الفهرس

فهرس الفصل الثالث

المؤلفات

الاقتصاد

الصفحة الرئيسية

 

أقسام النقد والربا فيها

مسألة: النقد على ثلاثة أقسام:

1 ـ مسكوك.

2 ـ واوراق.

3 ـ وثالث مثل: الصك وأوراق القرضة وأوراق الدوران.

المسكوك

أما الأول: وهو المسكوك، كالنقود الذهبية والفضّية والنحاسية والنيكلية، فقد يكون لا قيمة للسكة وقد يكون لها قيمة، فما لا قيمة لها بين خالص وغير خالص.

فالخالص: فيه الربا إن كان العدد طريقها إلى الوزن، وإلاّ فلا، لعدم الربا في المعدود، من غير فرق في الطريق وعدمه بين أن يقابل بالوزن في البيع، كالليرة الذهبية تقابل بالذهب غير السكة، أو تقابل بالسكة أيضاً، سواء كانت السكتان متساويتين أم لا، كسكة كبيرة وصغيرتين، إلى غير ذلك.ذ

هذا في الخالص.

وأما غير الخالص: فإن تقابلا فلا بأس ـ على ما تقدّم: في مسألة الضميمة ـ وإن كان الخالص يقابل غير الخالص، فاللازم أن يكون معدن الخالص أكثر من معدن غير الخالص، وإلا لزم الربا، ولا يهمّ أن يكون للسكة ـ في الخالصين: أحدهما سكة، والآخر معدن غير سكة ـ قيمة أم لا، كما لا يهمّ في لزوم الربا مع التفاضل، وعدمه مع التساوي أن يكون للسكّة قيمة أو لا، إذ السكة كالوصف وبنائهم انه لا اعتبار به في لزوم الربا، وحينئذ فذهب غير مصاغ وآخر مصاغ سكة إذا تساويا لا بأس، وإلاّ ففيه البأس، سواء كان هذا أكثر أم ذاك.

الأوراق النقدية

وأما الثاني: وهو الأوراق النقدية، ويعبر عنه أحياناً بـ: (العملة)(1). فليس بحوالة، وإن كان حوالة كان اللازم أن يكون له مقابل في المالية، حتى انه إذا احترق كان لمالكه أن يرجع إلى المحيل، ولكنه ليس كذلك، بل له اعتبار حسب قرار المعتبر المعترف بقراره عند العقلاء، فليس فيه الربا(2)، لأنه ليس من المكيل والموزون، ولذا جاز التقابل بينهما بالتفاضل، كما يتعارف من صرف ذي الفئة الكبيرة بذي الفئات الصغيرة ـ فيما إذا كان عقلائياً ـ لاحتياج الأول إلى الثاني أو عكسه، مع الزيادة في أحدهما على الآخر.

الصكوك والحوالات

وأما الثالث: وهو مثل الصكّ والحوالة وأوراق القرضة والدوران، فلا اشكال في الحوالة والصكّ، ولا قيمة لهما بالذات، فإذا فقدتا كان من حق المحال مراجعة المحيل لأخذ بدلهما، لكن للمحيل الإمتناع إذا كان هناك سارق سرقهما من المحال عليه مع احتمال سحب مقابلهما من المال، ولا يكون في هذه الأوراق ربا(3)، ولذا جاز بيع الدين في الصك ـ مثلاً ـ بأقل منه أو بأكثر، كما يكون أحياناً داعي عقلائي في الإشتراء بالأكثر، وفساد المال كما في النصّ(4) حكمة، كما تقدّم، فلا يقال: أيّ فرق بين الأوراق والذهب والفضّة؟

فرع

وهل يصح بيع الأوراق الاعتبارية من الصكوك التي لا رصيد في مقابلها ـ وتسمّى بالمجاملية ـ بالأقل أو الأكثر؟ احتمالان:

من انه لا شيء في مقابلها فلا.

ومن انه اعتبار والاعتبار له مالية عقلائية فنعم.

ولعلّ مقتضى الصناعة هو: الثاني.

السفتجة

وفي عرض الصك ما يصطلح عليه بـ (السفتج) وهي أوراق رسمية تصدّرها البنوك وتعطيها ـ بدون رصيد ـ إلى من له اعتبار عندها، وهذا الحائز عليها يتعامل بتلك الأوراق ـ كأنه مال ـ فإذا لم يتمكّن من أداء قيمتها للبنوك المصدّرة لها، كان للبنك حق تقديم الشكوى عليه وأن يتّخذ من قبل القضاء اجراءاً ضدّه: من سجن، أو عرض أثاثه بقدر مديونيته للبيع، إلى غير ذلك.

فعن السكوني عن أبي عبد الله (ع): (لا بأس بأن يأخذ الرجل الدراهم بمكّة ويكتب لهم سفاتج أن يعطوها بالكوفة)(5).

وفي هذه الأوراق أيضاً لا ربا، كما لا ربا بينها وبين أوراق الحوالة والصك، لما عرفت(6).

أوراق القرضة والدوران

أما أوراق القرضة: فهي عبارة عن اقتراض الدولة من الناس، أما تبرّعاً، أو في مقابل إعطاء امتيازات لهم، وهي في حكم القرض ـ كما سيأتي ـ والربا فيها هو الربا فيه.

وأما أوراق الدوران:فهي مالية تضمن الدولة إعطاء بدلها ـ وليست حوالة ـ منتهى الأمر: ان الدولة تطبعها بلا رصيد، بخلاف الأوراق النقدية، والربا لا يدخلها أيضاً لما عرفت.

ثم إنك قد عرفت: انّ المفاضلة الكمّية في البيع غير جائزة في الجنس الواحد المكيل ونحوه، والكيفيّة جائزة كالجيّد والرديء.

أما المفاضلة الزمانية والمكانية، كما إذا كان سرعة تداول مثقال من الذهب يُحدث ثمناً في بلد ضعف بلد آخر، أو في زمان كذلك، مما يوجب مضاعفة القيمة، كما قرّر في علم الاقتصاد، حيث ان سرعة المداولة كلما كانت أكثر كانت القيمة أكثر، والعكس بالعكس، فهل هي كالكمّية فيمنع، أو كالكيفيّة فيجاز؟

مقتضى الأدلّة: الثاني، إلا أن يقال: إنّ أدلة الربا مطلقة والخارج منها منصرف عن هذه الصورة، فاللازم: التمسّك بالإطلاق، ويكون الاعتبار حينئذ بالقيمة لا الحجم، فيلزم تساويهما، وإلاّ كان ربا وإن تساوى الحجم، إلاّ إن ظاهر الأدلة ـ من تساوي الجيد والرديء مع اختلافهما قيمة ـ لا يدع مجالاً لذلك.

المستثنى من الربا الحرام

مسألة: لا يحرم الربا معاملياً وقرضياً بين الوالد والولد، ذكوراً واُناثاً، أباً أو جدّاً، وهكذا كلما ارتفع أو تنزّل، وذلك لإطلاق النصوص الآتية.

وكذلك لا يحرم بين الزوج وزوجته، والمولى وعبده، لتوار النصوص والإجماعات المستفيضة أو المتواترة، كرواية زرارة ومحمد بن مسلم عن الباقر(ع): (ليس بين الرجل وولده، ولا بينه وبين عبده ولا بينه وبين أهله ربا، إنّما الربا فيما بينك وبين ما لاتملك، الحديث)(7).

وفي رواية أخرى عن الصادق (ع): (ولا بين المرأة وزوجها)(8).

وفي الرضوي (ع): (ولا بين الزوج والمرأة)(9) إلى غيرها من الروايات.

ولا يستبعد أن يكون الأمر شاملاً للاُم والولد، وإن لم يقل به المشهور، للرواية الأولى، حيث إن التعليل فيها يشملهما، فإن الولد موهوب لكل من الأب والأم، قال سبحانه: (يهب لمن يشاء)(10).

شمول الولد للذكر والأنثى

و(الولد) يشمل الذكر والأنثى والخنثى، كما أن الأب يشمل الخنثى إذا أولد، سواء كان ذكراً أم مركّباً منهما، كما اتّفق في زمان علي (ع) حيث كانت زوجاً وزوجةً في حالٍ واحدٍ.

ولا يشمل الولد الرضاعي، لانصرافه إلى النسبي، وإن احتمله بعضهم باعتبار أنه لُحْمَة كلحمة النسب، وله كل أحكامه كالمحرمية وحرمة النكاح.

وفيه: انه لا يعرف وجه لكل الأحكام، ولذا لا يقال بوجوب النفقة، وإن للرضاعي أبوين وأمين، وإنّه يرث، إلى غير ذلك، والعمدة: الانصراف.

والولد يشمل الحلال والشبهة لأنه ولد، بل والزنا لأنه ولد لغةً وشرعاً وعرفاً وحقيقةً، إلا في ما أستثني كالإرث.

وكذلك الحال فيمن أخذ محارمه ثم أسلم كالمجوسي.

وكذا حال ولد الإنبوب.

ومنه يعرف: إنّه لو أخذ مائهما فاختلطا في الخارج كان ولدهما وإن لم يكن توارث في بعض الصور، كما إذا خلط بعد موت الأبوين وارث الورثة، فإنه وإن كان ولداً لهما إلاّ إنّه يشك في التوارث لانصراف الأدلة، ولا فرق بين ولد يرث أو لا يرث.

شمول الزوجة للدائم والمنقطع

والزوجة تشمل الدائمة والمنقطعة، كما أنّ الظاهر: شمول الأمة لأنها زوجة ويشملها التعليل، أما المحلّلة فمستبعد وإن كان يطلق عليها الزوجة أحياناً.

فروع

ولو زعم إنّه أحدهم فأخذ الربا وكان في الواقع خلاف زعمه، لم يحرم لأنه من الجهل بالموضوع الذي تقدّم إنّه لا يضرّ.

وفي كل ذلك يجوز الأخذ والعطاء.

وإذا اعترف أحدهما: بأنه ولد، أو والد، أو زوجة، أو زوج، فإن علم الآخر خلافه فلا إشكال، والعلمي كالعلم، وإن لم يعلم خلافه لم يستبعد الكفاية أيضاً، لجريان أصل الصحّة وما أشبه.

الانفصال بالطلاق

ولو طلق العامي زوجته بالباطل عندنا، ثمّ رجع ـ قبل أن تتزوّج أو يتزوّج هو بالأخت ونحوها ـ حق له ذلك لأنهما زوجان من كل الجهات.

لا يقال: إن انفصلت بالطلاق لم يحق له الرجوع، وإن لم تنفصل لم يحق لها الزواج بغيره، ولا له الزواج بأختها والخامسة وما أشبه.

لأنه يقال: دليل الإلزام يقول بقبول الإنفصال، ولذا يحق لها الزواج من غيره كما في النصوص(11).

لكن حيث إن الدليل القائل: بأن كل الناس محكومون بحكم الواقع، يشملهما، فله حق الرجوع، خرج منه ما إذا منع الشارع عن الرجوع لزواجها بغيره أو زواجه بالأخت ونحوها، حيث يجوز لهما ذلك، ففي المسألة تفصيل، لا إطلاق من أحد الجانبين.

في المشكوك الأبوة أو البنوة

وفي المشكوك أيهما أبوه سواء كانا حلالاً كالشبهتين أو الأب والشبهة، أم حراماً كالزنائين، أم مختلفاً كشبهة و زنا أو أب و زنا يكون الحكم حسب: (الولد للفراش)(12) أو القرعة، فإن أحدهما يعيّن الأب.

وإن قلنا بالأم كما لم نستبعده فالأم هي المخلوقة من مائها كما في الانبوب، فلو ساحقت الأم فإن كان النطفة منها فقط كما في اليائسة كانت الثانية، أو منهما فالأولى، وإن شك فالقرعة.

ولو كان أحدهما يعترف دون الآخر فلكلّ حكمه.

ولو كان الولد حراماً واقعاً حلالاً في مذهبه، كما عند العامة حيث مدّة الحمل سنتين أو أكثر، فلا إشكال فيما إذا كان دليل الإلزام، أما إذا لم يكن، بأن استبصرا، فالظاهر: جريان الحكم أيضاً بالنسبة إلى الإرث والمحرميّة والربا وغيرها، لأنّ الإسلام والإيمان يجبان، وقد ذكرنا في: (جبّ الإسلام)(13) انه يشمل الأحكام الوضعية، كما أنّ هناك رواية تقول: بجب الإيمان(14) وقد ذكرناها في الفقه.

ويؤيّده: فعل علي (ع) حيث لم يرد عنه أنه هدم ما كان قبله، ولو كان لبان.

ولو لم يعلم أيّها زوجته أو ولده وهكذا؟ فإن كان هناك مُعيّن، فهو، وإلا لم يصح، للعلم الإجمالي.

القطع بالربا الطولي

ثم إنه قد قرّر في (الأصول) البحث في قطعه بالربا الطولي وإنّه هل يحرم أم لا؟ لكن لا يبعد أن يكون طريق الطاعة العقلائية على المنع، فلا فرق بين الطولي والعرضي، والإستدلال لذلك: بأن العقلاء يجتنبون محتملات السم الطولية قطعاً، ففيه: إنّّه لا يكفي، إلاّ بعد إسقاط أدلّة البراءة في المقام كإسقاطها في العرضي.

وكذلك إذا علم بأنه أو وكيله يرابي ـ في العرضي ـ فيجب عليه الاجتناب.

وليس ما نحن فيه مثل ثوب واجدي المني، للإرتباط فيما نحن فيه دون المثال، بل هو كما إذا علم بأنه أو وكيله باع الميتة أو الخنزير، حيث مع العلم الإجمالي لامجال لدليل الجهل في الربا، فإنه منصرف إلى مطلق الجهل لا التفصيلي.

أخذ الربا من الكافر

أما الكافر فلا إشكال في صحّة أخذ الربا منه، لقول النبي(ص): (ليس بيننا وبين أهل حربنا ربا، نأخذ منهم ألف ألف درهم بدرهم، ونأخذ منهم ولا نعطيهم)(15) المعمول به بل المجمع عليه.

وهل يشمل الجواز كل أقسام الكفّار حتّى الذمّي والمحايد والمعاهد، كما ذهب إليه بعض، أو ذلك خاص بالحربي كما عن المشهور؟ واحتاط السيّد في العروة في عدم الأخذ من الذمّي، لكن في روايتين دلالة على الجواز:

فعن الصادق (ع): (ليس بين المسلم وبين الذمّي ربا)(16).

وفي الرضوي (ع): (ولا بين المسلم والذمّي)(17).

أمّا رواية زرارة ومحمد بن مسلم عن الباقر (ع): (إنما الربا فيما بينك وبين ما لا تملك، قلت: فالمشركون بيني وبينهم ربا؟ قال (ع): نعم، قلت: فإنهم مماليك؟ قال: نعم، وإنك لست تملكهم إنما تملكهم مع غيرك، أنت وغيرك فيهم سواء، فالذي بينك وبينهم ليس من ذلك، لأن عبدك ليس مثل عبدك وعبد غيرك)(18) فاللازم أن يحمل على بعض المحامل، وإلا فهو بظاهره ينافي الروايات السابقة، إلاّ أن يحمل على نوع من التنزيه.

وعلى أيّ حال: فاللازم القول بالجواز مطلقاً، أما للأدلة الخاصة، وأما لقاعدة الإلزام، بل وكذلك حال العامي المبيع له في بعض الفروع، فإنه تشمله القاعدة.

وحيث لا تشملنا القاعدة فليـس كذلك حال مختلفـي التقليـد أو الاجتهاد.

والطوائف المحكوم بكفرها وكذلك الفطري لهم ذلك الحكم، اللّهمّ إلاّ أن يقال بالانصراف، ومع الشك فالاحتياط متعيّن.

الربا والمحكومين بحكم الإسلام

أما المحكوم بحكم الإسلام كمجنونهم وصغيرهم، فلا إشكال في أنّهم كذلك وإن أجرى المعاملة الولي، والاعتبار بالمولّى عليه والموكّل، لا الولي والوكيل في كلا الأمرين.

فروع

وإذا لم يعلم انه مسلم أو كافر، فإن كان هناك دليل على أحدهما كبلد الإسلام والكفر حكم به، وإلا كالبلد المختلط فاللازم الاحتياط، إذ الربا محرم إلا ما خرج، ولا يعلم إنّه مما خرج.

لا يقال: إنّه من التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية.

لأنه يقال: ما نحن فيه من الشك في زيادة المخصّص مفهوماً أو مصداقاً، فيلزم التمسّك بالعام، بل لو تمسّك بالمخصّص كان من التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية.

والوالد وطفله الصغير يجوز له أخذ الربا منه وإعطاءه له، إذا كانت مصلحة أو لم تكن مفسدة على الاختلاف، وقد ذكرنا تفصيله في مباحث البيع(19).

ولو لم يجز الزواج في دينهم، كالثانية عند من يحرّمونها، ثم أسلما، لم يحتج إلى عقد جديد، لأن الجواز حكم واقعي للجميع، ولذا جاز المرابات بينهما.

ومنه يعلم: حال ما إذا قلنا بعدم المرابات بين الوالد والولد عن الزنا ـ كما قال به جماعة ـ وكان عندهما زنا ثم أسلما بما ليس في نظر الإسلام زنا، كان لهما حكم الوالد والولد.

وما لو كان عندهم الحمل أكثر من سنة فأسلما أو تشيّعا، فالظاهر: أن الإسلام والإيمان يجبّ عما قبله، فهو ولده وله كل أحكامه ـ كما ألمعنا إليه ـ وإن كان في المسألة إشكال، لاحتمال جريان أصل الصحّة إلاّ فيما علم، فلا يترتّب أحكام الولد: من الإرث والمحرمية وما أشبه.

والدعي ليس بولد قطعاً فليس له حكمه.

هل يدخل الربا في التقسيم؟

مسألة: الربا لا يدخل في القسمة، لأنّه تمييز الحق أو تعيينه ـ على اصطلاح العروة ـ وقد عرفت: إنّ أدلّة الربا خاصة بالبيع، فإذا كانا شريكين في حنطتين أما لبيع أو للإرث أو ما أشبه، وكانتا متساويتين قدراً، مختلفتين كيفاً أو زماناً أو مكاناً ـ على ما تقدّم البحث في الزمان والمكان ـ جاز لهما التقسيم حسب القواعد الأولية: من النسبة بالنصف والثلث وغيرهما في كلتيهما، وجاز لهما التقسيم بما يستلزم الربا لو كان بيعاً، كأن يأخذ أحدهما من الجيّد أقل مما يأخذه الآخر من الرديء.

كراهة التفاضل مطلقاً

مسألة: يكره التفاضل مطلقاً حتّى في غير المكيل والموزون، بل عن المفيد وابن الجنيد وسلار (قدس سرهم): عدم الجواز، لما في صحيح ابن مسلم عن أبي عبد الله (ع): (عن الثوبين الرديئين بالثوب المرتفع، والبعير بالبعيرين، والدابّة بالدابتين؟ فقال: كره ذلك علي (ع) فنحن نكرهه، إلاّ أن يختلف الصنفان، قال: وسألته عن الإبل والبقر والغنم أو أحدهن في هذا الباب؟ قال: نعم نكرهه)(20).

وصحيح ابن مسكان: (سئل الصادق (ع) عن الرجل يقول: عارضني بفرسي وفرسك وأزيدك؟ قال: لا يصلح، ولكن يقول: إعطني فرسك بكذا وكذا، وأعطيك فرسي بكذا وكذا)(21).

لكن هاتين محمولتان على الكراهة بقرينة الروايات المتقدّمة، بل قال جمع: يمكن حمل الصحيحين المذكورين على الكراهة أيضاً، فلا خلاف.

وقوله (ع): (إلاّ أن يختلف الصنفان) يوجب سحب الكراهة إلى سائر الحيوانات والأمتعة والأراضي والأشجار وغير ذلك، من غير فرق بين استواء قيمة الجانبين، أو أكثرية أحدهما على الآخر.

نعم، لا كراهة في جنسين مع ضميمتين، أو أحدهما مع ضميمة في قبال اثنين في الجانب الآخر، إلى غير ذلك من مسائل التخلّص عن الربا.

الربا وبيع المورّث متاعه محاباة بالأقلّ

مسألة: لو باع المورّث متاعه في مرض الموت محاباة بأقلّ من القيمة، ففي صورتي: إجازة الورثة الزائد مطلقاً، وكون المحاباة بمقدار الثلث أو أقل لا كلام، وإنما وقع الكلام في ما كانت أكثر، فيما إذا كان البيع ممّا فيه الربا، على القول بأن منجزات المريض من الثلث، قالوا: فإنه يستلزم الربا، فإذا باع محاباة ما يساوي ستّة بثلاثة أو بإثنتين، لزم ردّ الزائد، وهو: سدس الكر الجيّد من الحنطة أو ثلثه، لوجوب كون خمسة أسداس أو أربعة منه في مقابل تمام الكرّ، لكنهم صحّحوه: بأنه بيع وهبة.

وأشكل عليهم العروة: بأن الأمر ليس بيعاً وهبةً ولا يلزم الربا، وما ذكره هو مقتضى القاعدة، بالإضافة إلى ما قرّرناه في (الفقه)(22): من صحّة تمام تصرفات المريض، لأن (المرء أحقّ بماله مادام فيه الروح) كما في النص(23) .

ثم إنّ الاعتبار بالربا حال البيع ـ كما تقدّم ـ في مثل المكيل يتحوّل معدوداً أو بالعكس، وعليه: فلو تغيّر بالزيادة أو النقيصة بعد ذلك لم يضر، فإذا باع منّاً من الحنطة بمثلها، ثم نمت إحداهما أو ذبلت بما أوجب أن يكون منّاً في قبال منٍ ونصف، أو نصف منٍّ في قبال منٍّ، لم يضر، إذ المنصرف من الأدلة ذلك.

ثم لو لم يعلم حال البيع بالتساوي وعدمه، ولم يتمكّن من الفحص، صحّ البيع وإن ظهر بعد ذلك غير متساوٍ، لما تقدّم: من أنّ الجهل موضوعاً أو حكماً يُوجب الصحّة.

وأمّا إذا تمكّن منه، فهل يلزم كما نراه من لزوم الفحص في الموضوعات إلاّ ما خرج، أو لا يلزم كما يراه جماعة من محقّقي المتأخّرين؟

الظاهر: الأول، كما إذا لم يعلم هل أنّ الثلثين يساوي خمسة أسباع أو أربعة أسباع، مع أنّه تمكّن من استخراج ذلك بالتجنيس، أو أنّ ثلث الربع يساوي نصف السدس أم لا؟

ومقدار الفحص هنا هو مقداره في ما ذكروه من الأحكام، إذ كلاهما طريق إلى الإطاعة، فالدليل فيهما واحد.

معيار التفاوت بين الجنسين

مسألة: ما لا يعدّ عرفاً تفاوتاً ـ وإن كان في الحقيقة كذلك ـ لا بأس به، سواء في المكيل أم الموزون، ومن الواضح: أنّه يختلف ذلك حسب العرف، ففي الذهب يعتبر حتى مقدار وزن حبّة الشعير ونصف الشعير، أما في الحنطة فربما لا يعتبر حتى لو كان منّاً أو نصف منّ، فيما كان المقدار زائداً كعشرات الأوساق، وبه يتبيّن الفرق أيضاً بين قليل الحنطة وكثيرها.

ويدل عليه: كون الخطاب إلى العرف، خصوصاً في الزمان السابق، الذي كان الكيل بمكائيل تختلف عادةً من حيث الحجم طولاً وعرضاً وعمقاً، تفاوتاً متسامحاً فيه، وكذلك في الوزن حيث كانت الأحجار الموضوعة للوزن تختلف في الجملة.

من غير فرق في ذلك بين أمثال عقد التبن، وتراب الحنطة، وظروف المايعات كالقِرَبْ والأكياس وغيرها، وفي الجواهر: لا خلاف أجده بيننا، وكذلك حال التفاوت من حيث الرطوبة المتعارفة قلّة وكثرة، ومن حيث اليبوسة أيضاً.

بيع الأوراق النقدية بعضها ببعض

مسألة: ثم إنّه لا إشكال في بيع الأوراق النقدية بعضها ببعض من جنس واحد، ولا في العين أو الذمّة أو بالاختلاف، متساوياً أو متفاضلاً، إذا لم يكن محذور خارجيّ.

ولم يعرف وجه قول بعض المعاصرين: لكن إذا لم تكن المعاملة شخصية لابدّ في صحّة المعاملة من إمتياز الثمن عن المثمن، كبيع الدينار العراقي في الذمّة بالدينار الكويتي أو بالريال الإيراني ـ مثلاً ـ ولا يجوز بيع الدينار العراقي بمثله في الذمّة.

وأضعف منه قول شارحه: بأن الثابت منه في الذمّة قبل البيع وبعده شيء واحد، وليس إلا مجرّد اللفظ، كيف وله اعتبار عقلائي وتعارف كثير، فأدلّة البيع شاملة له.

ومنه يعرف: حال مثل الصلح والهبة ونحوها إذا فرض القبض بعد ذلك، بل لم نستبعد في (الفقه) صحّة مثل ذلك في الوقف(24)، فأيّ دليل غير التعارف في وقف الأعيان الخارجية؟ فيصح وقف الكلّي في الذمّة ثم يطبّق في الخارج، كما ذكروا في وقف بعض المشاع أو الكلي في المعين، وذكرنا وقف الروح العام القابل للتحوّل والتبدّل.

وحيث بنينا في (الفقه)(25) قبول قول ذي اليد مطلقاً لبناء العقلاء ـ وله شواهد من الشرع مما يدل على أنّه ليس فقط لم يردع عنه، بل يؤيّده أيضاً ـ يقبل قول أحدهما: انه ليس من الربوي، أو من المكيل والموزون، أو ليس الخليط زائداً حتّى يوجب الربا، إلى غير ذلك إذا لم يعرف طرفه كذبه، كما إذا ورد مدينة لم يعلم موازينها، إلى غير ذلك، فإذا تبيّن له بعد ذلك إشتباهه حلّ له، لما تقدّم: من أنّه من الجهالة المحلّلة.

والاعتبار في الربا وعدمه بحال البيع، فإذا باع متماثلاً ثم أسقط أحدهما بعض حقّه تصالحاً أو غيره لم يضر، كما أنّ عكسه ضارّ لانصراف الأدلّة إلى ما ذكر.

ولو اختلفا في أن التنزيل أو الترفيع كان أصلاً أو صلحاً، فمدّعي الثاني يحتاج إلى الدليل، لأصالة عدمه، وهو سببي بالنسبة إلى أصالة الصحّة في موردها.

الربا فيما يجوز بيعه لقاعدة الإلزام

ثم إن المحرّمات المكيلة والموزونة هي أيضاً مما يأتي فيها الربا إذا كان بيعها جائزاً لقاعدة الإلزام، كما كان السيّد الحكيم (قدّس سره) يفتي بجواز بيع محرّمات الذبيحة والأسماك المحرمة لمن يستحلّها، وكذلك بالنسبة إلى المحرّمات القطعية عند المسلمين المحلّلة عند الكفّار ـ باستثناء الخمر والخنزير ـ فيما إذا لم يكن هناك قاعدة إلزام بالتحريم مما هو محرم عندنا إلاّ جواز أخذ الربا من الكافر، يأتي فيها الربا أيضاً.

وكذلك حال ما إذا كان المحرّم أولاً وبالذات، محللاً ثانياً وبالعرض، ويأتي عكسه في عكسه.

ومنه يعلم: حال ما إذا بيعا ممّن يستحلّ في الميتة المشتبهة بالمذكّى.

ولو كان اجتهاده أو تقليده الحلّية ثم تبدّل إلى الحرمة والجنس باقٍ، لا يستبعد شمول (لا تتحمّل اجتهادين) له، أما عكسه فالحلية أوضح، لأنه يراه الآن حلالاً، ولا دليل على أن اجتهاده السابق يؤثّر في التحريم، كما ألمعنا إلى الفرق بين المقامين فيما سبق.

المعيار في كيفيّة ردّ الربا

مسألة: لا كلام في أن من أكل مال الناس بالربا حراماً وجب عليه الرد عليهم بلا إشكال، وإنما الكلام في أن الواجب هل هو: الردّ حسب القوّة الشرائية، أو حسب الحجم؟

الذي يظهر من الفقهاء في باب الغصب وغيره: اعتبار الحجم، لكن لعل ذلك كان بسبب عدم تعارف هذا الصعود والهبوط الفاحشين في هذا الزمان بالنسبة إلى الأثمان والبضائع، وإلاّ فمقتضى القاعدة: القوّة الشرائية العقلائية، ولم يغيّرها الشارع، وملاحظة ذلك لا في باب الغصب والربا فحسب بل في كل الأبواب من المهر والدَّين والقرض وغيرها.

ولا يعدّ ذلك من الربا في ما نحن فيه عرفاً وإن كان بنظر الحجم يعدّ منه، فإذا أراد ـ مثلاً ـ شراء دار لسكناه بألف، حيث القوّة الشرائية لها ذلك، فاستقرضه شخص إلى مدّة سنة، وقال المقرض: إني أنصرف فعلاً عن شراء الدار لقضاء حاجتك، لكني أريد قيمة نفس هذه الدار بعد سنة، وحينذاك لو هبطت قيمة النقد وإرتفعت قيمة الدار إلى الضعف، فإذا ردّ عليه المقترض ألفين، فهل يعدّ ذلك من الربا؟

من المعلوم: أنه ليس كذلك، إذ ضعف اليوم هو نصف السابق، فإنّ النقد دلال، وإنما المحتاج إليه البضائع والأهداف كالزواج والسفر وما أشبه ذلك، فيحسب المحتاج إليه من المأكل والمشرب والمسكن والمركب ونحوها ويؤخذ منها قيمة متوسّطة وينسب إليها القيمة.

ففي زمان الرُخص المحتاج إليه مائة ـ مثلاً ـ وفي زمان الغلاء ثلاثمائة، فإن الثاني هو الأول مع اختلاف الاسم، ولذا ترتفع الأجور والخدمات والأثمان وما أشبه ذلك حجماً حسب ارتفاع الأشياء، وتنخفض حسب انخفاضها.

التنظير لما ذكرناه

وعليه: فحال هذا الذي ذكرناه هنا، حال ذلك الذي ذكروه في باب الوقف والثلث والنذر والوصية وما أشبه، حيث لا يجمد على النص وإنّما على الأهداف، حتى وإن لم تكن تخطر ببال هؤلاء حين النص، فإذا وقف ـ مثلاً ـ بستاناً للإنارة في المسجد في وقت لم يكن الكهرباء، أو نص على إنارته بالشمع، صرفت الأجرة إلى الكهرباء لا الشمع، حين نسخ الثاني ورواج الأول.

لكن لم أجد من قال بذلك، وإن كان الاقتصاد الكلّي في الحال الحاضر مبنياً عليه حتى في مثل الإجارة، فإذا إتّفق مقاول في شركة ـ مثلاً ـ مع الدولة أو نحوها على بناء مطار بمليون دينار، حيث كانت الأجرة للعمّال وقيمة الحاجيات يساوي حينئذ ذلك مع ربح معقول للشركة، ثم ارتفعت الأثمان والأجور إلى الضعف بما أوجب خسارة الشركة خسارة كبيرة، فإن القانون الاقتصادي في العالم يقول بحقها في ترفيع الثمن، وفي الحقيقة إنها لم ترفع الثمن إلاّ حجماً، وإلاّ فالواقع نفس الواقع.

وعليه: ففي عكسه وهو التنزّل، ينعكس الأمر، فإذا هبطت الأثمان والأجور وصارت إلى النصف، فإنه يقول الاقتصاد العالمي بالتنصيف، وهذا أيضاً ليس نصفاً إلا حجماً، وإلا فالموازين نفس تلك الموازين.

ومما يؤيّد كون العقلاء يرون مقدار حوائجهم لا مقدار حجم النقد: ان مهر ابنته الأولى لو كان ألفاً وارتفع ما يجهّزها به أخذ لابنته الثانية ألفين، أو تنزّل أخذ لها خمسمائة، وكل يحتج على الآخر بأنه لا يريد، أو لا يهيّئ إلا الحوائج المماثلة لجهاز ابنته الأولى مثلاً.

وحيث لم أرَ من قال بذلك من الفقهاء فلابدّ من الصلح، وإن كان يستشمّ من كلامهم ذلك في الأبواب الأربعة السابقة.

بقي أمران

وهنا بقي أمران لهما بعض المساس بالمسألة وإن كان لكل موضعه:

الأمر الأول:

إنه ليس من الربا الزيادة لأجل أجور العمل محلاً وعاملاً وأدوات، كالقلم والورق والكهرباء -مثلاً- بحيث لا يزيد أحد الطرفين من المبيعين على الآخر، وإنما تكون الزيادة لتلك الأمور، كما هو كذلك في الربا القرضي أيضاً، حسب ما اعتيد في صناديق قرض الحسنة، فإنه عبارة عن إعطاء المحتاج منها شيئاً لتسهيل مهمّته بحيث لا يسر الآخر، ومنزلته كمنزلة أجرة السيارة التي توصل المحتاج إلى المحل المحتاج إليه.

الأمر الثاني:

إن الارتفاع والانخفاض بسبب اختلاف الأزمنة ليس مرتبطاً بالربا، كما هو كذلك بالنسبة إلى الأمكنة، فإذا كان النقد في إيران ـ مثلاً ـ ضعف النقد في العراق، أو بالعكس، فإن إعطاء ألف في أحدهما ليأخذ ضعفه أو نصفه في الآخر، ليس إلا أخذه نقده هناك، لما عرفت: من ان الأثمان دلال، من غير فرق بين الذهب والفضّة أو الأوراق المالية.

نعم، فيما نص الشارع على العدم غير معتبر ذلك ـ كما تقدّم في الرديء والجيّد ـ فلا محيد عن الإتباع، فهو خروج عن القانون الاقتصادي بالنص، ولا يقاس به غيره مما بقي على الأصل العقلائي، بدون تغيير الشارع له.

وهكذا في البضائع، فإذا كان ثمن القلم ـ مثلاً ـ في أحدهما ضعف ثمن القلم في الآخر، أو نصفه، حق له أن يعطي قلماً هنا زماناً أو مكاناً، ويأخذ قلمين في الآخر زماناً أو مكاناً، أو يعطي قلمين هنا ليأخذ قلماً هناك ـ هذا في غير الربوي كما تقدّم ـ.

ومن الواضح: ان ذلك ليس من فروق التجارة أو فروق الحمل والنقل، كما فصلناه في محل آخر.

ومنه يعلم: ان الأمين لو لم يبدل النقد الذي بيده إلى ما يوجب عدم خسارته، كان من التفريط الموجب للضمان، فإذا كان الدينار العراقي في الكويت ـ مثلاً ـ مظنة الهبوط، وكان بيد الأمين في الكويت ألف دينار بما لو لم يبدله إلى الكويتي في مدّة شهر أوجب النزول إلى النصف، فإنه إذا لم يفعله ضمن، لكن في الصعود لا يلزم حيث إن الأمين ليس مكلّفاً بالاستثمار وإنما بالحفظ.

 

1 ـ أو الاسكناس بالفارسية.

2 ـ أي المعاملي لا القرضي كما هو واضح.

3 ـ أي المعاملي، أما القرضي فيكون فيه الربا.

4 ـ وسائل الشيعة: 12 / 425 ب 1 ح 11.

5 ـ وسائل الشيعة: 12 / 481 ب 14 ح 3.

6 ـ كلّه في الربا المعاملي لا القرضي.

7 ـ راجع وسائل الشيعة: 12 / 436 ب 7 ح 3.

8 ـ وسائل الشيعة: 12 / 437 ب 7 ح 5.

9 ـ مستدرك الوسائل: 13 / 339 ب 7 ح 15536.

10 ـ الشورى: الآية 49.

11 ـ راجع موسوعة الفقه، كتاب النكاح وكتاب الطلاق.

12 ـ وسائل الشيعة: 13 / 316 ب 15 ح 14.

13 ـ راجع موسوعة الفقه، كتاب القواعد الفقهية.

14 ـ راجع بحار الأنوار: 81 / 316 ب 18 ح1.

15 ـ وسائل الشيعة: 12 / 437 ب ح 3.

16 ـ وسائل الشيعة: 12 / 437 ب 7 ح 5.

17 ـ مستدرك الوسائل: 13 / 339 ب 7 ح 15536.

18 ـ وسائل الشيعة: 12 / 436 ب 7 ح 3.

19 ـ راجع موسوعة الفقه، كتاب البيع، الجزء الرابع، فصل في ولاية الأب والجد.

20 ـ وسائل الشيعة: 12 / 449 ب 16 ح 7.

21 ـ وسائل الشيعة: 12 / 453 ب 7 ح 16.

22 ـ راجع موسوعة الفقه، ج 61 كتاب الوصيّة.

23 ـ راجع الكافي: 7 / 7 ح 2.

24 ـ راجع موسوعة الفقه ج 60 كتاب الوقوف والصدقات.

25 ـ راجع موسوعة الفقه، كتاب القواعد الفقهية.