| المؤلفات |
بيع اللحم بالحيوان الحيّ |
|
مسألة: يكره بيع لحم الحيوان بحيّه، كما ذهب إليه جماعة، خلافاً للمشهور الذين قالوا بالحرمة. والعمدة في أدلّتهم: ما عن الصادق (ع): (من أنّ عليّاً (ع) كره بيع اللّحم بالحيوان)(1) بضميمة ما في رواية اُخرى: (لم يكن علي (ع) يكره الحلال)(2) . وفيه ما تقدّم: من ضعف الكليّة المذكورة، فإنّ منتهى الأمر حمله على الكراهة، كما حملوا على الكراهة ما في صحيح ابن مسلم عن الصادق (ع): (عن الثوبين الرديّين بالثوب المرتفع، والبعير بالبعيرين، والدابّة بالدابّتين؟ فقال: كره ذلك علي (ع)، الحديث)(3). أمّا الإستدلال بالإجماع المدّعى، المقطوع عدمه لذهاب جماعة إلى عدمها، أو بالنبويّ: (نهى النبيّ (ص) عن بيع اللحم بالحيوان) المشكوك أو الضعيف جدّاً سنده، فلا يخفى ما فيهما. وربما احتمل انّ مراده (ص) ـ على تقديره ـ: النهي عمّا تعارف في زمانه (ص): من إعطاء حيوان للقصّاب وأخذ اللّحم منه تدريجاً، فإنّه جهالة وغرر، فلا ربط له بالمقام. نعم، لو صحّ السند كان ذلك الحمل خلاف إطلاق دليله، إلا إذا كان بحيث يصلح أن يكون قرينة صارفة ممّا لا قوّة له. والكراهة إنّما هي في اتّحاد الحيوان واللحم، وإلا لم تكن كراهة أيضاً ـ إذ انّ نهيه (ص) من باب الربا بقرينة الباب ـ وإلا كان إطلاق اللفظ يشمل الجنس وغير الجنس. وهل يشمل بيعـه برؤوس، أو أكبــاد الحيــوان، أو ما أشبــه ذلـك، أم لا؟ احتمال. |
|
التفاضل في الجافّ والرطب |
|
مسألة: ما له جاف ورطب، كالرطب والعنب وسائر الفواكه والبقول والخبز واللحم وما أشبه، يجوز بيع جافه ورطبه كلّ بمثله(4) بلا تفاضل، للإطلاقات، ولا يجوز مع التفاضل، لإطلاق أدلّة الربا، من غير فرق بين تساوي القيم أو اختلافها، بزيادة الرطب أو اليابس. كما لا يجوز بيع جافه برطبه بالتفاضل في هذا أو ذاك لإطلاق أدلّة الربا. أما مِثلاً بمثل فقد اختلفوا فيه: من: القول بالعدم لاستلزامه الربا لأنّ اليابس أكثر من الرطب. و: الجواز مع الكراهة لأنّ المعيار الحال لا المآل، وإلا فكثير من الأشياء تختلف مآلاً وإن تساوت حالاً. و: التفصيل بين الرطب والتمر فلا يجوز، وغيرهما فيجوز لبعض النصوص. و: التفصيل فيما عدا الرطب والتمر بين الرطوبة الذاتية فيجوز، والعرضيّة فلا يجوز. |
|
منشأ اختلاف الأقوال |
|
وهذا الاختلاف في الاعتدال(5) ناش من بعض الأمور الاعتبارية، والأخبار، حيث دلّت طائفة على الجواز، مثل: موثق سماعة عن الصادق (ع) (عن العنب بالزبيب؟ قال: لا يصلح إلا مثلاً بمثل، قال: والتمر والرطب بالرطب مثلاً بمثل)(6). وأخرى على المنع مثل: ما عن الحلبي عنه (ع): (لا يصلح التمر اليابس بالرطب، من أجل أنّ التمر يابس والرطب رطب فإذا يبس نقص)(7). ومثله النبوي(8)، ومحمد بن قيس(9)، وابن سرحان(10). لكن الأقوى: الموثقة، للجمع العرفي بالكراهة، المؤيّد بعمومات الكتاب والسنّة. وللقرائن الداخلية في روايات المنع، مثل: (لا يصلح) في رواية داود(11) و (كره) في رواية ابن قيس(12). ولعدم اطراد التعليل في حرمة الربا للمقام. ولرواية: أبي الربيع، قال: (قلت لأبي عبد الله (ع): ما ترى في التمر والبسر الأحمر مثلاً بمثل؟ قال: لا بأس، قلت: فالبختج والعنب مثلاً بمثل؟ قال: لا بأس)(13). ولرواية الكافي ـ على ما في الجواهر ـ: (قلت: والتمر والزبيب؟ قال: مثلاً بمثل(14)، إذا قلنا بأنّ المراد: التمر والزبيب بالرطب والعنب، لا أن أحدهما بالآخر، إذ لا يشترط التساوي فيهما لعدم المماثلة. |
|
لزوم التساوي |
|
وعلى أيّ حال: فقد علم بذلك لزوم التساوي بين الجيّد والرديء، ومختلف القيم، والصحيح والمعيب، والمعيبين المختلفين عيباً، وذلك على ما تقدّم الكلام فيه في تمر المدينة وتمر خيبر. وإن كان مقتضى الأصل الأوّلي: اعتبار القيم في كلّ ذلك، حيث انّ القيمــة هــي الــروح العــام الــذي بمـلاحظتهــا ترتفــع وتنخـفـض الأسعار. ولو فرض ان قلنا في مورد النص بالمنع استثناءً، كان مقتضى الاقتصاد العقلائي: عدم القول به في غيره، وإن كان المشهور فهموا الكلّي من الموارد الخاصّة. وحيث قد عرفت اعتبار شرطي: اتّحاد الجنس العرفي ـ لا المنطقي ـ والمكيل والموزون في الربا المعاملي، وانه يتبع عرف كلّ زمان ومكان، فإن أرادوا تغيير العرف في أحدهما للتخلّص من الربا، فبدلوا بالمواطاة أحدهما إلى العدّ، أو المشاهدة، أو ما أشبه، حتّى صار متعارفاً، تبدّل الحكم، كما انّهم لو عكسوا انعكس. ولو كان عرف عام وعرف خاص ـ كأطباء في العقاقير ـ مختلفين فلكلّ عرف منهما حكمه، على إشكال. |
|
هل يختص الربا المعاملي بالبيع؟ |
|
مسألة: مقتضى الصناعة: اختصاص الربا المعاملي بخصوص البيع فقط، كما ذهب إليه أيضاً جماعة من الفقهاء، خلافاً للمشهور الذين قالوا: انّه يعمّ جميع المعاوضات، واستدلّوا لذلك بأمور: بالقطع بوجود المناط. وفيه: انه لا ينفع إلا قاطعيه. وبجريان حكمة المنصوصة في متعدّد النصوص، مثل تعطيل المعاش، وهدم التجارة(15)، وزوال اصطناع المعروف(16). وفيه: انّ الحكمة لا اطّراد لها ولا انعكاس فيها، ولو أخذ بها لتغيّر وجه جملة من الفقه، مضافاً إلى عدم تعارف تلك المعاملات، بخلاف البيع والقرض، وعليه: ففي كلّ من الكبرى والصغرى نظر. وبإطلاق الآية والرواية، فإنّ: (حرّم الربا)(17) لم يخصّصه بالبيع، كما انّ أمثال: (الفضّة بالفضّة مثلاً بمثل، ليس فيها زيادة ولا نقصان، الزائد والمستزيد في النار)(18) إلى غيرها من الروايات يشمل سائر المعاوضات. وفيه: انهما منصرفان إلى البيع بقرينة: (أحلّ اللّه البيع وحرّم الربا)(19) والروايات مثل: (صحيح) هشام بن سالم (عن الرجل يبيع الرجل الطعام، الحديث)(20). ومحمد بن قيس: (لا تبيعوا درهمين بدرهم)(21) . وحسين بن زيد: (نهى عن بيع الذهب بالذهب)(22). وهشام بن سالم: (سئل عن الرجل يبيع الرجل الطعام)(23). والحلبي: (لا يباع مختومان من شعير بمختوم، وعن الرجل يشتري الحنطة)(24). والحلبي: (من طعام مختلف إلى قوله: فلا بأس ببيعه مثلين بمثل)(25). وعلي بن جعفر: (عن رجل اشترى سمناً)(26). وبأصالة الفساد فيما لم يثبت صحّته. وفيه: انّه لا مجال له بعد وجود الدليل. وعليه: فاللازم التمسّك بإطلاق أدلّة المعاوضات آية ورواية مثل: (تجارة عن تراض)(27) فيما صدقت عليه، فلا بأس به في الهبة والهدية والعطية والصلح والإبراء ووفاء الدين والتهاتر بقدر المثلين وابراء الزائد والمبادلة المطلقة ممّا ليست بيعاً، ولذا ليس فيها خيار المجلس والحيوان كما أشرنا إليه في باب البيع، وقد قال في (العروة) تبعاً لغيره: فإنّها معاملة مستقلّة غير البيع، وليس فيها الخياران والغرامات والقسمة وبيع الدين بأقلّ منه. |
|
تعميم الربا لكلّ المعاوضات |
|
نعم، لا شكّ في انّ الاحتياط اتباع المشهور، فإنّه سبيل النجاة، مؤيّداً بما دلّ على انّ الربا كدبيب النمل في هذه الأمة، لكن مع ذلك ليس الاحتياط في جميعها بقوّة واحدة، مثلاً: الإبراء بشرطه، والهبة بشرطها ـ فكيف ما إذا كان بداعيها ـ ممّا ينصرف عنهما دليل الإبراء أيّ انصراف؟ فكيف بما إذا كان أحدهما أو نحوهما بالداعي لا الشرط؟ وقد عرفت ممّا تقدّم: كل الأقسام الممكنة في الزيادة، من الجزء أو القيد أو الشرط، أو كانت واقعة بدون أيّ منها بزعم التماثل، مع علمهما بوحدة الجنس أو عدم علمهما بذلك، وأنها قد تكون في مقابل شيء خارج عن حقيقة المعاوضة، كأن يجعل الزائد في قبال ذهاب الطرف لزيارة الإمام الحسين (ع)، أو داخل ليس عيناً مثل الجودة، أو ليس في مقابل شيء بل يعطيه مجاناً، كما في نزول الميزان الموجب للزيادة، وقد لا تكون خارجية بل اعتبارية مثل البيع لمن يأتي مجلسه، وقد تكون معاملة في قبال أخرى بالداعي أو الشرط أو القيد، وفي كلّ ذلك قد يكون الروح العام مساوياً أو أزيد في الناقص أو في الزائد، إلى غير ذلك من الوجوه المقصودة، مثل كونها في مقابل الأجل، أو اختلاف المكان. هذا ويأتي تفصيل مسألة الجهل، الشامل للمركّب والشكّ والظنّ والوهم إن شاء اللّه تعالى. |
|
المرابي إذا كان جاهلاً |
|
مسألة: الجاهل بالربا حكماً أو موضوعاً، قصوراً أو تقصيراً ـ وقد ارتكبه ـ لاشيء عليه وضعاً ولا تكليفاً في القصور، وعليه العقاب في التقصير إذا كان في الحكم، وكذلك في الموضوع عندنا، حيث نرى وجوب الفحص خصوصاً في مثل هذا الباب حيث: (ارتطم في الربا)(28) ممّا يشمل الموضوع ولو بالملاك. وإن اختلفوا في ذلك في انه: هل يجب ردّه لأنّ حاله حال العلم؟ أو لا يجب لصحّة المعاملة مع الجهل؟ ـ كما اختاره الحدائق ـ أو تعبّداً من جهة كونه معذوراً حاله؟ أو يفصّل بين كونه موجوداً معروفاً فيجب ردّه، وبين كونه تالفاً، أو موجوداً مختلطاً بماله فإنّه غير معروف فلا. وفي (العروة) احتمل التفصيل: بين الجاهل بأصل الحكم والجاهل بالخصوصيات، أو بين الحكم والموضوع. |
|
الاستدلال على إعذار الجاهل |
|
والدليل على ما ذكرنا: الكتاب العزيز: (فله ما سلف)(29). والمستفيض أو المتواتر من الروايات المفسّرة للآية وغيرها، مثل: (صحيحة محمد بن مسلم عن الباقر (ع) دخل عليه رجل من أهل خراسان قد عمل بالربا حتّى كثر ماله، ثم انه سأل الفقهاء فقالوا: ليس يقبل منك شيء إلا أن ترده إلى أصحابه، فجاء إلى أبي جعفر (ع) فقصّ عليه قصّته، فقال له أبو جعفر (ع): مخرجك من كتاب اللّه عز وجل: (فمن جاءه موعظة من ربّه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى اللّه)(30) والموعظة: التوبة)(31). وفي صـحيـــحة هشام: (عن الصادق (ع) عن الرجل يـــأكل الربا وهو يــــرى انّه حلال؟ قال (ع): لا يضره حتّى يصيبه متعمّداً)(32). إلى غيرهما من الروايات المستفيضة أو المتواترة كما لا يخفى على من راجع الوسائل والمستدرك. فإنّ إطلاقها شامل للجاهل بأقسامه، ووجود المال وعدمه، فناءاً أو استحالة أو نقلاً، من غير فرق بين كون طرفه عالماً أو لا، وبين كون المال عيناً أو مختلطاً أو ممتزجاً استهلاكاً أو لا، وبين كون الربا في المعاملة أو القرض، خصوصاً من مثل قوله (ع) في صحيح الحلبي: (كلّ ربا)(33). نعم، لا يشمل ما إذا انتقل إليه ببيع أو صلح أو هبة أو مهر أو نحوها وكان حراماً للمنتقل منه، لأنّه من أكل المال بالباطل، والأدلّة لا تشمله. وكذلك حال ما إذا ورثه معيّناً معروف الأهل، كما دلّ عليه صحيحا الحلبي عن الصادق (ع)، وخبر الشامي، حيث قال (ع): (إن كنت تعلم بأنّ فيه مالاً معزولاً مــعروفاً رباً وتعـــرف أهله فخذ رأس مــالك وردّ ما ســـوى ذلك، وإن كان مختلطاً فكله هنيئاً)(34). |
|
إشكال وجواب |
|
لا يقال: إن تمّ ذلك فيما إذا جهلا، فكيف يتمّ فيما إذا علم أحد المتعاملين بالربا وجهله صاحبه كما ذكرتم، إذ المعاملة لا تكون صحيحة فهي باطلة؟ لأنّه يقال: لا مانع، حيث انّ الحلية تعبّدية من المالك الحقيقي وإن كانت المعاملة باطلة ـ كما احتمله العروة وغيرها ـ حاله حال (جوائز السلطان)(35). وممّا تقدّم ظهر: انّه أولى بالحلية ما إذا كان مورّثه يراها اجتهاداً أو تقليداً، وهو يرى عكس ذلك ـ وكذلك حال العكس إذا لم يكن محذور آخر ـ أو انه كان يرى الحلية بأحدهما ثم رأى العكس كذلك. هذا بالإضافة إلى ما ذكرناه في (الأصول) وغيره: بأنّ الواقعة الواحدة لا تتحمل اجتهادين، في بعض صور ما ذكرناه. وكأنّه أشار إلى ذلك (العروة) بقوله: (لا يجب) ردّه وإن كان موجوداً، لأنّ فتوى مقلّده كان حكماً شرعيّاً في حقّه) . |
|
المناقشات في أخبار الحلّ وجوابها |
|
ثم إنّه قد تبيّن ممّا تقدّم: انّ المناقشات في أخبار الحل ـ بأنها مضطربة المتن، أو انّ المراد منها نفي العقاب، أو انّها منافية لما ورد من التشديد في أمر الربا، أو انها توجب تجرّي الناس على الربا، أو انها معارضة لصحيح الحلبي عن الصادق (ع): (انّ رسول اللّه (ص) قد وضع ما مضى من الربا وحرم عليهم ما بقي، فمن جهل وسع له جهله حتى يعرفه، فإذا عرف تحريمه حرم عليه ووجب عليه فيه العقوبة إذا ركبه كما يجب على من يأكل الربا)(36). فإنّ: (حرم عليه) يشمل ما نحن فيه، أو انّ الآية والأخبار محمولة على أول الإسلام وحلية ما اخذ في زمان الجاهلية، أو حمل أخبار الإرث على صورة عدم العلم بوجود الربا في تركة الميّت، أو على اباحة الإمام (ع) للسائل لكونه من مجهول المالك، أو على الشبهة غير المحصورة، أو انّها معارضة لقوله تعالى: (وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم)(37) ممّا معناه: انّ الزائد ليس لكم، أو انّ روايات تفسير الآية غير معلوم المراد، حيث فسّرت الموعظة بالتوبة، مع أنّ الظاهر منها ورود النهي فلا يمكن الأخذ بها ـ غير ظاهرة الوجه. إذ لا اضطراب إطلاقاً. وإرادة نفي العقاب خلاف الظاهر، بل شبه الصريح. والتشديد فيما لم يكن ترخيصاً إنّما هو كترخيص المتعة بعد التشديد في أمر الزنا، وترخيص ربا الوالد والولد بعد التشديد فيه. والتقييد بصورة الجهل لا يوجب تجرّياً، فهل يقال بمثل ذلك في: (رفع ما لا يعلمون) وقد عرفت: انّ المقصّر معاقب؟ وليس بين الصحيح وروايات الجواز معارضة التباين، بل يجمع بينهما بالحمل على الاستحباب ونحوه، لصراحة الأخبار المجوّزة. والحمل على أوّل الإسلام مع ورود جملة منها عن الإمام الصادق (ع) وغيره لا وجه له. وأخبار الإرث صريحة في علمه بوجوده. وكونه حكماً ولائياً خلاف الأصل. كما أنّ الشبهة محصورة بلا إشكال. والتفسير إنّما هو بملاحظة انّ العلم بورود النهي سبب للتوبة، فهو من إطلاق المسبّب على السبب. |
|
الربا والأصل عند الشك فيه |
|
مسألة: قد تقدّم: انّه لو شكّ في حلية البيع وحرمته من جهة الشك في وحدة الجنس وتعدّده، والمكيلية وعدمها، أو غير ذلك من الشك بين الربا وغيره، كان الأصل: الحلية وضعاً وتكليفاً. وقد ذهب بعض إلى العدم، لأنّ التمسّك حينئذ: إما بالعمومات والإطلاقات، وذلك لا يجوز، لأنّه من التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية. وإمّا بأصالة الحلّ والإباحة، وذلك غير تام، لأنه محكوم بأصالة عدم النقل والانتقال. مضافاً إلى قوله (ع): (إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم)(38) فاللازم الإحراز للموضوع حتّى يترتّب الحكم كما هو كذلك في كلّ الأحكام. |
|
الإيراد على الأدلّة |
|
ويرد على الأوّل: ان المخصّص المنفصل المردّد بين الأقلّ والأكثر يؤخذ فيه بالأقل، وفي غيره يعمل بالمستثنى منه لأنّه حجّة، ولم يعلم الخروج منه إلا بقدر الأقلّ، فلماذا لا يعمل غيره به؟ وفي ما نحن فيه بعد علمنا بخروج كذا لا نعلم خروج غيره ممّا هو محلّ الشك ـ فرضاً ـ لا من باب تدخيل العلم في الدليل حتّى يقال: الأحكام (إلا ما شذّ) مترتّبة على الواقعيات لا العلميات، بل من باب انّ الدليل شمل هذا المشكوك ولم نعلم بخروجه، فالعمل فيه بالاستثناء عمل بغير علم ولا دليل. وعلى الثاني: انّ الشك في النقل والانتقال مسبّبي، فيقدّم عليه الأصل السببي، الذي هو الشكّ في الحرمة، فلا مجال للأصل فيه بعد جريان أصالة الحلّ وضعاً وتكليفاً، ولا دليل في المقام يسقط السببي، حتّى تصل النوبة إلى المسبّبي، كما ذكروا ذلك عند الشك في حيوان بأنّه محلّل أو محرّم، وإن كان لنا فيه كلام أيضاً. وعلى الثالث: انّ الأصل عدم الاختلاف، وبذلك ينقح الموضوع، إذ هو فيما كان في أحدهما مزيّة ليست في الآخر، فالشكّ فيها يوجب إجراء أصالة العدم ولو العدم الأزلي، بالإضافة إلى انه معارض بقوله (ع): (لا يصلح مثلين بمثل إذا كان من جنس واحد)(39) ولدى التعارض يتساقطان ويكون المرجع: الأصل. أما الجواب عن ذلك: بأنّ اختلاف الجنس ذكر طريقاً لعدم إحراز المماثلة، فكلّما لم يتحقّق فيه ذلك تحقّق فيه الاختلاف المجوّز للبيع، فمنقوض بالعكس، كما هو الشأن في كلّ مكان ذكر عنواناً يصلح كون كل واحد منهما طريقاً إلى الآخر. |
|
الشك في علم المرابي وعمده |
|
ولو شك في انه كان يرابي عالماً عامداً أو لا، حتّى يكون أثره عيناً أو ديناً، وصحّة أو انهداماً للمعاملات المترتّبة عليه، فالأصل: عدم الربا الحاكم على أصل النقل والانتقال، مضافاً إلى أصالة الصحّة. ولو علم بأنه رابى عالماً عامداً، لكن شكّ في أنّ ذلك كان وقت كفره حتّى يحل له الآن للجبّ(40)، أو وقت إسلامه حتّى لا يحل له، فقد يقال: بإجراء استصحاب الكفر. لكن فيه أوّلاً: انّه منقوض بأصالة الإسلام فيمن كان مسلماً فكفر. وثانياً: انّه مثبت فلا مجرى له. لكن الظاهر: انّه لا مانع من إجراء أصالة الصحّة والحلّ وما أشبه. |
|
الشك في طرف المرابي |
|
ومنه يعلم: حال ما إذا شكّ في طرف المرابي وانه كان مع زوجته أو ولده حتّى يحلّ، أو غيرهما حتّى يحرم. لا يقال: مقتضى القاعدة الحرمة، حاله حال الشك في القرشية المذكور في باب العادة(41)، حيث ادّعى جمع من الفقهاء: جريان أصالة عدم القرشية، فاليأس في الخمسين. لأنّه يقال: فرق بين المقامين، إذ هناك الشك في النسب يقتضي عدم النسب ولو بالأصل العقلائي، وهنا ليس كذلك، بل الشكّ في الحلية والحرمة والصحّة والفساد، والأصل فيهما مع الأولين. أما إذا شكّ في انه رابى أم لا؟ فالأمر أوضح. ولو شكّ في انّ طرفه كان مسلماً حتّى يحرم رباه، أو كافراً حتّى يحلّ، فاللازم هنا الرجوع إلى بلد الإسلام والكفر حتّى يكون الأصل في الأول: الإسلام، وفي الثاني: الكفر، فإذا لم يجر ذلك للاختلاط وما أشبه فالأصل الحلية، لأنّه من مصاديق لزوم التمسّك بالعام لا المخصّص. وهكذا حال ما إذا شكّ في انه أخذ الربا أم لا. |
|
إذا علم بالربا وتردّدت خصوصياته |
|
وإذا علم بأخذه الربا المحرّم وتردّد بين المتباينين ولم يمكن التراضي والتصالح، فاللازم: اجراء قاعدة العدل(42). وإذا تردّد بين الأقلّ والأكثر فالأصل يقتضي انه الأقل. وإن كان التردّد بينهما بنوع آخر، كما إذا لم يعلم انه في الحنطة أو في العدس، فإذا كان في الأول فهو منّ، وإذا كان في الثاني فهو منّان، فهل يجري الأصل في الزائد عن المنّ حتّى يكون كالمتباينين المتساويين أو لا؟ لا يبعد الثاني. فهو كما إذا نذر في أن يصوم أول رجب أو أول شعبان، فإذا كان أول الأول كان يوماً، أو أول الثاني كان يومان، فإنه لا يجري الأصل بالنسبة إلى اليوم الثاني حتّى يجب عليه يوم ويوم فقط، إذ في المتباينين يلزم العمل بحيث يعلم بالبراءة في أيّ منهما، ولا يحصل ذلك حسب الفرض. |
|
الربا بين الشبهة الموضوعيّة والحكميّة |
|
ثم لا يخفى: انّ الشبهة إذا كانت موضوعيّة حقّ للعامي اجراء الأصل، أما إذا كانت حكمية فلا يحقّ له ذلك، لأنّها بحاجة إلى الفحص في الأدلّة المتعذّرة عليه، وفي الشبهة الموضوعية إنما يحق له فيما إذا فحص، كما ذكرنا ذلك في هذا الكتاب وغيره(43)، وكونها لا يحتاج إليه كما اشتهر في ألسنة بعض المحقّقين محلّ إشكال. ولذا نرى المشهور يقولون به في باب التيمّم، والقبلة، والستر، والصلاة إذا لم يعلم هل يضرّه القيام أم لا، ولم يكن خوف ضرر؟ والصوم والزكاة والحج والخمس، أصلاً وقدراً وخصوصية، وهل انه مكلّف بالتمتّع(44) أو غيره، وعن أوّل الشهر وآخره والفجر للصلاة والصيام، والنكاح بالنسبة إلى محرّماته النسبيّة والرضاعيّة والكفر وغيرها، إلى غير ذلك من عشرات الموارد. ولذا قال في العروة جلده الثاني: (العمل بأصل العدم من دون الفحص يوجب الوقوع في خلاف الواقع غالباً، وتمسّكهم بأصل العدم في الموضوعات من غير فحص في خصوص الشبهات التحريميّة، وعلى فرض الإطلاق حتّى في الوجوبية، إنما لا يجب الفحص إذا لم يوجب تركه الوقوع في خلاف الواقع غالباً) . انتهى.
|
|
1 ـ وسائل الشيعة: 12 / 441 ب 11 ح 1. 2 ـ وسائل الشيعة: 12 / 447 ب 15 ح 1. 3 ـ وسائل الشيعة: 12 / 449 ب 16 ح 7. 4 ـ الظاهر ان المراد الجاف بالجاف والرطب بالرطب. 5 ـ الظاهر ان المراد هو التماثل. 6 ـ الكافي: 5 / 190 ح 1. 7 ـ وسائل الشيعة: 12 / 445 ب 14 ح 1. 8 ـ دعائم الإسلام: 2 / 43 ح 100 ط بيروت. 9 ـ وسائل الشيعة: 12 / 445 ب 14 ح 2. 10 ـ وسائل الشيعة: 12 / 446 ب 14 ح 6. 11 ـ وسائل الشيعة: 12 / 446 ب 14 ح 7. 12 ـ وسائل الشيعة: 12 / 445 ب 14 ح 2. 13 ـ وسائل الشيعة: 12 / 446 ب 14 ح 5. 14 ـ الكافي: 5 / 190 ح 16. 15 ـ راجع وسائل الشيعة: 12 / 424 ب 1 ح 8. 16 ـ راجع وسائل الشيعة: 12 / 424 ب 1 ح 9. 17 ـ البقرة: 275. 18 ـ وسائل الشيعة: 12 / 456 ب 1 ح 1. 19 ـ البقرة: 275. 20 ـ وسائل الشيعة: 12 / 438 ب 8 ح 1. 21 ـ وسائل الشيعة: 12 /457 ب 1 ح 4. 22 ـ وسائل الشيعة: 12 / 457 ب 1 ح 5. 23 ـ وسائل الشيعة: 12 /438 ب 8 ح 1. 24 ـ وسائل الشيعة: 12 / 438 ب 8 ح 4. 25 ـ وسائل الشيعة: 12 / 442 ب ح 13 ح 2. 26 ـ بحار الأنوار: 100 / 118 ب 5 ح 19. 27 ـ النساء: 29. 28 ـ وسائل الشيعة: 12 / 283 ب 1 ح 2. 29 ـ البقرة: 275. 30 ـ البقرة: 375. 31 ـ وسائل الشيعة: 12 / 432 ب 5. 32 ـ وسائل الشيعة: 12 / 430 ب 5 ح 1. 33 ـ وسائل الشيعة: 431 ب 5 ح 2. 34 ـ الكافي: 5 / 145 ح 5. 35 ـ راجع موسوعة الفقه، كتاب المكاسب المحرّمة ج 2 ص 161. 36 ـ وسائل الشيعة: 12 / 431 ب 5 ح 3. 37 ـ البقرة: 279. 38 ـ مستدرك الوسائل: 13 / 241 ب 12 ح 15547. 39 ـ وسائل الشيعة: 12 / 448 ب 16 ح 3. 40 ـ حول قانون (الجبّ) راجع موسوعة الفقه، كتاب القواعد الفقهيّة، للإمام المؤلف دام ظله. 41 ـ راجع موسوعة الفقه، كتاب الطهارة. 42 ـ راجع موسوعة الفقه، كتاب القواعد الفقهية. 43 ـ راجع كتاب (الأصول) و (الوصائل إلى الرسائل) للإمام المؤلّف. 44 ـ أي: حجّ التمتّع. |