والعزّة: (ولقَدْ كرَّمْنا بَني آدَمَ..)(10)، وأن نمتلك اقتصاداً سليماً وكفاءات علمية، وأن ترجع لنا سيادتنا واستقلالنا.

وهذا هو عنوان السعادة في الدنيا والآخرة، ربَّنا آتِنا في الدُّنيا حَسَنةً وفي الآخِرةِ حسنةً وقنا عذاب النار.

والله الموفق المستعان.

قم المقدسة   

محمد الشيرازي

 

1 ـ قد انتهجت بعض الحلول في بعض البلدان للتعويض عن النفط كوقود، ففي الهند يسعى الخبراء للاستفادة من الطاقة الشمسية كبديل عن النفط. ويرى بعض الخبراء أن تكثير الغابات في البلاد تستطيع أن تسدّ بعض العجز الحاصل من نضوب النفط.

2 ـ كالخليج والبحر الأحمر.

3 ـ أماكن صناعة السفن.

4 ـ المائدة: 2.

5 ـ الأنبياء: 92.

6 ـ الحجرات: 10.

7 ـ فروع الكافي: ج5 ص279 ح2.

8 ـ طه: 124.

9 ـ الأنفال : 24.

10 ـ الأسراء : 70.