| المؤلفات |
|
من صور الشك والاختلاف |
|
مسألة: لو شك من جهة الصدق أو المصداق في انه صرف، فالمرجع إطلاق: (أوفوا)(1) ولو كان في صدق القبض مع العلم بالأولين، فالمرجع عدمه، كما هو الحال في كل شك في المستثنى منه، أو المستثنى. ولو اختلفا في انه قبض أو لا، أو في انه مما يحتاج إليه أو لا، فالأصل مع النافي. ولا يخفى: انه لا يجب القبض في المقام، إذ لم يتحقق البيع بعد حتى يلزم، فليس كسائر المعاملات المتحققة الواجبة الوفاء، ولو شك في انه من الأول أو الثاني، فالأصل مع الثاني، إذ الاحتياج إليه منفي بالأصل، حيث كان من حقه الإمتناع، كما في المقام. فالمنافع المضاربية الفائتة ليست مضمونة، إذ عدم القبض بحق، بخلاف ما إذا كان بباطل حيث أنها عليه. ومنه يعلم: حال ما له الخيار كالمجلس والحيوان والشرط، وحال ما إذا لم يسلم لأن طرفه لم يسلم، حيث قلنا: بوجوب اقتران التسليمين، ولا فرق فيما ذكر بين أن يكون أحد الطرفين مقوّماً كالبيع، أو غير مقوّم كالمهر، إذا لم تسلم نفسها، فإنه يحق له عدم تسليم المهر، كالعكس. ولو تسالما ثم ظهر عدم كون المتاع مصداقاً لما وقع البيع عليه، أو كلاهما كذلك، والمجلس باقٍ، حق القبض وإلا بطل، لأن المأخوذ غير المعامل عليه وهو غيره. ولو اختلفا في انه هو أو غيره، فالأول بحاجة إلى الدليل، إلا إذا كان بعد انقضاء المجلس، لأصالة الصحة. ولو اختلف رأيه في الاحتياج إلى القبض وعدمه وقد تعامل بدون القبض وشك في انه في أي الزمانين كان؟ فالأصل مع الصحة. ولو كان رأيه الاحتياج فتعامل بدونه ثم صار رأيه العدم، صح، لأنه يرى الآن الصحة، وهو مكلف برأيه الحالي، ولو كان العكس صح أيضاً، لأن الواقعة الواحدة لا تتحمل اجتهادين، فالصحة فيهما مستند إلى دليلين. ولو شك في أن المجلس باقٍ أم لا، فالأصل بقاؤه، والتضييق في المجلس لا يضر، وإنما التوسعة، كما ان اختلاف الوضع مع قدر المجلس لا يضر، لأن المنصرف من الأدلة ضرر التوسعة فقط. |
|
التقابض في الصرف ليس تكليفا |
|
ثم إنه لا يجب على المتعاملين بالصرف اقباض المبيع أو الثمن، حتى انه لا يجب عليه الإقباض لو أقبضه صاحبه، ولو قبضه بدون اختياره لم يكن قبضاً، فإن وجوب التقابض في المجلس شرطي لا تكليفي، كما هو المنساق من أدلة الشروط في المعاملات، وحيث لم يحصل التقابض لا يتحقق الملكية بالنسبة إلى غير القابض، فيما إذا لحقه قبض الآخر، وإلا فلا يتحقق البيع. وإذا تلف قبل القبض فهو من مال مالكه، كما هي القاعدة المطردة على ما حققناه في البيع. والنماء قبل القبض ـ لو فرض ـ لمن انتقل عنه لا إليه، لأنه ملكه بعد، أما ارتفاع القيمة قبله فإنه لمن انتقل إليه إذا حصل التسليم، وكذا الإنخفاض يكون عليه، لأنه بعد التسليم ملكه ولا دليل على انه على الآخر. ولو اختلفا في ان النماء هل كان قبل القبض أو بعده؟ فالأصل: عدم القبلية، لكنه معارض بأصالة عدم كونه ملكاً للمنتقل إليه، وهذا مقدم على ذاك لأنه مثبت. ثم إنه لو تقابضا بعض المبيع دون بعض صح فيما قبض لا غيره للقاعدتين، لكن إذا قبض من أحدهما أكثر كان الزائد باطلاً لأنه لا مقابل له، فاللازم هنا ملاحظة أمرين: الربا، والصرف. |
|
الصرف لو لم يلحظ موزونيته |
|
ثم لا يخفى: ان المسكوكات الذهبية والفضية والنحاسية والبرونزية وغيرها ـ في زماننا ـ إذا لم يلحظ فيها أصولها، لم يكن من الموزون، فصرف بعضها ببعض بزياد ونقيصة في الوزن لم يضر، وإنما يلزم ملاحظة شرط الصرف في الأولين(2). ولو فرض ان الملحوظ في الأولين أصولها، جاز التبادل فيهما بدون استلزام الربا في غير المتساويين بالضميمة ولو كانت المغشوشة فيهما، لأن إطلاق أدلّة الضميمة شاملة لما ذكرناه. |
|
التعامل بالعقود المغشوشة |
|
مسألة: النقود المغشوشة يجوز المعاملة عليها إن كانت رائجة بين الناس، سواء كان أصل الغش، وقدره وجنسه معلوماً، أم مجهولاً على المشهور، بل في الجواهر دعوى: عدم الخلاف، بل امكان تحصيل الإجماع عليه، للعمومات، وأصالة الحلية، والسيرة القطعية، والروايات الخاصة، مثل روايات عبد الرحمن(3) وحريز(4) وأبي العباس(5) وغيرها. وفي الأخير قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الدراهم المحمول عليها؟ فقال (عليه السلام): إذا انفقت ما يجوز بين أهل البلد فلا بأس، وإن أنفقت ما لا يجوز بين أهل البلد، فلا)(6). وبذلك يحمل حديث عمر بن يزيد: (إذا جازت الفضة المثلين فلا بأس)(7). وحديث معمر: (إذا كان الغالب عليها الفضة فلا بأس بإنفاقها)(8) فاللازم ان يحمل على عدم التعارف إلا لمثل ذلك، ولولا ما ذكرناه: من الجواز المطلق، لكان أمكن الجمع بين الطائفتين بحمل الأولى على الثانية. والرواج اعم من القطر أو البلد أو جماعة، للتعارف، وإطلاق الدليل. أما إذا لم تكن رائجة وعلم المشتري لها، أو البائع بها، الخصوصيات، فلا بأس، وإلا كان من تبعيض الصفقة، قال ابن مسلم: (قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الرجل يعمل الدراهم يحمل عليها النحاس أو غيره ثم يبيعها؟ قال: إذا يبين ذلك فلا بأس)(9). ومما تقدم ظهر: ان المراد من المصرفي الحديث: المثال، لا الخصوصية، فعن حريز قال: (كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فدخل عليه قوم من أهل سجستان، فسألوه عن الدراهم المحمول عليها؟ فقال (عليه السلام): لا بأس إذا كان جواز المصر)(10). ومنه ظهر: لزوم حمل رواية المفضل: (اكسرها، فانه لا يحل بيع هذا ولا إنفاقه)(11) على ما فقد الأمرين. |
|
صناعة النقود الورقية والمسكوكة |
|
ثم إنه لا إشكال في جواز صنع الإنسان النقد ذي القيمة بنفسه، كالذهب ونحوه، إذ لا دليل على الحرمة، إلا إذا كانت دولة شرعية عادلة تحت رعاية شورى المراجع تمنع عن ذلك، فالمنع بالعنوان الثانوي، وكذلك حال الأوراق النقدية فيها. أما في غيرها، فالمانع هو دليل (لا ضرر)(12) فان كان حرم، وإلا فلا. ويستثنى من ذلك: الدولة المحاربة للمسلمين ـ بموازين الجهاد المذكورة في كتابه(13) ـ إذ لا يضر ضررهم. وعلى ما ذكرناه: فانه إذا كان ممنوعاً من الدولة الشرعية العادلة أو فيه ضرر حرم، وإلاّ فلا. ولا يلزم في الضرر المحرم كونه معلوم الحال، بل يحرم وان لم يعلم من يتضرر، لإطلاق دليله، ويكفي في المنع: ما يوجب انخفاض الأسعار ولو بالقدر غير الملموس حسب قاعدة: (العرض والطلب). ومنه يعلم: الإشكال في الذهاب بالنقد ولو ذي القيمة إلى محل يوجب انخفاضها، أو الإخراج من محل يوجب ارتفاع القيمة ـ ولو لم يكن فيه تزوير أو غش ـ. |
المستثنيات |
|
ثم إنه يستثنى من عدم جواز التزوير والغش ما إذا كان هناك أهم ومهم، كما إذا وجب اسقاط دولة جائرة، وكان من طرقه تزوير أوراقها، فان التضرر وان حصل للناس غير الشركاء في الجرم، إلا أن الاسقاط أهم ـ فرضاً، لكن لا يكون ذلك إلا في أقصى حالات الضرورة ويلزم أن يكون ذلك بإذن الحاكم الشرعي(14). والتدويل السريع للنقد الموجب لزيادة قيمته، أو البطيء الموجب لنقصها ـ كما قرّر في علم الاقتصاد ـ لا يوجبان ضرراً محرماً وان أوجبا ضرراً، شبه ضرر الّبقال بفتح بقّال آخر محلاً أمامه، أو شبه ضرر الناس بغلق أحد البقالين محله حيث يسبب الغلاء لأجل قلة العرض وكثرة الطلب مثلاً، عكس الأول. |
|
لو اختلفا في الصرف |
|
ثم إنه لو اختلفا، فقال أحدهما: اعطيتني مغشوشاً، وقال الآخر: بل صحيحاً، لا يبعد احتياج الأول إلى الدليل لا صالة الصحة. وكذلك حال ما إذا قال أحدهما: اعطيتني ناقصاً، وقال الآخر: بل كاملاً ـ كما يتعارف في حزمات الأوراق ـ ولا يعارضه أصالة عدم اعطاء الكامل، لأن أصل الصحة حاكم على اصل الفساد. ولو انعكس، فقال أحدهما: اعطيتك زائداً، وقال الآخر: بل كاملاً، فإن مدعي الزيادة بحاجة إلى الإثبات، لان في قباله اصلان: الصحة، وعدم الزيادة. ومنه يعلم: حال ما إذا قال أحدهما: اعطيتك زائداً، وقال الآخر: بل ناقصاً، فان أصالة عدمهما توجب عدم طلب أحدهما من الآخر شيئاً. |
|
بيع النقود المسكوكة بمثلها |
|
مسألة: بيع الفضة، والذهب أحدهما بمثله إذا كانا مسكوكين بحيث خرجا عن الموزونية فلا ربا ـ لما تقدم ـ أما مع اعتبار الموزونية: فاللازم ملاحظة عدم الربا، ويمكن التخلص منه بإحدى الطرق المتقدمة أو غيرها، والتي منها: وجود الضميمة فيهما ان كانت. أما بيع سائر النقود المسكوكة فالظاهر: انه لا اعتبار للوزن فيها، بل هي من المعدود فلا ربا، وحينئذ فما عليه العرف: من تصريف الكبير بالصغار أو بالعكس، لا اشكال فيه وان زاد أحدهما على الآخر. أما الفضة بالذهب والعكس، والنقود بأحدهما أو بغير جنسه، فالأمر فيه أوضح، والغش إذا لم يكن مستهلكا من الضميمة. أما إذا كان موزونا وكان التعامل بين الخالصة والمغشوشة، فاللازم زيادة الأولى على الثانية لتقع تلك الزيادة في قبالها. وبذلك تبين: ان الذهب المسكوك، أو الفضة المسكوكة ـ والمفروض اعتبار الوزن فيهما ـ ان تساويا من جنس واحد، جاز، وان تفاضلا لم يجز، هذا فيما لا غش، وان كان غش فان كان في كليهما جاز مع التفاضل، وان كان في أحدهما جاز إذا كان طرف الخالص ازيد. ثم انه إذا حصل التبادل بين ذهب أو فضة، مسكوكاً أو غير مسكوك، مع اعتبار الوزن في الأول(15) وكانا متساويين كماً لا كيفاً، ولم يعلم أحدهما الذي حصل على الرديء انه رديء وقيمته انزل، لتفاوت الجوهر مما يتفاوت قيمتهما كان له خيار الغبن، وإنما لا خيار إذا علم ومع ذلك اقدم، وذلك لإطلاق دليل الخيار(16). كما انه إذا كان معيوباً عرفاً ـ وان لم يكن انزل قيمة ـ كان له خيار العيب. وإذا أعطى أحدهما الآخر ناقصاً ـ في المثل المسكوك من الفئة الكبار والصغار ـ مما لا ربا فيه، فإذا كان التبادل بهما ولم يكن غرر، لاحق لذي الناقص في شيء، وإذا كان غرر بطل، وان كان التبادل متساوياً مقيداً بطل، وان كان مشروطاً كان له خيار الشرط، وان كان من الأجزاء في مقابل الأجزاء كان له خيار تبعض الصفقة، إن لم يكن البيع على نحو الكلي والتسليم خطأً، وإلا كان له مطالبة الناقص، ولا خيار. |
|
من أحكام بيع الصرف |
|
مسألة: إذا اشترى فضة بفضة أو بذهب، أو ذهباً هكذا، فوجد أحد الطرفين كلاً أو بعضاً غير ما وقع عليه العقد. ففي الأول: يبطل، لان ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد. وفي الثاني: يبطل بالنسبة، وفي البقية خيار تبعض الصفقة. ولا حق للارش ولا للبدل فيهما، فانه حيث بطل البيع كلاً أو بعضاً أي وجه لأحد الأمرين؟. ثم إنه ليس الحكم المذكور خاصاً بهما، بل يأتي في كل جنس لما ذكر. ولو اشترى الجيد فظهر الرديء أو بالعكس، فإن كان البيع خاصاً بما اشتراه على وجه التقييد كان كذلك، وان كانت الجودة والرداءة من باب تعدد المطلوب، صح البيع وكان له خيار تخلف الوصف، وفي فقد الجودة الارش، لأنه التفاوت الذي يراه العقلاء ولم يعلم تغيير الشارع له، كما قالوا بمثل ذلك في غير موضع لكن اللازم ملاحظة عدم الربا المعاملي، والقبض الذي هو شرط الصرف فيما إذا كان البيع فيه. هذا كله في المعاملة الشخصية، أما إذا كان كل من الطرفين كلياً وبعد القبض وجد المقبوض كلاً أو بعضاً من غير الجنس، فان كان قبل التفرق صح التبديل، لحصول شرط الصرف، لكن حيث ذكرنا سابقا: انه قبل القبض لا لزوم للعقد، فاللازم رضى الطرفين بالابدال. ولم يعرف وجه قول المهذب: (فللبائع الابدال الجنس، وللمشتري مطالبة البدل) وان علله في شرحه: (بعدم فردية المقبوض للكلي، فيكون هذا القبض كالعدم، فعلى البائع الابدال بمقتضى التزامه، وللمشتري مطالبة البدل). فإنه إذا لم يلزم البيع كيف يكون ذلك؟ أما إذا كان بعد التفرق، بطل البيع في الكل إذا كان الكل من غير الجنس، أو البعض إذا كان هو فقط من غيره، وإذا بطل في البعض كان خيار تبعض الصفقة كما تقدم. |
|
الارش في بيع الصرف |
|
ثم إنه حيث جمع المقام بين اعتبار شرط الصرف وشرط الربا، فالارش في المعيب غير صحيح على القول: بأنه جزء للزيادة حينئذ في المتساويين بلا ضمائم، ولكونه خارج المجلس فيما لو لم يعطه فيه. أما من يرى انه تدارك لا جزء فيه، فلا بأس به. وقد استدل لكونه جزءاً بما يلي: بالعرف. وبالداعي من التعامل الذي هو التقابل الحاصل بالارش، ولذا عبر بعض الفقهاء: بأنه جزء من الثمن، نسبته إليه كنسبة قيمة الصحيح إلى المعيب. وببعض الروايات كقول علي (عليه السلام): (يردّ البائع على المبتاع فضل ما بين الصحة والداء)(17) إلى غيره من الأخبار التي وردت بهذا المضمون في بيع الجارية، وفي رواية زرارة عن الباقر (عليه السلام): (كان علي بن الحسين (عليه السلام) لا يردّ التي ليست بحبلى إذا اوطأها، وكان يضع له من ثمنها بقدر عيبها)(18) ومثله غيره. واستدل لعدمه وانه تدارك بما يلي: بان رؤية العرف الجزئية ليست على نحو الحقيقة، بل على نحو النتيجة، فان الحال والمآل عندهم بمنزلة واحدة، ولذا يقولون: قتل يزيد الحسين (عليه السلام)، و(أفسد الأب ولده) فيما إذا تركه، وما أشبه. والداعي: ليس من المعاملة فإنهم يريدون النتيجة، ولا يهمهم بعد أن كان في الصحيح أو من باب التدارك. ومنه يعرف: ضعف دلالة الروايات. |
|
المتيقن من أدلة الصرف |
|
ثم إن المتيقّن من دليل الصرف والربا هو: جزئية العقد، لا ما خرج عنه وإن كان من تبعاته، ولو شك فالأصل: وجوب دفع مقدار المالية، أما خصوصية كونه من الثمن فالأصل عدمه، ولا يعارض ذلك بأصل عدم كونه تداركاً، إذ لا أثر لهذا الأصل، فيبقى الأصل الأول بلا معارض، ولذا قال بعض المعاصرين: انّ المسألة من صغريات الأقل والأكثر، فتأمّل. |
|
لو قلنا بالارش |
|
ثم لو قلنا بالارش: فاللازم ملاحظة القيمة يوم البيع لا يوم العطاء، لأنه يوم التقابل، فإذا زاد أو نقص لم يهم ذلك. ويؤيده ـ بالإضافة إلى أنه مقتضى العقد ـ مكاتبة(19) محمد بن الحسن إلى أبي محمد (عليه السلام): (رجل استأجر أجيراً يعمل له بناءً وغيره، وجعل يعطيه طعاماً أو قطناً وغير ذلك، ثم تغير الطعام والقطن من سعره الذي كان أعطاه إلى نقصان أو زيادة، أيحتسب له بسعر يوم أعطاه أو بسعر يوم حاسبه؟ فوقع (عليه السلام): (يحتسب له بسعر يوم شارطه فيه إن شاء الله)(20) الخبر. نعم، لو كان مقصود المتعاملين الذي انصب عليه العقد ولو ارتكازا غير ذلك، كان اللازم اتباعه، كما تقد م في كون القيمة ليست إلا دلاّلاً على الأكثر، وإنما المهم عند الناس الأحجام التي يريدونها، وذلك بتبعية العقد للقصد، وإلا لم يكن من (عقودكم) المستفاد من: (أوفوا بالعقود)(21). ثم إنه لا فرق في ما ذكرناه: من صحة الارش، بين كونه من النقدين أو من غيرهما بعد أن عرفت انه تبع وليس من مصب العقد حتى يلزم الربا أو عدم القبض في المجلس. هذا كله في المبيع الشخصي، أما الكلي في الذمة: فإذا ظهر في المقبوض عيب كان له تبديله، لأن المقبوض ليس من ذلك الكلي، كما إذا اشترى نحاساً فسلمه صفراً، فإنه لا يوجب بطلاناً أو خياراً أو ارشاً، لكن اللازم أن يكون فيما نحن فيه قبل التفرّق. |
|
التراضي على الارش |
|
ثم الظاهر: انّ لهما التراضي على الارش، لأنه لا يعدوهما، وليس من قبيل إعطاء غير الشيء، والفرق بين غير الشيء وبين المعيب: انه ليس فرداً، بخلاف هذا فهو فرد معيب، لكن هذا القدر لا يوجب عدم حقه في البدل، فقولنا: (كما إذا اشترى نحاساً) من باب بيان حقه في البدل. وعلى هذا: فإذا أراد المشتري البدل، والبائع الارش، كان الحق مع المشتري، وعكسه عكسه، وبذلك ظهر وجه النظر في قول المهذب: (كان له الخيار بين فسخ البيع ورد المقبوض، وبين إمضائه وإمساك المعيب بالثمن، وبين مطالبة البدل). كما ظهر النظر في قول المنهاج: (لاحق له في الارش إن رضي به). |
|
بيع الصرف والعلم بأوزانه المتعارفة |
|
ثم لا يخفى: انه لا يلزم علم المتعاملين بالأوزان المتعارفة، كما إذا وردا بلدا لا يعرفان نسبة وزنه إلى أوزان بلدهم، والعكس صحيح أيضاً. ولا دليل على لزوم الاعتماد على الأوزان المتعارفة، فإنه من جهة عدم الغرر مما ليس في المقام منه شيء، وكونه تعبدّاً غير ظاهر. ومنه يعلم: انه لو لم يكن وزن لهما أيضاً، وإنما يعطيان حسب وزن مجهول القدر، وذلك بأن يضع كل منهما جنسه ـ مثلا ـ في كفة يقابلان، أما إذا كانا في برية مثلاً ولا يعلمان وزن البلد وصنعا وزناً لأنفسهما يزنان به فالإشكال أقل. |
|
إشكال وجواب |
|
ثم إنه ربما يستشكل في الجمع بين حقه في التبديل أو الارش: بأن المبيع إن كان خصوص الصحيح فلا وجه للثاني، وإن كان الأعم فلا وجه للأول. والجواب: اختيار الثاني بشرط ارتكازي، كما يراه العرف كذلك. أما الجواب: بأن المصب خصوص الصحيح، وانه من باب التبديل بالمراضاة، ففيه: انه وإن كان ممكناً في نفسه إذا قصداه، إلا انه خارج عن قصد المتعاملين، وإلا أمكن أن يقال مثله في الصفر والنحاس ـ كما مثلناه ـ، ولا يقولون به، فهو دليل على أن مصب كلامهم ما هو العرفي. |
|
فروع |
|
وحيث عرفت: ان البدل غير المبيع الأول، لعدم قبول أخذ مبدله أن يكون مصداقاً، فليس نماء البدل للآخذ، لأنه من الأول لم يقع مصداقاً، لا انه مصداق وبالتبديل تبدّل، كما أن نماء البدل قبل التبديل ليس للمبدل، إذ هو بعد مال صاحبه، وإنما يكون للمبدل بعد التسليم والتسلم. وإذا بد له ثم ظهر البدل معيباً أيضاً، فله كل من التبديل والارش، لوجود ملاك الأول هنا أيضاً، وقد يريد الآخذ الثاني على عيبه، لأنه أقرب إلى مقصده من الأول، بينما لم يكن يريد الأول وإن كان الثاني أكثر عيباً. وكيف كان: فقد ظهر مما تقد م وجه النظر في قول المسالك: (إن وجد البائع بها [أي: بالعين حين العقد] عيباً لم يستبدلها، بل: إما أن يرضى بها، أو يفسخ العقد) إذ قد عرفت: ان له أخذ الارش أيضاً، كما أن لهما الإستبدال بالتراضي، اللهم إلا أن يريد حسب القواعد الأولية، أما التراضي فهو أمر خارج. |
|
بيع المصاغ بغير المصاغ |
|
مسألة: لا يجوز اشتراء المصاغ منهما بجنسه غير المصاغ الذي هو أقل قيمة مع زيادة أصل الأجرة أو تفاوتها، لأنه ربا على ما عرفت سابقاً، نعم يجوز الإشتراء بغير الجنس، أو إذا كان حلياً فيه شيء آخر كالقار في الحجول، والفص في غيرها، فتكون الزيادة في قبال ذلك، وأوضح منه: ما لو كانت الضميمة في الطرفين، وقد تقدم: انه يجوز أن يعطيه ذهباً في قبال ذهب غير مصاغ ويعطيه أجرة الصياغة، والنتيجة وإن كانت واحدة إلا انه لا يلاحظ في باب الربا إلا المصب. ولا فرق في عدم الجواز بين كون أجرة الصياغة على نحو الجزئية أو القيدية أو الشرط، لأنه في الأول تحصل الزيادة في أحد الجانبين عيناً، وفي الأخيرين حكماً، ويمكن التخلّص هنا بما ذكرناه سابقاً: مثل أن يهبه الأجرة أو ما أشبه ذلك. وإذا زعما صحة الزيادة فأعطاه قدر الأجرة ثم تبين عدمها، فقد سبق: ان الظاهر عدم البطلان إلا في قدر الزيادة. فإذا اختلفا فقال البائع: ان الزيادة كانت هبة(22) فلا حق للمشتري في استرجاعها، وقال المشتري: بل كان ربا فله الحق في استرجاعها، كان الحق مع الأول، إذ أصالة الصحة حاكمة. نعم، حيث كان أصل الصحة أمارة ويترتب عليها آثارها، فإذا كانت الهبة ـ على تقديرها ـ مما يمكن استرجاعها حق له الاسترجاع. ولو اختلفا في أنها: كانت على نحو الهبة المذكورة حيث يحق له الاسترجاع، أو النذر ـ مثلا ـ حيث لا يحق له الاسترجاع، فالاستصحاب وإن كان مع الثاني إلا انه محكوم بأصالة عدم اللزوم، لأنه شيء زائد، والمفروض: عدم العلم به.
|
|
1 ـ المائدة: 1. 2 ـ الذهب، والفضة المسكوكين. 3 ـ وسائل الشيعة: 12 / 474 ب 10 ح 7. 4 ـ وسائل الشيعة: 12 / 474 ب 10 ح 10. 5 ـ وسائل الشيعة: 12 / 474 ب 10 ح 9. 6 ـ وسائل الشيعة: 12 / 474 ب 10 ح 9. 7 ـ وسائل الشيعة: 12 / 472 ب 10 ح 3. 8 ـ وسائل الشيعة: 12 / 472 ب 10 ح 4. 9 ـ وسائل الشيعة: 12 / 472 ب 10 ح 2. 10 ـ وسائل الشيعة: 12 / 474 ب 10 ح 10. 11 ـ وسائل الشيعة: 12 / 473 ب 10 ح 5. 12 ـ مستدرك الوسائل: 13 / 308 ب 13 ح 15443. 13 ـ راجع موسوعة الفقه ج 47 ـ 48 كتاب الجهاد. 14 ـ بل شورى الفقهاء المراجع. 15 ـ أي المسكوك. 16 ـ راجع موسوعة الفقه، كتاب الخيارات ج 1 ـ 2. 17 ـ وسائل الشيعة: 12 / 414 ب 3 ح 2. 18 ـ وسائل الشيعة: 12 / 415 ب 4 ح 5. 19 ـ كما في باب الإجارة. 20 ـ وسائل الشيعة: 12 / 4025 ب 26 ح 4. 21 ـ المائدة: 1. 22 ـ معوّضة مثلاً. |