| المؤلفات |
|
شروط تحققه ومستثنياته |
|
أمّا القسم الأوّل من أقسام الربا فهو: الربا المعاملي، ويشترط فيه بيع أحد المثلين بالآخر مع الزيادة العينيّة قطعاً، من غير فرق بين أن يكون الزائد جزءاً أو قيداً أو شرطاً، لفظاً أو إرتكازاً، أو ماله إنتفاع أو منفعة كالسكنى والخياطة، أو مصالحة محاباتية، أو خيار، أو ما يعود بالمال أو العمل أو الوقت على المرابي، مثل إعطاء شيء لزوجة المرابي حيث إنه بذلك يوفر لنفسه نفقتها، أو الوساطة عند رئيس المعمل بتشغيل المرابي، حيث يوفر لنفسه العمل، أو كنس المسجد عن المرابي حيث يوفر لنفسه وقته، فإنّ كلّ ذلك داخل في النصّ والإجماع. أمّا ما ليس كذلك مثل أن ينظف نفسه، أو يصلّي أوّل الوقت، فلا يبعد الانصراف، ولو شكّ فالأصل العدم، وإن كان الاحتياط يقتضي ذلك. أمّا إذا كان لا يبيع المثل بالمثل إلا لمن يقترض منه، أو يسمح له بكنس داره، أو ما أشبه ذلك، فليس من الربا، إذ ليس ذلك من الجزء والشرط والقيد، فهو مثل أن يبيع البائع لأهل العلم. وكذلك حال القرض، إذ لا يقرض إلا لصنف خاصّ. ومثله كذلك ما إذا كان داعيه للبيع أو القرض هو: أن ينفعه عيناً، أو انتفاعاً، أو منفعة، أو ما أشبه، إذ الداعي لا يدخل في المعاملات. ولو شرط في البيع الشرط الحرام، كأن يبيعها ـ مثلاً ـ بمثل مع التقبيل الحرام، فهل يبطل لأنه من (الزائد والمستزيد) كما في النصّ؟(1) أم لا، لأن الشرط باطل ـ وكذلك حال كلّ ما هو مثله ـ فيكون البيع ـ مثلاً ـ بمثل فقط؟ لا يبعد الثاني، وقد ذكرنا في محلّه: انّ الشرط الفاسد ليس بمفسد حتّى يقال بفساده من هذه الجهة. ومنه يعرف: ما إذا كان الحرام جزاءً. ولو شكّ، أو اختلفا في أنّه هل كان بزائد أم لا؟ أو أنّ الزائد هل كان ممّا يبطل أم لا؟ فالأصل: الصحّة، ومن يدّعي خلافها يحتاج إلى الدليل. |
|
الأصل في موارد الشكّ |
|
مسألة: الأصل في موارد الشك: الحلّية الوضعيّة والتكليفيّة، في الشبهات الصدقية والمصداقية، فإنّ خروج الربا بالتخصيص، إذ يشمله (أحلّ اللّه البيع)(2) و (تجارة عن تراض)(3) وما أشبه. |
|
الزيادة العينيّة وشروطها |
|
ولا إشكال في أنّ الزيادة العينيّة ونحوها في بيع المثلين تُعدّ رباً إذا كانا متساويي القيمة في زمان متّحد ومكان واحد. |
|
الزيادة العينيّة مع فقد الشروط |
|
أمّا بدون ذلك بأن كان بيع أحد المثلين بالآخر مع الزيادة في زمانين أحدهما نقد والآخر نسيئة، أو في مكانين تختلف القيم فيهما، أو غير متساويين في القيمة، فالأصل: عدم الربا، إذ بالإضافة إلى عدم الصدق، لا تشملها الأدلّة أيضاً. مثلاً: قال سبحانه: (فلكم رؤوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون)(4) وهذا لم يأخذ إلا رأس ماله لم يَظلم ولم يُظلم. كما انه ليس ممّا يربو في أموال الناس وقد قال سبحانه: (ليربو في أموال الناس)(5). وما تقدّم من التعليـل في رواية الإمام الرضـا (ع)(6) لا يشمل المقـام قطعاً. بالإضافة إلى أنّه في المعدود لا يكون ربا، فكيف يكون في المكيل والموزون مع أنّهما من باب واحد عرفي؟ فتأمّل. لا يقال: العقلاء لا يقدمون على إعطاء واحد باثنين إلا إذا كان الروح العام النقدي فيهما واحداً، وبذلك يتساويان قيمة، كجوز جيّد وجوزين رديئين، فلا يكون فيه الربا. لأنّه يقال: كذلك حال الكيل والوزن. فلم يبقَ حينئذ إلا التمسّك بالنصّ في التحريم فيهما بدون صدق الربا، إذ لو صدق هنا صدق في المعدود أيضاً، ولا يمكن أن يقال: أنّ في المعدود خروج موضوعي والنص الموجود هنا على تعدّد الروايات فيه من رواية سيف التي فيها: (أنّ عليّ بن أبي طالب (ع) كان يكره أن يستبدل وسقاً من تمر المدينة بوسقين من تمر خيبر، لأنّ تمر المدينة أدونهما ولم يكن علي (ع) يكره الحلال)(7). ورواية ابن سنان(8)، وابن مسكان(9)، وابن قيس(10)، لا يستبعد وحدتها، كما لا يخفى لمن راجعها مع اختلاف المضمون فيها، حيث إن في بعضها تدافعاً كما عرفت، وفي بعضها: (لأنّ تمر المدينة أجودهما)(11) . ومثـــل هذه الروايـــة الواحدة مآلاً، لا تـقـــف أمام مـــا ذكرناه: من الفقه والعرف والنص القرآني والتعليل في رواية الإمام الرضا (ع). وفي أخرى: (لأنّ التحريم لئلاّ يترك الناس فعل المعروف من القرض وغيره)(12). وفي ثالث: (بل لتركوا التجارات)(13). إلى غير ذلك ممّا فيه إشارة إلى ما لعلّه كان مكروهاً حياطة، لا أنّه حقيقة الربا. |
|
هل التعليل يؤيّد التحريم؟ |
|
ثمّ إنّ التعليل في هذه الرواية(14) مشترك لا يدلّ على الحرمة، فقد كان علي (ع) يكره الحلال المكروه ويكره ترك المستحبّ المباح، وأنّ الفقهاء لم يلتزموا بذلك، فقد أفتى جماعة بجواز بيع لحم حيوان بحيوان حي بجنسه مع أنّه قد روى غياث عن جعفر بن محمّد عن أبيه(ع): لأنّ عليّاً (ع) كره بيع اللّحم بالحيوان)(15). إذن: فالعمدة في التحريم: الشهرة العظيمة، وإلاّ فليس في المقام إلا الروايات المذكورة التي عرفت الكلام فيها، لكن مع ذلك لا يمكن الذهاب إلى الحلية بعد ما عرفت. |
|
الزيادة العينيّة مع اختلاف الزمان |
|
وأضعف منه في التحريم وإن كان لا يمكن الذهاب إلى الحلية: ما كان الاختلاف لأجل الزمان بسبب النقد والنسيئة، فقد اختلفوا في ذلك حلية وحرمة، وإن قال السيّد الطباطبائي (قدّس سره): لا اشكال ولا لاف في عدم جوازه متفاضلاً مطلقاً نقداً ونسيئةً. أقول: فإنّه مع وجود الخلاف من الأردبيلي (قدس سره) بل غير واحد من المحقّقين المعاصرين قد مال أو قال بالجواز، وفي مهذّب السبزواري (قدس سره): فيه وجهان وإن كان قوله في الشرح يقوّي الصحّة مع إنحلال العقد إلى عقدين عرفاً، خروج عن محلّ البحث. واستدلّ للتحريم: بإطلاق الأدلّة. وفيه: إنّه منصرف عن مثل النسيئة. وبجملة من الروايات الخاصّة مثل رواية خالد بن الحجّاج وعمر بن يزيد والحلبي وزرارة. وفيه: إنّه لا دلالة فيها كما لا يخفى. وبالإجماع الّذي قد عرفت حاله، مع أنّه على تقديره محتمل الاستناد. وممّا تقدّم يُعرف الكلام في الاختلاف لأجل المكان. |
|
الزيادة الشرطيّة |
|
ثمّ إنه قد تقدّم: أنّ الشرط كالجزء في لزومه الربا، لكن يجب أن يخصّص ذلك بالشرط الموجب للخروج عن المثليّة، وإلاّ فلا مانع منه، فإنّ الذي يمكن الاستناد إليه فيه هو: رواية خالد بن الحجّاج التي فيها: (جاء الربا من قبل الشرط وإنّما تفسده الشروط)(16). وفيه: إنّه في القرض، واستفادة قاعدة كلّية منه محلّ منع. والإتّفاق الّذي ادّعاه الجواهر. وفيه: إنّه مقطوع العدم، فقد قال السيّد الطباطبائي (قدس سره) بل عن الأردبيلي (قدس سره): عدم الربا في الزيادة الحكمية. وكذا يظهر من المحكي عن ابن إدريس (قدس سره) وعن القواعد وجامع المقاصد: جواز اشتراط البيع بثمن المثل، بل محاباة أيضاً في القرض الذي هو أضيق دائرة، وكذا جواز اشتراط الرهن على القرض، بل على دين آخر. وعن جماعة: جواز اشتراط التسليم في بلد غير بلد القرض، وكذا جواز اشتراط ضمان أو كفالة أو إشهاد أو رهن. وعن الجواهر: جواز اشتراط وصف الخاتميّة في بيع الفضّة بالفضّة،إلى آخره. وروايات المثل. وفيه: إنّها منصرفة ولو بقرينة الآيات والتعليلات، بالإضافة إلى أنّ الربا موضوع عرفيّ، كما يــدلّ عليه قوله سبحانه: (قالوا إنّما البيع مثل الربا)(17) وغيره، والعرف لا يراه إلاّ في الزيادة العينيّة ونحوها، لا مطلقاً. وقد عرفت: إنّ الأصل الحلّ إلاّ ما خرج، وبذلك تبيّن: أنّه لو كان شرط أو جزء في مقابل مثله أو قسيمه بما لا يسمى عرفاً بالربا، لم يكن به بأس. |
|
دفع دخل |
|
لا يقال: إذا لم تستشكلوا في بيع النقد بالنسيئة مع الزيادة فيها، ولا في بيع الجيّد بالرديء مع الزيادة فيه، فأيّ مورد يبقى للربا المعاملي مع وضوح أنّ الناس لا يتعاملون مع الزيادة في الجنس الواحد المتّفق في النقد؟ لأنّه يقال: يتعاملون في صورة اختلاف الأغراض في الأنواع المختلفة كالحنطتين عراقية وخراسانية مع جودة أو ردائة كلتيهما، وكذا في سائر ما يكال أو يوزن. وبذلك يجاب عن الإشكال في أنه: لماذا حُرّم مثل هذا الربا مع أنه مع رضاهما ليس من الظلم في الأخذ زائداً؟ لوضوح: أنّ الأخذ زائداً مع زيادة القيمة ظلم نهى عنه الشارع وإن رضيا، كنهيه عن الزنا والقمار وإن رضيا، فربما يكون الظلم لعدم رضى أحد الطرفين أو كليهما فيما جبرهما ثالث، وربما يكون ظلم نوعي وإن رضيا، والشارع حرّم كلا القسمين، كرفعه الحرج الشخصي والنوعي، في مثل: (لولا أن أشقّ)(18). |
|
لا ربا مع الاختلاف بالذات |
|
وعلى أيّ حال: فلا ربا في اختلاف الذات كالحنطة والأرز، ولا في المعدود كالبيض والجوز، ولا في اللّحوم والألبان والأدهان مع اختلاف الحيوان أو الأزهار المأخوذة من النباتات، ولا في المذروع كالقماش، ولا في المحدود بالساعات كالكهرباء ولا في ما يباع مشاهدة. |
|
ملاك الإتّحاد والاختلاف |
|
ثمّ إنّ الفواكه والتمور والأسماك والحبوب والطيور مع الاختلاف أجناس، أمّا مع عدم الاختلاف عرفاً جنس واحد، وكذا حال الفلزات، وقولهم: إنّ الضأن والمعز جنس واحد(19)، وكذا البقر والجاموس، والإبل العراب والبُخاتي، لم يظهر له دليل وإن ادعي عليه الإجماع، كما أنّ الوحش من كلّ حيوان وأليفه جنسان، وهكذا بريّه ومائيّه، فيجوز التفاضل بين أصلهما إذا كان موزوناً، وبين لحميهما، إذ كلّ فرع تابع لأصله، وكذلك في الوحدة والتعدّد في الأزهار والأعشاب. وما ذكرناه حسب الصناعة وإن كان في بعضها ـ خصوصاً ما ذهب المشهور إلى خلاف ما ذكرناه ـ مجال الاحتياط واسعاً. |
|
الاختلاف بالعرض |
|
ثمّ إنّ المشهور ذكروا: أنّ كلّ شيء مع أصله وما يشتقّ منه جنس واحد وإن اختلفا في الاسم، كالسمسم والشيرج، واللبن والجبن، والمخيض واللبأ وأشباهـــها، واستدلّوا لذلك ببعض النـــصوص الخاصّة في مـــوارد معدودة، مثل رواية محمد بن مسلم(20) وزرارة (21) وصفوان(22) وسماعة(23) وعليّ بن إبراهيم(24). لكن استفادة مثل هذا العموم من الروايات الخاصّة ـ خصوصاً مع تصريح الروايات بالمماثلة، مضافاً إلى عدم مماثلة جملة من الأصول مع مشتقّاتها، أو المشتقّات بعضها مع بعض ـ في غاية الإشكال. فاللازم أن يقال: إنّ الأقسام ثلاثة: ما يتّحد عرفاً وإن اختلف الاسم، وفيه الربا. وما يختلف عرفاً، ولا ربا فيه. كما أنّه لا ربا فيما شكّ في أنه من أيّهما؟ وقد تقدّم: أصالة الحلية وضعاً وتكليفاً. |
|
الاستدلال لإتّحاد المختلف بالعرض وجوابه |
|
ثمّ إنّ الّذين ذكروا الكلّية المتقدّمة ربّما استدلّوا لها بما يأتي: من: وحدة الشعير والحنطة، ولا إشكال في أنه للدليل الخاص. أو: بالوحدة عرفاً، ومن المعلوم: العدم. أو: بوحدة الآثار والخصوصيات، ومن الواضح: التعدّد، كتعدّد الاسم. أو: بالكلّية المستفادة من الروايات السابقة، ولا يستفاد منها مثل هذه الكلية الواسعة، وإلا لزم وحدة ماء الفرات وماء الفواكه، والعشب والعلف، والنفط والحطــب، والفاكهة والخُضَر، وذلك ممّا لا يمكن أن يتفوّه به أحد، وهكذا حال مثل الصابون والزيت، وما أشبه ذلك. وممّا تقدّم عرف: اختلاف الشعر والصوف والوبر، واتحاد كلّ واحد منها من أصل حيوان واحد. وكذلك ما فيها الريش والزغب، من غير فرق بين كبارهما وصغارهما. وكذلك سهام مثل القنافذ، والأظلاف من ذوي الأظلاف، والشحم والألية والقلب والكبد والعروق والعظام والأعصاب والمعدة ونحوها، فإنّ بعضها غير بعض، كما أنّ كلّ واحد منها من حيوان خاصّ مشابه لآخر، ومعلوم: أنّ كلّ واحد منها غير اللّحم، كما أنّ حال الرأس والأيدي والأرجل أيضاً كذلك، سوى الأخيرين، فإنّ الظاهر: كونهما واحداً إذا كانا من حيوان واحد وإن كان لهما اسمان. واللحم الحيواني غير الصناعي، وكذلك الدهنان وهكذا حال القماشين، إلى غير ذلك من الأمثلة. |
|
الملاك في المكيل والموزون |
|
ثمّ إنّ المناط في كون الشيء مكيلاً أو موزوناً: متعارف البلد، لأنّه المنساق من الأدلّة. ويؤيّده خبر القمي: (ولا ينظر فيما يكال أو يوزن إلاّ إلى العامة، ولا يؤخذ فيه بالخاصة، فإن كان قوم يكيلون اللحم ويكيلون الجوز فلا يعتبر بهم، لأنّ أصل اللحم أن يوزن وأصل الجوز أن يُعدّ)(25). واعتبار جماعة كيل زمان النبي (ص) ووزنه، أو الأئمّة(ع) في بلادهم، غير ظاهر الوجه، إذ الأحكام تتبع الموضوعات، وهي تابعة للعرف إلا ما خرج، لأنّه المنصرف، والخارج يحتاج إلى الدليل. ومنه يعرف: وجه النظر في قول الآخوند (قدس سره) في حاشيته على المكاسب: من أنّ الحكمة عند عدم نصب دلالة مع كونه في مقام البيان مع اختلاف الجنس ونحوه، يقتضي إرادة ما كان بحسب زمانه ومكانه، إلى آخره. ولو شك بينهما فالأصل: الأوّل، و(الخاصة) المستثناة في النصّ يراد بها النادر، فإذا كان في بلد عامة وخاصة متعارفة أيضاً، كان لكلّ قوم ما تعارف عندهم، حاله حال الاصطلاح عند العامة والخاصّة، فالقرع عند العامة اليقطين، وعند الاصّة ما يعصر فيه الأجسام، فإذا قاله الأول فالأوّل، أو الثاني فالثاني. ومنه يعلم: أنّ حكم البلاد المختلفة كيلاً أو وزناً وعدّاً، مختلفة في الربا وغيره، والبلد من باب المثال، وإلا فالبرّ والبحر أيضاً كذلك. |
|
لو تعدّدت الأعراف |
|
ولو كان في بلد عُرفان فالأصل: الجواز، كما أنّه لو شكّ في أنّه من أيّهما؟ أو البلد من أيّهما؟ فالأصل: كذلك، لعـدم التمسّك بالعام في الشبهـة المصداقيّة. ولو كان في بلد عُرفان في زمانين أو مكانين، فلكلّ واحد حكمه. لا يقال: إنّ الاستصحاب يقتضي إتباع متعارف زمانهم (ع) إن علمنا به، وإلا فكما ذكرتم. لأنّه يقال: العرف بمنزلة الدليل ومعه لا يبقى مجال له. لا يقال: إذا كان بلدان أو مكانان من بلد واحد مختلفين، كان داخلاً في الخبر المتقدّم (ولا يؤخذ فيه بالخاصّة)(26) فالمرجع أصالة الحلّية ـ دون الدخول في الربا ـ في محلّه. لأنّه يقال: يدخل المختلفان تحت إطلاق الدليلين بالاعتبارين، فهو مثل أن يقول: الكرّ كذا رطلاً، وبعض المياه ثقيلة وبعضها خفيفة. وليس من ذلك التحديدات فإنّه يؤخذ بالأقلّ منها لعدم التباين، فإذا قال: الكرّ كذا شبراً، والمتعارف منه مختلف، جاز أقلّه. وكذا حال الصاع والمدّ والوسق والميل والفرسخ المتعارفة ـ سابقاً ـ حيـث لـم يكـن لها تحـديـد بالمكائن والأمتــار، بــل المشاهـدة والأذرع وما أشبه. وإذا إتّفق أنّ نفرين من بلدين مختلفي الملاك أرادا البيع في برية فالأصل الحلّ، لأنّ الحرمة استثناء كما تقدّم. وكذا لو لم نعلم أنهما جنس واحد أو جنسان فإنّه يكون كذلك، إلا إذا كان استصحاب فيما إذا لم يعرف هل خرج الفرع عن اسم الأصل لتغيّر حكمه أم لا؟ ولا يشترط صلاحية الأكل، فإذا فسد اللّحم وصار غير قابل لأن يأكله الإنسان وإنّما ينفع سماداً، أو لأكل الحيوان، كان مثل غيره. |
|
المراد من المكيل والموزون |
|
والمكيل والموزون لا يراد به الفعلية، بل الشأنية، فإذا لم يكن لهما ميزان وكيل وهما في برية كان الحكم كالسابق، كما أنه إذا تعارف عدّ أحدهما لخصوصيّة، مثل جعل الدابوعة فــي قوالب ـ كما يتعارف في بعض البلاد الصناعية الآن تسهيلاً لتصديره مثلاً ـ فلمعدوده حكمه وإن كان في خصوصيات الأكل ونحوه كغير معدوده. وإذا خرج شيء عن أصله في المكيليلة ونحوها فاعتبار كلّ منهما حسب تعارفه، كالغزل والقماش، فإنّ الأوّل موزون دون الثاني، وذلك لما عرفت: من أنّ الحكم تابع لموضوعه، مضافاً إلى خبر عبد الرحمن عن الصادق (ع): (عن بيع الغزل بالثياب المنسوجة والغزل أكثر وزناً من الثياب؟ قال (ع): لا بأس)(27). ومنه يعرف: حال ما إذا كان القماش مكيلاً دون المخيط، كما يتعارف الكيل فيه في بعض البلاد. ولو شكّ فيما كان مكيلاً أو موزوناً بأنّه هل سقط عن ذلك أم لا؟ استصحب، كما في عكسه. والظاهر: وجوب الفحص في مورد الاحتمال العقلائي لوجوبه في الموضوعات كالأحكام، إلا فيما خرج بالدليل، كالطهارة والنجاسة، ولذا أوجبوه في مقام احتماله الزيادة في ماله للخمس، والنصاب في الزكاة، والاستطاعة في الحجّ، وغير ذلك، كما ذكرناه في (الأصول) . وإنّما ذكرناه في خصوص الاحتمال العقلائي، لأنّه بدونه ليس من مقتضى الطاعة الذي هو دليل الفحص. ومنه يعلم: وجوبه فيما إذا علم انّ الجنس الفلاني مكيل دون الفلاني، لكن لم يعلم أنه من أيّهما؟ أو أنّ في البلد الفلاني مكيل دون البلد الفلاني؟ وكذلك في المحلّتين، لكنه لم يعلم أنه في أيّهما؟ كالمسافر المارّ على البلاد المتعدّدة. ولو شكّ أنه استحال عن الأصل إلى المكيل وعكسه استصحب، إلا مع الاحتمال المذكور. |
|
الأصل في مورد الاختلاف |
|
ولو كان مكيلاً ثمّ سقط أو بالعكس، أو في بلدين مختلفين، أو ما أشبه، واختلفا، فقال أحدهما: بما أوجب بطلان المعاملة، وقال الآخر: بالعدم، فالأصل: الصحّة، إلا أن يقيم من يبطل الدليل. ومنه يعلم: حال ما إذا قال أحدهما: بأنه من الاستثناء، أي: انّ الربا كان في وقت الزوجيّة، أو الكفر، وقال الآخر: بالعدم. ولو قال أحدهما: إنّه ابنه بالتبنّي، والآخر بالنسب، ولم يثبت أيّهما، فالأصل: عدم النسب الموجب للبطلان، لأنّه حاكم على أصالة الصحّة في البيع من جهة السببيّة والمسبّبية. ومثله ما لو قال أحدهما: إنّه زنا، والآخر النكاح، حيث إنّ أصالة عدم النكاح لا تدع مجالاً لأصل الصحّة(28). وحيث إنّ الحكم وضعيّ فلا فرق فيه بين معاملة الصبي وغيره. ولو أوقع المعاملة فضولاً حيث ليس بمكيل وأجاز حيث هو مكيل، فعلى الكشف صحيح، وعلى النقل باطل، وفي عكسه عكسه. ولو قال أحدهما: كان مع الزيادة، وقال الآخر: بدونها، فالأصل: الصحّة، إلا أن يقيم الأول الدليل. ولو مات فورثه متعدّد وقال أحدهما: بالربا، وقال الآخر: بدونه، فكلّ كلامه حجّة في حصّته. نعم يكون للطرف خيار تبعّض الصفقة مع الاختلاف. |
|
المستثنى من ملاك الاتحاد والاختلاف |
|
مسألة: يستثنى من اشتراط الجنس: الحنطة والشعير، فهما جنس واحد في باب الربا بالنصّ(29) وإن كانا في سائر الأبواب كالزكاة، والبيع لهذا أو لذاك، والمهر، والنذر، وغيرها، جنسين. فعن الحلبي عن الصادق (ع): (ولا يصلح الشعير بالحنطة إلاّ واحد بواحد)(30). وفي روايته الأخرى عنه (ع): (لا يصلح الحنطة والشعير إلا واحداً بواحد، وقال: الكيل يجري مجرى واحداً)(31). ومثلهما روايات هشام(32) وعبد الرحمن(33) وسماعة(34) ومحمد بن قيس(35) وغيرها. ولذا يكون نوعهما كالدقيق أيضاً كذلك. وفي رواية سماعة: (وسألته عن الحنطة والدقيق؟ فقال (ع): إذا كانا سواء فلا بأس)(36). وحيث قد تقدّم الفرق بين تغيير الصورة عرفاً كالدقيق والحنطة حيث فيه الربا، وتغيير الحقيقة بالاستحالة كالرماد والحطب، حيث لا ربا فيه، لم يكن من الوحدة ما كان كذلك هنا، كما في سائر الموارد، فإنه يعدّ المختلفان فيها جنسين، ولذا فلو جعل أحدهما بالصناعة دواءاً ممّا لم يسمّ بذلك، بل كان حقيقة أخرى، يدخله لم يدله الربا، كما لا يدخله بالنسبة إلى ذات أحدهما أو فرعه المتغيّر صورته والآخر المتغيّر حقيقته. |
|
هل أصل الحنطة والشعير واحد؟ |
|
ثم لا يخفى: إنّ رواية مجيء جبرئيل لآدم بالحنطة، فما زرعها هو صارت حنطة، وما زرعتها حوّاء صارت شعيراً(37)، ليس بمستبعد، إذ أول الأشياء كان بتكوين اللّه تعالى ابتداءً أو تسبيباً، ولا يرتبط بمقامنا في شيء. أمّا السؤال عن انّه لماذا هما جنس واحد مع انّهما جنسان في الاسم والظاهر والأثر والقيمة وغير ذلك؟ فالجواب: لعلّه من جهة انّهما طعام الناس غالباً، فأراد الشارع استواءهما لتوحيد الناس من حيث الطعام، فإنّ التسوية من حيثه نوع منها، كما انّه كذلك في التمر على ما عرفت في الرواية وإن حملناه سابقاً على الكراهة، لكنّه مؤيّد على كلّ حال، أمّا الواقع فلا يعلمه إلاّ اللّه سبحانه وأولياؤه(ع) . وعلى أيّ حال: فحيث كان الفرع غير المستحيل يتبع الأصل ـ كما تقدّم ـ فالدقيق والعجين، والخبز والكعك، والشعرية والمعكروني على أقسامها، وما أشبه ذلك من المشتقّات تابعة للأصل. نعم، المخلوط كالسويق بالسكر ونحوه لا بأس، كما هو كذلك في الخلّ والمخلّلات، والرُّب المخلوط بالماء والمربيات، وأقسام المعلّبات إلى غيرها، لأنّهما إن كانا كذلك فماء كلّ منهما ونحوه يقع في قبال الزائد، وإن كان أحدهما خالصاً فزائده يقع في قبال الخليط. نعم، إذا كان الزائد ما فيه الخليط كان ربا حيث إنّ جوهره بَلْه الخليط أزيد من طرفه الآخر. |
|
المفاضلة في المكيل والموزون |
|
ثمّ إنّه قد ظهر ممّا تقدّم: عدم جواز المفاضلة في المكيل والموزون، والجواز في غيرهما، فإن بيع شيء في مكان مكيلاً وفي آخر موزوناً، فالظاهر: عدم الجواز، لاستفادة العرف ذلك، حيث يرى انّ العلّة: الكيل والوزن، لا خصوصية أحدهما، كما في عكسه إذا كان يباع في مكان جزافاً وفي آخر عدداً كان جائزاً، لأنّه ليسا من المكيل والموزون الخارج من إطلاق الأدلّة. ويؤيّد المكيل بالموزون: جملة من الروايات الواردة في الدقيق والحنطة ونحوهما(38)، والغالب انّ الأوّل موزون والثاني مكيل، كروايات ابن مسلم(39) وزرارة (40) وأبي بصير(41). |
|
فروع |
|
ولا فرق في الجائز وغير الجائز بين أن تكون الغلبة باختيار الناس أو بإجبار الحاكم ونحوه، لتحقّق الموضوع. ولو كانا في وسيلة نقل عابرة كالسيّارات ونحوها، فمرّا على بلدين في أحدهما مكيل أو موزون، وفي الآخر لا، فالاعتبار بالحرمة والحلية بدول البلد أو مسامتته بما يعد انّه كذلك، بل حال الغواصة تحت الماء، والطائرة فوق الهواء كذلك، لما سبق من الإطلاق. ولو شكّا في المسامتة فالأصل عند عدم إمكان الفحص الحلية، لأنّها الأصل على ما عرفت. ولو قال أحدهما: كان السويق من الحنطة بمثله، وقال الآخر: بل بالأرز مثلاً، فمن يدّعي البطلان يحتاج إلى الدليل كما سبق مثله. ولو عمل صناعة ما أوجب كبر الشيء خارقاً أو صغره كذلك ممّا شكّ في صدق الاسم فالأصل الصحّة. كما هو الحال إذا ركّب مع غيره كما يتعارف الآن في كلا الأمرين، اللّهمّ إلا إذا لم يوجب التركيب سلب الاسم. وحيث قد عرفت: انّ الشيء وأصله ممّا يدخل فيه الربا، فخلّ العنب وخلّ التمر وشربتهما ومربياتهما وحلوائياتهما شيء واحد، وكذلك حال العنب والزبيب، والرطب والتمر، كذا ذكروا. لكن الخل خليط، وكذا المربّى غالباً، فمقتضى القاعدة: عدم دخول الربا فيهما كما سبق. أما الفروع بعضها مع بعض: فقد تقدّم الإشكال في إطلاق كلامهم وعدم وجود دليل كاف لذلك، فقولهم: بأنّ الجبن والأقط والزبد والسمن ونحوها شيء واحد محلّ إشكال بل منع. وإذا اختلف الأصل والفرع في المكيليّة ونحوها، والمعدوديّة ونحوها، فلكلّ ميزانه كالجوز المعدود، ودهنه الموزون، وهكذا. وحيث انّ الثمرة على الشجرة ليست موزونة فلا بأس بالزيادة فيها بخلاف ما إذا قطفت، وكذلك الأزهار والأوراد والأعشاب وما يُخرَط ونحوها.
|
|
1 ـ وسائل الشيعة: 12 / 456 ب 1 ح 1. 2 ـ البقرة: 275. 3 ـ النساء: 29. 4 ـ البقرة: 279. 5 ـ الروم: 39. 6 ـ وسائل الشيعة: 12 / 425 ب 1 ح 11. 7 ـ وسائل الشيعة: 12 / 447 ب 15 ح 1. 8 ـ وسائل الشيعة: 12 / 447 ب 15 ح 2. 9 ـ وسائل الشيعة: 12 / 447 ب 15 ح 3. 10 ـ وسائل الشيعة: 12 / 447 ب 15 ح 4. 11 ـ وسائل الشيعة: 12 / 447 ب 15 ح 4. 12 ـ راجع بحار الأنوار: 6 / 99 ب 23 ح 2. وفي الوسائل: 12 / 425 ب 1 ح 11: (وعلّة تحريم الربا بالنسيئة لعلّة ذهاب المعروف وتلف الأموال ورغبة الناس في الربح وتركهم القرض، والقرض صنائع المعروف ولما في ذلك من الفساد والظلم وفناء الأموال) . وفي الوسائل: 12 / 424 ب 1 ح 8: (لو كان الربا حلالاً لترك الناس التجارات وما يحتاجون إليه، فحرّم الله الربا لتنفر الناس من الحرام إلى الحلال وإلى التجارات مع البيع والشراء فيبقى ذلك بينهم في القرض) . 13 ـ راجع من لا يحضره الفقيه: 3 / 567 ب 2 ح 4937. 14 ـ وسائل الشيعة: 12 / 447 ب 15 ح 1. 15 ـ وسائل الشيعة: 12 / 441 ب 11 ح 1. 16 ـ الكافي: 5 / 244 ح 1. 17 ـ البقرة: 275. 18 ـ راجع وسائل الشيعة: 1 / 354 ب 3 ح 4. ووسائل الشيعة: 3 / 135 ب 17 ح 7. ووسائل الشيعة: 8 / 157 ب 2 ح 14. ووسائل الشيعة: 19 / 514 ب 2 ح 1. 19 ـ أي في باب الربا. 20 ـ وسائل الشيعة: 12 / 440ب 9 ح 1 ـ 2 ـ 3. 21 ـ وسائل الشيعة: 12 / 440 ب 9 ح5. 22 ـ وسائل الشيعة: 12 / 440 ب 9 ح 5. 23 ـ راجع وسائل الشيعة: 12 / 439 باب ان حكم الدقيق والسويق ونحوهما حكم ما يكونان منه. 24 ـ وسائل الشيعة: 12 / 440 ب 9 ح 6. 25 ـ وسائل الشيعة: 12 / 435 ب 6 ح 6. 26 ـ وسائل الشيعة: 12 / 435 ب 6 ح 6. 27 ـ وسائل الشيعة: 12 / 454 ب 19 ح 1. 28 ـ فتأمّل. 29 ـ وسيأتي الإشارة إليه. 30 ـ وسائل الشيعة: 12 / 439 ب 8 ح 5. 31 ـ وسائل الشيعة: 12/ 439 ب 8 ح 7. 32 ـ وسائل الشيعة: 12 / 439 ب 8 ح 1. 33 ـ وسائل الشيعة: 12 / 439 ب 8 ح 2. 34 ـ وسائل الشيعة: 12/ 439 ب 8 ح 6. 35 ـ وسائل الشيعة: 12 / 439 ب 8 ح 8. 36 ـ وسائل الشيعة: 12 / 439 ب 8 ح 6. 37 ـ راجع مستدرك الوسائل: 13 / 344 ب 17 ح 15558. 38 ـ راجع وسائل الشيعة: 12 / 440 ب 9 باب ان حكم الدقيق والسويق ونحوهما حكم ما يكونان منه. 39 ـ وسائل الشيعة: 12 / 440 ب 9 ح 2. 40 ـ وسائل الشيعة: 12 / 440 ب 9 ح 4. 41 ـ وسائل الشيعة: 12 / 441 ب 9 ح 6. |